مدوناتالرئيسيغير مصنف

أن تزور المسجد الأقصى في رمضان

رمضان 2018

 

الطريق إلى القدس من مدن الضفة الغربية ليس سهلا، وسكان الضفة الذين لا يتاح لهم الصلاة في المسجد الأقصى إلا أيام الجمع في رمضان يضطرون لمكابدة معاناة كبيرة في الطريق إليه، من أشكالها تفنن جنود الاحتلال الصهيوني في إذلالهم على الحواجز، وتقنين دخولهم، وإبقائهم في الانتظار ساعات طويلة تحت الشمس.

أما الأسوأ من ذلك كله فهو المبالغة في استعراض القوة بمئات الجنود المسلحين المنتشرين في كل زاوية وشارع، وكأن مراد الاحتلال القول للفلسطينيين إن القدس مستباحة بالكامل له، وإنها لا تنتمي لهم، حتى حين يضطر للسماح لعدد من سكان الضفة بالصلاة فيه، والتغاضي عن احتشادهم بمئات الآلاف كلّ جمعة في ساحات الأقصى، والتغافل عن المعاني التي تؤكدها رسالة الإصرار على هذا الحشد رغم تلك المشقات التي تكتنف طريق الوصول إلى المسجد.

فالذاهب إلى المسجد الأقصى من الضفة الغربية يحمل مع شوقه الكبير للصلاة فيه خلال شهر رمضان معاني الرباط والصبر وتحمل الجوع والعطش، وتكبر قيمة الصبر في قلبه حتى يهون دونها التعب وقهر الاحتلال، بقدر ما تتراكم في وعيه آثار مرأى القدس وهي محتلة، ومسجدها محاصر، ودروبه مرصوفة بدنس المحتلين.

لكن الولوج إليه من أحد أبوابه واستقبال مسجد قبة الصخرة أو المسجد القبلي أو أي من معالم المكان كفيل ببث طاقة هائلة من السكينة واليقين في قلب المرء، فتلك معالم ناطقة لا هياكل ومبان جامدة، وكل ركن فيها ينبض بالحياة ويتحدث عن نفسه وتاريخه، ابتداء من ليلة الإسراء والمعراج، وصولاً إلى آخر لحظة رُفعت فيها قبضة لتتحدى الغاصبين، وتؤكد انتماء القدس لأهلها الأصليين، وحق المسلمين جميعاً في أقصاهم.

 

الذاهب إلى المسجد الأقصى من الضفة الغربية يحمل مع شوقه الكبير للصلاة فيه خلال شهر رمضان معاني الرباط والصبر وتحمل الجوع والعطش، وتكبر قيمة الصبر في قلبه حتى يهون دونها التعب وقهر الاحتلال، بقدر ما تتراكم في وعيه آثار مرأى القدس وهي محتلة، ومسجدها محاصر، ودروبه مرصوفة بدنس المحتلين

 

فلا مكان هنا لخرافات الهيكل المزعوم، وليس ثمة موطئ قدم لمعتمري القبعات السوداء من اليهود المتطرفين (وكلهم متطرفون بمظاهر مختلفة)، الذين يحاولون تدنيس ساحاته، بعد أن سيطروا على حائط البراق وجعلوه مبكى لهم، وشاهداً على خرافتهم ووهمهم الذي نسجوا منه هيكلاً في أحلامهم، لكنه ظل أوهَن من بيت العنكبوت، وظلت تكبيرة واحدة تصدح في أرجاء المكان قمينة بالانتصار لصاحب الحق على غاصبه، والعلو بالمظلوم على الظالم.

خلال زيارتي للمسجد الأقصى في أول جمعة من رمضان هذا العام كانت الفكرة الأولى التي جالت في خاطري لحظة عبوري حارات البلدة القديمة المفضية إلى الأقصى اعتصام المقدسيين قرب باب الأسباط في تموز من العام الماضي، خلال ما عُرف بمعركة البوابات الإلكترونية، والتي أدت إلى إلزام الاحتلال بالتراجع عنها وتفكيكها بعد أن كان قد اتخذ قراراً بتركيبها على مداخل المسجد الأقصى، وهو أمر كان من شأنه -لو تم إنفاذه- فرض قيود حديدية على كل داخل للأقصى، وإرهاقه واستنزافه، وتغيير معالم المكان وتحويله إلى معسكر أمني كبير، مما يعني تراجع أعداد المصلين، وصعوبة الوصول للأقصى، تمهيداً لتهويده بالكامل وفرض وصاية صهيونية مطلقة عليه.

 

إن ثبات المقدسيين في اعتصامهم ذاك قد أفضى إلى إرغام الاحتلال على التراجع عن إجراءاته الخطيرة تلك، وقد خدم في المقابل وضع المسجد الأقصى، رغم خضوعه للاحتلال، ورغم إصرار المستوطنين الصهاينة على اقتحام ساحاته بشكل دائم

 

إن ثبات المقدسيين في اعتصامهم ذاك قد أفضى إلى إرغام الاحتلال على التراجع عن إجراءاته الخطيرة تلك، وقد خدم في المقابل وضع المسجد الأقصى، رغم خضوعه للاحتلال، ورغم إصرار المستوطنين الصهاينة على اقتحام ساحاته بشكل دائم، لكن لنا أن نتخيل اليوم لو أنه تم تمرير قرار البوابات الإلكترونية وغيرها من إجراءات الاحتلال حول الأقصى، ولو لم يصمد المعتصمون الأبطال حتى تحقيق مطالبهم، ولو التقط الاحتلال إشارة بأن كل إجراء جديد له في القدس سيُقابل بقبول وخنوع ويمرّ دون احتجاج!

ولعل رسالة هذا الاعتصام تحيلنا اليوم إلى إمكانات ومجالات أخرى يمكن استثمارها وتوظيفها لفك قيود الاحتلال حول الأقصى، ولعل أهمها قيد الصلاة المفروض على سكان الضفة الغربية الذي يحرمون بموجبه من دخول القدس إلا في أيام الجمع في شهر رمضان، لأن التسليم بسياسة الأمر الواقع التي يقررها ويفرضها الاحتلال تعني استطابة الذل، والابتهاج بتلك الانفراجات الطفيفة التي يسمح بها المحتل لأصحاب الحق، فيما المطلوب منهم، إلى جانب الحذر من الوقوع في فخ التعايش معه، أن يبادروا لتغيير واقعه وحمله على التراجع عن تغوّله.

لكن هذا يتطلب إرادة جمعية قوية ومصممة وعارفة واجباتها الأساسية، وغير متحولة عن غايتها الأهم وأولويتها الكبرى في فلسطين، وهي حمل عبء التحرير والاستظلال الدائم برايته، في كل موقع وعلى أي حال.

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد