مدوناتغير مصنف

الداعمون الرئيسيون لحملة “مش بسيف” الداعية للمجاهرة بالفطر من المطبعين مع اسرائيل

جمعية "المفكرون الأحرار" ومواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية

 

يُدقٌّ ناقوس الإنذار حين يدسٌّ السم في العسل وتصبح عبارتان مقدستان لدى أي إنسان عاقل هما  ” التفكير والحرية” مدخلا تستغله “حركة المفكرين الأحرار” و“الحزب اللبيرالي التونسي” لوصم عادات جماعية ثقافية يتّبعها المجتمع التونسي بالتخلف والداعشية،مقارنة إياه بالمجتمع الإسرائيلي الديمقراطي الحداثي على حد تعبير أحد نشطاء تلك الجمعية ورئيسها  والناطق الرسمي باسم هذا الحزب مستغلا الموضوع الذي قد يميل إليه أغلب مساندي حقوق الإنسان ألى هو موضوع الأقليات.

فقد دعت حركة المفكرين الأحرار للوفقة إحتجاجية “مش بسيف”  المطالبة بعدم غلق المقاهي والمطاعم في شهر رمضان وحرية الإفطار العلني دون التعرض للملاحقة القانونية والأمنية. وقدكان الأمر محل نقاش واهتمام من نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي طوال الأسبوع الفارط، إلاّ أنه في مساء يوم سبت 26 من ماي 2018 وصباح يوم الأحد 27 من ماي 2018 طالب البعض من المؤيدين لتلك الوقفة بمقاطعتها لتورط أعضاء الحركة في التطبيع مع إسرائيل، مذكرين رفاقهم بأن مسألة حقوق الإنسان والقضايا العادلة مبادئ لا تتجزأ.

وإثر ذلك التنديد، قامت صفحة المفكرين الأحرار بإزالة كل ما يتعلق بمسألة التطبييع الإسرائيلي وبحذف كل عضو تحدث عن هذا الأمر. وهنا أصبح الأمر يستدعي النظر للموضوع من زاوية أخرى.

لأن المفكر الحر لا يقدس إلا الحقيقة.. و لأن الإنسان الحقيقي لا يقدس إلا الحق

لأن المفكر الحر لا يقدس إلا الحقيقة … فأن تكون مفكرا حرا يعني أنك تضع كل شيء تحت مجهر النقد و البحث و التحليل بلا قداسة لأي صنم و لا خضوع لأي غسيل دماغ ٠٠ و يعني أن تحلل كل شيء دون وضع نتائج مسبقة ٠٠ و دون أي إديولوجيا مسقطة تتحكم بطريقة تحليلك ٠٠ و دون خوف من نتائج بعينها ٠٠ أو طمع في ثواب نتائج بعينها ٠٠

هذه هي الأفكار التي تُعّرف بها حركة مفكرون أحرار نفسها .. لكن يبدو أن مفهوم الحقيقة والحرية وعدم تقديس الأصنام والشجاعة ونبذ أي إيديولوجيا مسقطة مفاهيم تعد حكرا على الأقليات في تونس، أما جرائم الكيان الصهيوني وكل مايتعرض له الفلسطينيون من تقتيل وعنصرية وتهميش وإقصاء في أرضهم  المحتلة من عدو هاجم تونس سنة 1985 وقام بتصفية الشهيد التونسي محمد الزواري أمام منزله سنة 2017،  ليس من مشمولات تلك الحركة أو من مقاصد ذاك البيان.

فالحركة التي نددت بإغلاق المقاهي بخطاب متعال وفج على صفحتها الرسمية في الفايسبوك: “لقد آن لهذا القانون الكارثي أن يتغير وسنغيّره رغم أحاسيسهم و مشاعرهم الداعشية المرهفة !!، يعبر رئيسها  عن الإعتداء على الفلسطنيين بعد الإنتفاضة الثانية  بهذه الطريقة:

“بلدان وحيدان في العالم تصدّيا للعمليات الإرهابية الكاميكازية بنجاح.. البلد الأول هو أميركا عندما تصدت للكاميكازيين اليابانيين بقنبلتين ذريتين .. و البلد الثاني هو إسرائيل التي قررت هدم منازل الإستشهاديين الفلسطنيين بعد موجة الهجمات الإنتحارية التي أعقبت الإنتفاضة الفلسطينية الثانية ..ولم يجرؤ أحد في العالم الحر على إنتقاد إسرائيل بعد ما شهدوه من نجاح منقطع النظير..”

