اختيار المحررينثقافةغير مصنف

كتاب الإتحاف لأحمد ابن أبي الضياف: تاريخ بايات تونس في عقود من الجمان

شهد سلامة- مجلة ميم

 

الإتحاف هكذا يختصر المختصون في الشأن التاريخي والفكري في تونس تقديم الكتاب الوثيقة الموسوم بإتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان لصاحبه المؤرخ التونسي احمد بن أبي الضياف.

 

وهو من أهم الكتب المرجعية في تونس فهي مصدر لا غني عنه لمعرفة خبايا وخفايا فترة الوجود العثماني وفيه تناول المؤرخ تاريخ البايات بالتدقيق والتمحيص وتتبع الوثائق محاولا تسليط الضوء على عهدهم وكل ما حف به.

ويعتبر المؤرخون اليوم والمهتمون عموما بالظاهرة التاريخية ان الإتحاف هو أهم مصدر يمكن اعتماده لسبر أغوار تاريخ تونس الحديث.

 

 

وينقسم هذا المصدر إلى أربعة مجلدات كبرى  تتفرع بدورها إلى ثمانية أجزاء  أساسية جعل احمد ابن أبي الضياف الجزء  الأول بمثابة مقدمة تنظيرية طرح فيها المؤلف نظرياته الإصلاحية وأفكاره التنويرية التي ارتكزت بالأساس على محاولة تقييد الحكم المطلق في تونس من خلال الشرع ساعيا إلى تحديد حكم البايات.

أما الجزء الثاني فقد أراده ابن أبي الضياف ملخصا لتاريخ تونس منذ الفتح الإسلامي مرورا بكل المراحل ووصولا إلى فترة ما قبل حمودة باشا، مستشهدا في ذلك بالمراجع التي سبقته في هذا المضمار.

وفي الجزء الثالث ولعله احد أهم الأجزاء قارب احمد بن أبي الضياف مراحل حكم مجموعة من البايات وقسم هذا الجزء إلى أقسام داخلية أو فرعية منح كل فرع منها لشخصية من شخصيات البايات فكان حمودة باشا الذي تولى السلطة في تونس عام 1782 حتى عام 1814 ثم عثمان باي الذي لم يحكم سوى ثلاثة أشهر فحسب. ثم تلاه محمود باي الذي حكم مدة عقد من الزمن وباشر السلطة في ديسمبر عام 1814 .

 

حمودة باشا الحسيني

 

ثم تلاه حسين باشا باي الذي تولى العرش الحسيني عام 1824 حتى تاريخ وفاته عام 1835. وعرفت مرحلة حكمه حدثا كبيرا تمثل في تركيز الاستعمار الفرنسي بالجزائر. وتلاه مصطفى باي الذي حكم سنتين خلفا لسابقه.

 

حسين باي

 

ومن خلال التوقف عند مرحلة كل باي استعرض المؤرخ احمد بن أبي الضياف ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والدينية. كما رصد ملامح الحياة الثقافية في تونس أيضا.

وكان ابن أبي الضياف يستقي معلوماته وأخباره من أهل الذكر ومن الثقاة فقد اعتمد في تأريخه على بعض المعطيات التي قدمها له والده الحاج بالضياف الذي كان يعمل في بلاط حمودة باشا كما استقى بعض معطياته من شيخه إسماعيل التميمي واحمد الأبي.

كما اعتمد المؤرخ أيضا على مشاهدته وملاحظاته ومعايناته باعتباره كان معاصرا لهذه الفترة وقريبا من دوائر السلطة ودن أن يهمل أيضا الاعتماد على المصادر الأصلية.

ومن ابرز ما تضمنه هذا القسم من كتاب الإتحاف الرسالة التي وجهها محمد بن عبد الوهاب إلى البلدان الإسلامية ورد الجهات التونسية عليها من خلال ما كتبه قاسم محجوب.

وخصص المؤرخ الكبير حيزا مهما للتوقف عند ظروف احتلال الجزائر من قبل المستعمر الفرنسي عام 1930.

وفي الجزء الرابع كرس ابن أبي الضيوف جهوده لتسليط الضوء على فترة حكم كل من المشير احمد باشا  باي والمشير أيضا محمد باشا باي وتطرق إلى ملامح العامة لحكم كل منهما.

