مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

بسمة صانعة الملسوقة: النار تصنع الحياة أحيانا

ناجح الزغدودي- مجلة ميم

 

تحافظ بسمة على ايقاع نشاطها اليومي الذي ينطلق منذ ساعات الصباح الاولى فتعد طلبات الحرفاء الاوفياء وتتلقى الطلبيات الجديدة المتضاعفة بمناسبة شهر رمضان الكريم. كما تواصل بنفس الحماسة والكفاح تحملها مسؤولية ابنائها لتعوضهم عن حرمان فقدان الأب، رغم أن الاطفال كبروا وأصبحوا شبانا منهم من تزوج بعد التخرج ومنهم من ينتظر الشغل.

 

ما تزال وقفتها أمام الموقد الناري والطبق النحاسي الساخن وملاعبتها لقطع العجين، هي نفسها، التي بدأت قبل 15 عاما، نفس الحركة ونفس النتيجة ونفس العرق المتصبب من جبينها صيفا وشتاء بسبب حرارة الموقد الذي يرافقها طيلة ساعات اليوم مع شيء من الحرفية والتفنّن.

تمتهن بسمة السبوعي (خمسينية) صناعة ما يعرف في تونس ب”ورق الملسوقة” وهي رقائق من عجين الطحين الرقيقة التي تستعمل في صناعة حلويات “البقلاوة” و”البريك” والصمصة وغيرها من الماكولات والاطعمة.

صداقة خاصة نشأت بين بسمة وحرفتها في صناعة الملسوقة، فهي تجمع في صنعتها بين الحرفية والعاطفة كأنها في لحظة مخاض. يبدأ يوم العمل مبكرا. فتضع ما تحتاج من مكونات على الطاولة في الفناء الصغير بمنزلها بالطابق العلوي وعندما تتأكد ان كل شيء جاهز بجوارها، خاصة الدقيق الذي تقتني منه كميات كبيرة لتستجيب للطلبات غير المتوقعة من زبائن جدد.

تبدأ الخطوة الاولى بخلط العجين في ذات الوعاء الذي يرافقها منذ سنوات وبنفس الطريقة التي حذقتها. فتداعبها بكلتا يديها وتلاعبها بأصابعها وهي تضيف الماء باستمرار، وعندما تستوي العجينة تخبرها خلال حوار بينهما، انها جاهزة لبدء العمل فتحولها الى رقائق واحدة تلو الاخرى.

 

 

“نعم انني اتحاور معها وعندما تستوي تخبرني أنها أصبحت جاهزة انظر هكذا تجيب اصابعي” تقول بسمة وهي تواصل ملامسة العجين اللين بيدها اليمنى فترفعه الى الاعلى وهو ينساب بين اصابعها مثل العسل.

مكونات ورق الملسوقة لا تتألف سوى من دقيق القمح الصلب والملح والماء تحولها أنامل بسمة الى كتلة عجين متماسكة ورخوة في مرحلة أولى، وهي مرحلة إعداد العجين التي تحتاج الى حوالي ساعة. ثمة تأتي مرحلة دق كتل العجين على الطبق النحاسي الموضوع على الموقد الملتهب. فتمرّر بسمة العجين على الطبق لتشكل دائرة رقيقة من العجين، تحولها حرارة الطبق الى رقائق مجففة من العجين. وتحتاج العملية الى دقة وسرعة وهي لا تتجاوز 20 ثانية وتكرر هذا العمل عشرات المرات بمعدل 60 ورقة في نصف ساعة.

 

 

تحافظ بسمة على صلابة ملامح وجهها المعبرة عن حزمها وجديتها في العمل كأن هناك من يطالبها ببذل مجهود اكبر. ولكنها لا تكتم الابتسامة حينما تسنح لها الفرصة.