 

 

الناطق الرسمي باسم الحزب اللبيرالي التونسي ورئيس حركة مفكرون أحرار والممضي على كل بيان ينزله الحزب لا يخفي على صفحته الخاصة دعمه لإسرائيل ومساندته لها في قتل الفلسطنيين بأبشع الطرق في نفس الوقت الذي يهاجم فيه المجتمع التونسي وينعته بنعوت الإرهاب والداعشية و هو الأمر الذي محل استهجنه شق من المؤيدين للمسيرة الذين تراجعوا عن الوقوف إلي جانب هؤلاء إلا أن شقا آخر لم يحرك فيهم هذا ساكنا وعبروا عن أن مطالبهم الخاصة مسألة أولوية وأن حقوق الإنسان الكونية مسألة لا تعنيهم، إضافة إلى أن مسألة التطبيع قد تختلف فيها الأراء ووجهات النظر. ودعا هؤلاء  رفاقهم إلى أن لايولوا اهتماما لهذه المسألة، ولم يتوانوا في الخروج يوم الأحد 27 من ماي 2018 للإحتجاج إلى جانب جهة تساند كيانا مجرما.

من الواضح أن هذه الجمعية التي طالما تحدثت عن الإلحاد والفكر الحر وعدم خوضها في صراع الأديان والسياسة والتي نعتت ماصرح به وزير داخلية في هذا الموضوع بالإرهاب الإسلامي و الدعششة أن الملحديين فيها لا ينزعجون إلا لدين معين و إلا لتنظيم إرهابي محدد فهم ملحدون و لكنهم ملحدون يساندون كيانا دينيا يمارس الإرهاب ودولة تقوم على فكرة القومية اليهودية.

 

الناطق الرسمي باسم الحزب اللبيرالي التونسي ورئيس حركة مفكرون أحرار والممضي على كل بيان ينزله الحزب لا يخفي على صفحته الخاصة دعمه لإسرائيل ومساندته لها في قتل الفلسطنيين بأبشع الطرق في نفس الوقت الذي يهاجم فيه المجتمع التونسي وينعته بنعوت الإرهاب والداعشية

 

أما عن الحزب الليبرالي التونسي الذي ينتمي إليه رئيس حركة مفكرون أحرار فهو أيضا داعم لهذه الحملة وهذا بعض ممّا ماجاء في بيانه الممضى بإسم رئيس مفكرون أحرار حاتم الإمام :يستنكر الحزب الليبرالي التونسي انبطاح وزير الداخلية للتيار الإسلامي المتشدد في تونس و يؤكد أن موقف الوزارة القامع للحريات الفردية هو استسلام للإرهاب الإسلامي.

وفي المقابل يصرح رئيس هذا الحزب منير بعتور  في جويلية 2017 أن القضية الفلسطنية لا تعني شيء لتونس ويدعو الدولة التونسية للتطبيع مع اسرائيل لأن اكثر من 200 ألف يهودي تونسي يقيمون في اسرائيل ، والتطبيع حسب رأيه سيخدم مصلحة تونس لأن اسرائيل قوة تكنولوجية..

و قد أضاف منير بعتور في نفس التصريح أيضا أن هؤلاء اليهود التونسيين الحاملين للجنسية الإسرائلية محرومون من التواصل مع عائلاتهم والحصول على جواز سفر تونسي.

ولنسطّر بوضوح العلاقة المتنية بين هذا الحزب وحركة مفكرين أحرار الداعمة لحملة “مش بسيف”  فقد انزلت الصفحة الرسمية لهم استبيانا تطلب فيه من متابعي الصفحة وأعضائها الإدلاء برأيهم في هذا الموضوع و التشجيع على أن يكون موقفهم من الأمر إيجابيا.

 

حقوق الأقليات أهم جدا من حق شعب مستعمر أصبح هو نفسه أقلية في وطنه

من ضمن ما نشره الناشط بهذه الجمعية حاتم الإمام على صفحته بالفايسبوك رمضان الفارط أثناء خوضه في موضوع الإفطار علنا : تخيلوا لو فرضت إسرائيل على مواطينها المسيحيين والمسلمين عدم العمل يوم السبت إحتراما لمشاعر الأغلبية اليهودية، طبعا لا يمكنك تخيل ذلك فإسرائيل دولة علمانية تحترم حرية المعتقدات على عكس بقية جيرانها الصائمين ..

 

 

نعم طبعا لا يمكنك تخيل ذلك لأن ذلك لا يحدث من الأصل ولكن الطمع في الثواب الذي حذّر منه حاتم الإمام في بيان “مفكرون الأحرار “قد أعمى بصيرته فتهجير معظم أبناء الشعب الفلسطيني عن ديارهم وتحويلهم إلى مهجرين ولاجئين في بقاع الأرض المختلفة  إثر إقامة دولة إسرائيل بعد حرب 1948،أمر لا يعنيه.

وهدم 420 قرية فلسطينية وتحويل الأغلبية الفلسطنية إلى أقلية في بلادها (سكان مدينة يافا قبل النكبة قرابة 95 ألفا ولم يبق منهم سوى أربعة آلاف، وتهجير جميع السكان العرب من مدن طبريا وصفد وبيسان والمجدل وأغلبية سكان حيفا وعكا واللد والرملة) لا يندرج ضمن حقوق الإنسان.

 

لا تخوننا الذاكرة فنستحضر مشاهد لمفطرين في الشوراع التونسية لسنين خلت ولمقاهي قليلة تغلفها الجرائد ولا يعيرها أحد بالا ولا تهاجمها وزارة الداخلية..  فمالذي تغير كي يبرر هذه الدعوات؟!

 

أما عن اعتبار الفلسطنيين قضية أمنية وفئة يجب الطعن دائما في إخلاصها لمؤسسات الدولة تطبّق سياسة “المنح والمنع” عليهم حسب مدى هذا الإخلاص، ناهيك عن اعتماد سياسة التوجيه والمراقبة اللصيقة وسياسة فرق تسد وهي سياسة سيادية استعلائية مرتكزة على مبدأ تقسيم أبناء الأقلية القومية العربية الفلسطينية إلى مكونات دينية طائفية (مسلمون ونصارى ودروز) و كبح كل حراك الإجتماعي للفلسطنيين والتوزيع الجائر للثروات، فضلا عن الإستلاء على الأراضي كلها، أمور لا تندرج ضمن حقوق الأقليات.

ثم إن مؤسسي دولة إسرائيل التي يصفها رئيس الحركة بالتقدمية تعاملوا مع الوافدين إليهم من اليهود أنفسهم بعد استيلائهم على أرض فلسطين معاملة تقوم على التمييز العرقي، فهم منذ البداية ميزوا بين المهاجرين اليهود من الدول الأوروبية أو اليهود الأشكناز (الغربيين) وبين اليهود العرب الشرقيين (السفارديم) الذين نظروا إليهم نظرة شك وعدم ثقة، لتلوثهم بالعنصر العربي والشرقي، معللين ذلك بتدني مستواهم الاجتماعي والثقافي مقارنةبيهود أوروبا، على حد تعبير الباحثة في الشؤون الإسرائلية رندة بحير التي تحدثت أيضا عن ظهور أصوات داخل إسرائيل طالبت بوقف هجرة اليهود من الدول العربية.

 

هل أن المشكل لا يتمثل في ممارسة الأقليات الفردية لحقوقها بل في ممارستها بشكل جماعي، لا سيما إن كانت تحت غطاء تنظيم جمعياتي؟

 

و قد تبنى هذا الموقف علنا ديفد بن غوريون الذي كتب في مذكراته “إن يهود أوروبا شكلوا شخصية الشعب اليهودي في العالم بأسره. والصهيونية هي في الأساس حركة اليهود الغربيين”. وشبّه بن غوريون يهود البلاد العربية “بالزنوج الذين أحضروا إلى أميركا كعبيد”، مما أدى لاحقا إلى ظهور عدة تحركات احتجاجية من الإسرائليين نفسهم كحركة “الفهود السود” في مطلع السبعينيات الذين تظاهر منهم الآلاف في الشوارع في أيار 1971 وجوبهوا بالقوة واعتقل منهم العشرات.

يمكن لأي متابع لمسألة المطالبة بالحق في الإفطار علانية وفتح المطاعم ملاحظة أن الأمر يتجاوز منع الوزارة لفتح المقاهي أو المطاعم. فتعرّض مالكي المقاهي للوصم الإجتماعي أشد وطأة من القانون نفسه، ذلك أن شهر رمضان يحتل مكانة سوسيوثقافية في الوجدان الجماعي، فهو ليس مجرد طقس ديني يقارن بالصلاة مثلا.. بل هو ممارسة جماعية يتداخل فيها  العرفي بالاقتصادي و الديني، ومديرو المطاعم والمقاهي أنفسهم يراهنون في شهر رمضان على الحرفاء الليليين من الصائمين الذين يمثلون الأغلبية الإجتماعية.

 

ألا يبدو اهتمام حركة “مفكرون أحرار” بمشاكل الأقليات بصفة عامة والإثنيات الأمازيغ والأقليات الجنسية شبيها باهتمام إسرائيل بمسألة الأقليات في عدة بلدان مجاورة؟

 

لذلك يبدو أن الأمر أكبر من تقنين مسألة الصيام في الدستور أو البحث عن قوانين تمنع المجاهرة وهو ما ذهبت إليه وزارة الداخلية، أو تتبع البوليس لمن يفطر علانية، فالحديث في هذا الأمر من وجهة نظر تغييرية يتطلب البحث أولا في تركيبة المجتمع التونسي و التعمق فيها.

ولا تخوننا الذاكرة فنستحضر مشاهد لمفطرين في الشوراع التونسية لسنين خلت ولمقاهي قليلة تغلفها الجرائد ولا يعيرها أحد بالا ولا تهاجمها وزارة الداخلية..  فمالذي تغير كي يبرر هذه الدعوات؟!

هل أن المشكل لا يتمثل في ممارسة الأقليات الفردية لحقوقها بل في ممارستها بشكل جماعي، لا سيما إن كانت تحت غطاء تنظيم جمعياتي؟

ثم ألا يبدو اهتمام حركة “مفكرون أحرار” بمشاكل الأقليات بصفة عامة والإثنيات الأمازيغ والأقليات الجنسية شبيها باهتمام إسرائيل بمسألة الأقليات في عدة بلدان مجاورة؟

 

كل التدوينات المنشورة لا تعبر إلا على آراء أصحابها

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد