دين وحياة

صوم اللسان.. كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ

#سلسلة آداب الصوم

 

يتكبد المسلم مشقة الصوم وحبس النفس عن الأكل والشرب، لساعات طوال، وفي ذلك أجر عظيم، غير أن هذه المشقة، قد تفسدها بعض السلوكيات المشينة، كما يفسد الخل العسل، من ذلك كثرة اللغو والرفث والفسوق والغيبة والنميمة وحتى الغضب.

وقد ارتبطت جل هذه السلوكيات المكروهة، باللسان والجوارح، لذلك وجب صوم اللسان، وذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.(رواه البخاري)

التقوى لا تكتمل الا بصون اللسان

ولئن لم يشر القرآن الكريم، في آيات الصيام، التي وردت بسورة البقرة، من الآية 183 إلى الآية 187، إلى صوم اللسان وصونه، خلال نهار الصوم، وإنما حثّ على تقوى الله عز وجل، جهرا وسرا، فقد ارتبطت تقوى الخالق عز وجل، بالقول السديد، مصداقا لقوله تعالى  في الآيتين 70 و71 من سورة الأحزاب: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ..}

وقد ذهب المفسرون الى أن الصيام لتحصيل التقوى، والتقوى مع القول السديد يُحصِّلان العمل الصالح المقبول والمغفرة، وبالتالي فالصيام عندما يقترن بالقول السديد يصبحُ عملاً صالحاً مقبولاً يوصل صاحبه إلى مصاف المتَّقين الذين هم أكرم الخلق عند الله “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : ” كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر” .

صوم اللسان في السنة النبوية

فسرت السنة النبوية الشريفة، في أحاديث بيّنة، أبعاد الصوم ومفسداته، فالصوم، ليس فقط ترك الطعام والأكل والشرب، وإنما صوم الجوارح واللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  قال النبي : “الصيام جُنَّه، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم..”

وفي حديث آخر، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : ” كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر” . رواه الدارمي وذكر حديث لقيط بن صبرة في باب سنن الوضوء .

وعن عمر رضي الله عنه قال: “ليس الصيام من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو والحلف”.

وقال جابر رضي الله عنه: “إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب، والمآثم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صيامك وفطرك سواء”.

وقد روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الغيبة تفطر الصائم، وتوجب عليه القضاء، و ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، “ذكرك أخاك بما يكره”، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه”.

صوم اللسان عند العلماء

اجتهد الكثير من العلماء من السلف، في بيان وإيضاح آداب الصوم، حيث ذكر ابن الجوزي: “وللصوم آداب يجمعها: حفظ الجوارح الظاهرة، وحراسة الخواطر الباطنة…ولا بد من ملازمة الصمت عن الكلام الفاحش والغيبة فإنه ما صام من ظل يأكل لحوم الناس.”

وقال ابن القيم: “والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور…الصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم.”

وقد حدد الغزالي، 6 أمور لأداب الصوم، منها،  حفظ اللسان عن الهذيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، والفحش، والجفاء، والخصومة، والمراء وإلزامه السكوت، وشغله بذكر الله سبحانه، وتلاوة القرآن، فهذا صوم اللسان.

 

شهر رمضان مدرسة ومناسبة لإصلاح النفس وضبطها وتعويدها على ما يرضي الخالق عز وجل، فإذا ما عود المؤمن نفسه على الحميد من الأعمال وترك المنكرات وقول الزور وصان لسانه وصوّمه في رمضان، اكتسب القدرة على ضبط النفس وإمساك اللسان عن المنكر فغدا ذلك سلوكه في سائر الأيام والأحوال.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.