تمسح العرق بمنديل ورق تضعه قريبا منها قبل أن تواصل دق العجين على الطبق النحاسي فيشكل ما يشبه الورقة من العجين ثم تلاطفها بأناملها وعندما ينال حظه من النار تنزعه وتضعه جانبا ساخنا يتصاعد منه البخار.

حلويات شهر رمضان

خلال شهر رمضان يتزايد الطلب على رقائق المسلوقة، فتحرص بسمة على مضاعفة الجهد لتوفير احتياجات حرفائها الذين يتزايدون. بفضل سمعتها الجيدة المتأتية من جودة ما تصنعه، حافظت بسمة على حرفائها الذين تخصص لهم طلبيات يومية طوال العام. وهم جيرانها وأقاربها وأصحاب دكاكين المواد الغذائية الذين يعرضون مصنوعات بسمة على حرفائها ويحالفهم الحظ دوما في ترويجها بفضل جودتها.

 

 

“لم يعلمني أحد هذه الحرفة” تقول بسمة بشيء من الثقة، موضحة انها شاهدت عملية صنع الملسوقة مرة واحدة قبل 15 عاما ولم تحتج الى تعلمها من أحد. ولكن خلال تلك النظرة العابرة لم تراودها فكرة تنفيذ ما شاهدته سوى عندما أصبحت مضطرة للتوفير مورد رزق لها ولأسرتها بعد وفاة زوجها.

“أول يوم بدأت فيه صنع الملسوقة، استحضرت ما شاهدته وانطلقت في التنفيذ” ومع كل يوم عمل يصبح العمل اكثر سهولة ومرونة. كانت تلك اولى خطوات بسمة في صناعة الملسوقة التي طورتها مع مرور الايام وأصبحت ملزمة بإرضاء حرفائها بتوفير الكميات اللازمة والجودة المألوفة.

 

 

مع تتالي السنوات، لم تعد بسمة تبالي بحرارة الطبق النّحاسي الساخن الذي أصبح مثل قطعة من نار ساخنة، وهي تلامس رقاقة العجين لتسوّيها، فتكتفي بترطيب أناملها في وعاء الماء لتخفيف الاحتراق ثم تواصل العمل بنفس النشاط والإرادة وهي تسترق النظر بين الفينة والاخرى الى ما أنجزته.

“كان علي أن أضمن قوت أولادي الذين يحتاجون الى نفقات يومية للمدرسة” تقول بسمة وهي تتحدث عن أولادها الذين تخرج بعضهم بعد الحصول على الماجستير، وهي ابنتها الكبرى التي تخرجت ولم يحالفها الحظ في العمل مثلما حالفها بالزواج.

لم تنتهي مسؤوليتها بمجرد تخرج أبنائها فواصلت تحمل مسؤولية العائلة في ظل عدم حصول ابنها الأوسط على شغل من جهة ومواصلتها توفير تكاليف دراسة ابنتها الصغرى التي تدرس بالإعدادي.

 

امرأة حديدية وطبق نحاسي

لا تخفي بسمة افتخارها بنفسها، رغم ثقل المسؤولية وهي تتحدث عن نجاحها في إعالة أسرتها من جهة، ونجاحها في كسب ثقة حرفائها الذين تعتبرهم رأسمالها. وتحدثت بثقة كبيرة في النفس عن جودة صنعها وكيف أن بضاعتها سافرت الى دول أوروبا وأمريكا وسبقتها الى هناك من خلال توفيرها لطلبيات حرفاء يسافرون إلى عديد الدول وتعتبر بسمة هذا الأمر بمثابة قيامها هي بجولة في انحاء العالم وهي لم تغادر منزلها الصغير.

قبيل موعد الإفطار ببضع ساعات يتضاعف تردد الحرفاء على منزل بسمة في الطابق العلوي بأحد الازقة بمدينة القيروان على مقربة من مقام أبي زمعة البلوي (ضريح الصحابي الجليل).

تخير بسمة العمل واقفة رغم أن بإمكانها الجلوس على كرسي، ولكن انشغالها بالعمل بنسق سريع وحركيتها اللامتناهية، تجعلها تخير الوقوف غير مبالية بالتعب ولا بتصبب العرق من جبينها. فكل ما يهمها هو اتمام العمل في أسرع وقت وضرورة اتمام كمية العجين التي أعدتها، والدافع الثاني هو المحافظة على جودة منتجها من ورق الملسوقة. وهو  يعتبر بمثابة رأسمال لا يجب خسارته.

 

 

تتعدد الاطباق التي تستعمل فيها أوراق الملسوقة بمناسبة شهر رمضان. وهو ما يجعل الطلب يتضاعف على هته الرقائق. وتبذل بسمة جهدا إضافيا يتماشى مع نسق الطلب وتعتبرها أمرا مفيدا لها في تحسين دخلها في هته المناسبة.

غير أن بسمة لا تخفي تحسرها على السنوات الماضية من ناحية تحقق الارباح. وتؤكد أن ربحها من صناعة الملسوقة تراجع بسبب ارتفاع سعر الدقيق في عدة مناسبات بعد ثورة 14 جانفي بتونس. وأكدت انها تقتني حاجياتها من الدقيق بكميات كبيرة، موضحة ان سعر كيس الدقيق شهد ارتفاعا في عدة مناسبات بينما لم يسجل ثمن الملسوقة ارتفاعا.

وأشارت الى تأثر العائلات التونسية بدورها بالصعوبات الاقتصادية، مما أدى الى تقليصها من إستهلاك وإعداد عديد المأكولات، خاصة منها التي تستعمل فيها اوراق الملسوقة زيادة على مشاكل ضعف التزود بالزيت المدعم الذي تستعمله العائلات التونسية في قلي أكلة “البريك” وطاجين الملسوقة والمواد الأولية لصنع حلويات البقلاوة والصمصمة، وهي أكلات تونسية بعضها محلي والآخر وافد، مثل البقلاوة الوافدة من تركيا.

 

تمكين الاقتصادي للنساء

تنشط عديد النساء الحرفيات، اللاتي يتحملن مسؤولية اعالة اسرهن في قطاعات صناعة الحلويات والزربية والنسيج والصناعات التقليدية. يبلغ عدد الحرفيين حوالي 28 الف حرفي وحرفية تقدر نسبة النساء بينهم بأكثر من 60 بالمائة خصوصا في صناعة الزربية.

في إطار مشروع التمكين الاقتصادي للنساء، نفذت وزارة المرأة والأسرة والطفولة التونسية عدة برامج تهدف الى توفير موارد رزق للنساء خصوصا بالأوساط الفقيرة وبالمناطق الريفية من خلال دعمهن ماديا لإحداث مشاريع او تطوير مشاريعهن القائمة خصوصا في قطاعات الفلاحة والصناعات التقليدية التي تتماشى مع التزامات النساء أسريا.

من بين المشاريع الموجهة للنساء، تمكين عائلات تعيلها امرأة من مشاريع فلاحية وصناعات تقليدية بقيمة 5 الاف دينار (حوالي 2 الف دولار) لكل عائلة. وإحداث موارد رزق للعائلات في اطار استراتيجيا مكافحة الارهاب لحوالي 20 عائلة بالقيروان.

لا تشعر بسمة بالرضا وحسن تقدير مصنوعاتها فقط، بل تعتبر نفسها مثالا لقصة نجاح ورمزا للكفاح من أجل أسرتها. وتعتبر نفسها قد وفقت في تربية الأبناء وإعاشتهم رغم الصعوبات التي تعرضت لها نتيجة الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتقبل خصوصا بعد ثورة 2011.  ولكنها تحدثت بمرارة عن مشكل البطالة التي يعاني منها ابنها الاوسط وحالة اليأس التي انتابت ابنتها بعد التخرج فكان زواجها أسرع من حصولها على شغل لمساعدتها على مجابهة متطلبات الحياة.

يواجه الشباب في محافظة القيروان صعوبات كبيرة في الحصول على شغل سواء في القطاع العام او الخاص. وتقدر نسبة البطالة على مستوى وطني خلال الثلاثي الرابع من سنة 2017، بـ 15.5 بالمائة، مقابل 15.3% خلال الثلاثي الثالث لسنة 2017.وفق البلاغ الإعلامي الذي نشره، المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) على صفحته الرسمية ما يعني تزايد الطلب على الشغل.

وجاء في هذا البلاغ أن نتائج المسح الوطني حول السكان والتشغيل للثلاثي الرابع من سنة 2017 أفرزت أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 639 ألفا من مجموع السكان النشيطين مقابل 628.6 ألف عاطل عن العمل تم تسجيله خلال الثلاثي الثالث لسنة 2017.

كما جاء في نفس البلاغ أن نسبة البطالة خلال الثلاثي الرابع لسنة 2017 لدى الذكور تقدر بـ 12.5 % في حين تبلغ هذه النسبة لدى الإناث 22.9%.

في حين تحدث وزير الشؤون الإجتماعية محمد الطرابلسي في تصريح إذاعي أنه من المنتظر أن يتم بعث صندوق للبطالة لتمكين فاقدي الشغل من منحة قارة بداية من سنة 2018.

ودعا رئيس الحكومة يوسف الشاهد خلال مجلس وزاري عقد بالقيروان خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017 الى وضع خطة عاجلة بين وزارات العدل والشؤون الاجتماعية والتربية والمرأة وتوفير كل الإمكانيات البشرية والمادية لها لتحسين المؤشرات الاجتماعية في الولاية. وقد اقر الشاهد يومها بتدني الوضع الاجتماعي لمحافظة القيروان التي تتصدر مراتب أولى في الفقر، بنسبة 34.9 منها 10 بالمائة فقر مدقع من مجموع 600 الف ساكن. وتسجيل المراتب الأولى في الأمية والبطالة مقابل تذيل مؤشرات التنمية في المرتبة 23 من بين 24 محافظة.

 

بنية تحتية اقتصادية منقوصة

ويؤكد لمجد السبري المدير الجهوي للتشغيل والتكوين بالقيروان في تصريح لمجلة ميم، أن العدد الحقيقي لطالبي الشغل بالمحافظة يفوق 30 الف عاطل عن العمل منهم حوالي 9 الاف من اصحاب الشهائد العليا استنادا الى المعهد الوطني للإحصاء، وان 5 الاف فقط منهم مسجلون بمكتب التشغيل بالقيروان.

وأوضح ان هذا العدد من طالبي الشغل يحتاج الى مجهودات إضافية لإحداث المؤسسات ذات الكثافة التشغيلية لتوفير مواطن شغل ويكون لديها تدخل نوعي لطالبي الشغل من اصحاب الشهائد العليا، وهو ما يستوجب توفير البنية التحتية على مستوى المناطق الصناعية.

يذكر أن تهيئة المنطقة الصناعية تأخر ل3 سنوات حيث اعلن عنها خلال مجلس وزاري بولاية القيروان سنة 2015. كما تشهد أشغال تهيئة مناطق صناعية بعدة مناطق تعطيلات مماثلة، على غرار المنطقة الصناعية النموذجية بالوسلاتية التي خصصت لها سنة 2012 اعتمادات بقيمة 3 ملايين دينار من اجل تهيئتها.

أصبحت بسمة فخورة بجودة مصنوعاتها من الملسوقة وهي تتناول ما تستعمله في الطبخ بشغف ممتزج بلذة النجاح في حياتها رغم الصعوبات، وتأمل ان يكون مستقبل أبنائها أفضل في مهنة مستقرة تحفظ كرامتهم، معتبرة ان قمة شعورها بالارتياح هو الإطمئنان على مستقبلهم في ظل الواقع الإقتصادي الصعب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.