 

أحمد باي

 

فقد عرف عهد الأول بعديد الإصلاحات وبمحاولة تأسيس البنات الأولى لدولة عصرية   عصرية من ذلك  بإنشاء المدرسة الحربية بباردو وإنشاء المكتبة المحمدية  وتنظيم التدريس بجامع الزيتونة ثم  دعم الجيش بالإكثار من الجند ثم الإعانة الحربية للدولة العثمانية  وعتق المماليك. ثم كان التوقف عند رحلة الياي إلى فرنسا واكتشاف العالم الأخر لأول مرة وحالة الانبهار الأتي أصابت الباي والمؤرخ  ابن أبي الضياف الذي رافقه على حد السواء.

و يجدر التذكير بأن المشير احمد باشا باي تولى العرش في الايالة التونسية عام 1837 حتى 1855.

أما المشير محمد باشا باي فقد تطرق المؤرخ إلى بعض الملامح العامة لحكمه والتي اتسمت بتنظيم المحاكم الشرعية وإنشاء قانون عهد الأمان ثم الاهتمام بالزراعة.

وكان الجزء الخامس من نصيب محمد الصادق باشا  باي وفيه تطرق ابن أبي الضياف لبعض الوقائع المهمة التي عاشتها البلاد في مرحلة حكمه  من بينها  إنشاء التلغراف بتونس وإنشاء المطبعة وصدور صحيفة الرائد التونسي.

كما عرفت مرحلة الصادق باي ثورة علي بن غذاهم التي قلبت الكثير من الموازين عام 1864 . ومن أهم ما جاء في هذا الجزء لقاء الباي بنابليون في الجزائر الى جانب طرح مشكلة الامتيازات الأجنبية.

 

محمد الصادق باي

 

وكان الجزء السادس أيضا متابعة لفترة حكم محمد الصادق باي الذي تواصل إلى حدود 1882 في حين توقف ابن أبي الضياف عن الكتابة عند حدود 1872 قبل عامين من وفاته.

وكانت الخاتمة قد احتوت على جزأين خصصهما المؤرخ احمد ابن أبي الضياف  لتقديم ترجمات أو تعريفات لشخصيات تونسية شملت  رجال دولة وقضاة وعلماء دين إلى جانب بعض الأعيان من المدن الكبرى وشيوخ القبائل.

ويعد المؤرخ احمد ابن أبي الضياف من المصلحين التونسيين إلى جانب ممارسته للسياسة وكتاباته في مجال التاريخ وقد ولد في  بدايات القرن التاسع عشر وتوفي عام 1874 وتعود أصوله الى قبيلة أولاد عون بالشمال التونسي ” محافظة سليانة  حاليا ” وقد غادر والده في اتجاه الحاضرة عندما كان صغيرا واستقر بها ودرس بجامع الزيتونة  وواصب رئيس الكتبة لدى الوزير يوسف صاحب الطابع.

 

ابن ابي الضياف

 

واحمد ابن أبي الضياف هو الولد الوحيد لأبيه الذي عاش في منطقة بباب سويقة بتونس وحرص والده على تكوينه بشكل جيد ودرس بالتالي لدى ابرز مشائخ عصره.

عرف بقدرته على الكتابة منذ صغره وكان أول من كتب للدولة العثمانية باللغة العربية وشغل رتبة كاتب السر لدى بعض البايات وتولى منصب الوزارة مع صفة أمير الأمراء وشارك في تحرير ابرز الرسائل التي تهم الدولة في مجال السياسة الداخلية و والخارجية والأوامر العليا.  وأرسل في عديد المهمات من قبل الايالة التونسية إلى الباب العالي ورافق المشير احمد باشا باي في رحلته الشهيرة  إلى باريس في ديسمبر عام 1846.

كما قام بتحرير عهد الأمان. ولعل مسيرته الشخصية أسهمت بشكل كبير في عمق المعطيات التي امتلكها والوقائع التي عاصرها وهو ما تجلى في كتابه الإتحاف.

واتسمت كتابته بأسلوب متفرد يرغب القارئ في تصفح الوقائع التاريخية بشغف وكان يروم تسمية كتاب الإتحاف ب”عقود الجمان”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.