مدوناتالرئيسيغير مصنف

رمضان الأول.. والأخير 

لا تعتد رمضان، ولا تفرّط فيه، فإن الله – عز وجل – قد جعله مرةً واحدةً في العام لأنه يكفي العام كلّه

 
 في غرفةٍ شديدةِ الحر، تضيقُ عليهِ فيها أنفاسه فيبحث عن أي وسيلةٍ لتجديد الهواء قبل أن يختنقَ بداخل هذه الغرفة تماماً. العجيبُ في شأنِه أنّ هواءً عليلاً يملأ الكونَ في تلك اللحظات خارج غرفته، وأنّ شقاً يُحدِثهٌ في نافذته يعرِّضهُ لنسماتٍ تُنعشُ روحَه، إلّا أنّه لا يفعل؟

 

جاءَ في الأثَرْ: “إِنَّ لِرَبِّكُم في أيَّامِ دَهْرِكُم لَنَفَحَاتٍ، أَلاَ فَتَعَرَّضُوا لَهَا”.

أمام ذاك الجالسِ في غرفته تضيقُ عليهِ أنفاسه نرى صورتنا جميعاً، صورةَ القلبِ الذي تراكمت عليه الدنيا بما فيها، من ضيقٍ وكَدَرٍ وتعبٍ وذنبٍ حتى كادَ أن يختنقَ تماماً، فإذا بنفحةٍ حديثةِ العهدِ بربّها تأتيه؛ فإمّا أن يفتح نوافذهُ متعرِّضاً لها، أو أن يبقيَ الأبواب والنوافذَ موصدةً عليه يأبى أن يتنفّسَ هذي النفحات رغمَ اختناقه.

ابحث عن رمضانٍ أكثر فاعلية، بح في الدعاء بكلِّ ما يجول بخاطرك، أخبرِ الله عن كلّ أحلامك، تعاهد دعاءً واحداً اجعله ثابتاً لهذا الشهر، أمراً تحتاجه وبشدة

في حيزٍ من العام، يأتيكَ رمضان.. نفحةٌ ربَانيةٌ في وسطِ أيامك، تأتيكَ وسطَ كلِّ ما ألمَّ من حولكَ ومن داخلك، تأتيكَ وسط كل مشاكلك ومشغالك وأحلامك وأمنياتك.

رمضانُ الذي اعتدتَ عليه، بتَّ تعرفُ رسائل تهنئته، وشكلَ موائده، وهيئة تراوحيه، وسهرَ ليله، وتفاصيل عطشه.. رمضان الذي تشتاقُ إليه حيناً، وتُرهَقُ مِن تعبٍ فيه حيناً آخر.. رمضانُ الذي تدركُ فضله، ويُسرعُ انقضاءه.. رمضان الذي يأتيكَ كلّ عامٍ تبعاً، هو نفحةُ الله في عمرك.. لأجلِكَ؛ لأجلِ قلبِكَ المُتعب، لأجلِ روحكَ المشتاقة، لأجلِ كلِّ ما حدثَ معكَ منذ رمضان السابقَ حتى الآن، لأجل كل ما هو آت.

أن تتعرض لنفحات الله في رمضان يعني أن تجعل هذا الـ”رمضان” أكثر فعالية؛ أن تبحث في تفاصيله عمّا يزيدكَ قرباً وحياةً، ألّا يمرّ مروراً عابراً ولكأنّ أمراً لم يحدث، وعظيماً لَم يأت. أن تدخلَ رمضان وكأنه أول رمضانٍ في عمرك، تشتاقُ أن ترى كرمه وجود الله به. أن تتعامل مع رمضان وكأنّه آخر رمضانٍ في عمرك، تريدُ أن تبذل فيه كلّ ما أوتيتَ من قوة. أن ترى رمضان ولكأنّه رمضانك الأول والأخير.

اجعل لرمضانَ أجواءه الخاصة من حولك، عطرٌ خاصٌ لسجادتك، أو مصباح صغيرٌ في غرفتك، أو ضوءٌ على باب بيتك، أو أي أمرٍ يدخلُ البهجة إليك فهذه التفاصيل المادية تَضفي على الأمر بهجته وفرحه

تشتاقُ روحكَ لمعجزةٍ تُحيي كلّ ثنياها، تُنعِشُها لتعودَ على عهدٍ جديدٍ مع الله، وما من معجزةٍ خالدةٍ في هذا الزمان إلّا القرآن، وهذا شهر القرآن فاجعل نصيبَكَ الأكبر منه. لا تردِدكَ جملٌ عابرةٌ هنا وهناكَ عن عبث الإكثار من القراءة؛ فمثل هذه الجمل في سنواتك الماضية لم تصنع تغييراً حقيقياً في نفسكَ إلّا أنّها أبعدتكَ عن كتاب الله أكثر.. اقرأ في كتاب الله ما استطعتَ لذلكَ سبيلاً، هو يجري على روحكَ مجرى الماءِ على إناءٍ اتسخَ. أكثِر من القراءة فجلستكَ مع كتاب الله ستحدثُ في قلبكَ فرقاً وتغييراً. 

ابحث عن رمضانٍ أكثر فاعلية، بح في الدعاء بكلِّ ما يجول بخاطرك، أخبرِ الله عن كلّ أحلامك، تعاهد دعاءً واحداً اجعله ثابتاً لهذا الشهر، أمراً تحتاجه وبشدة، ادعُ كلّ يومٍ لشخص جديد، احمد الله كلّ يوم على نعمةٍ لم تحمده عليها من قبل، اجبر في كلِّ يومٍ خاطراً، قدّم في كلِّ يومٍ صدقةً من مالٍ أو ابتسامةٍ أو إعانةٍ أو غير ذلك.

ادعُ كلّ يومٍ لشخص جديد، احمد الله كلّ يوم على نعمةٍ لم تحمده عليها من قبل، اجبر في كلِّ يومٍ خاطراً، قدّم في كلِّ يومٍ صدقةً من مالٍ أو ابتسامةٍ أو إعانةٍ أو غير ذلك

اجعل لرمضانَ أجواءه الخاصة من حولك، عطرٌ خاصٌ لسجادتك، أو مصباح صغيرٌ في غرفتك، أو ضوءٌ على باب بيتك، أو أي أمرٍ يدخلُ البهجة إليك فهذه التفاصيل المادية تَضفي على الأمر بهجته وفرحه. 

لا تعتد رمضان، ولا تفرّط فيه، فإن الله – عز وجل – قد جعله مرةً واحدةً في العام لأنه يكفي العام كلّه. حتى وإن عاهدتَ الله من قبل فلم تمضي العهد، حتى وإن أذنبت قبل رمضان – أو حتى خلاله – بذنبٍ كبير الأثر، حتى وإن لم تعد تشعر بقلبكَ منذُ زمن، حتى وإن كررت المحاولةَ مراراً وتكراراً فقف على أبواب رمضان ولكأنّه الأول والأخير، وابحث فيه عنك.. عمّا يزيدكَ قرباً.. وفي كلّ سجدةٍ قل: علّ في هذه السجدةِ نفحةُ الله المرسلةُ لقلبي.. علّ في هذه اللحظة ما يعيدُ ليّ الحياة بوصلها وعبق اتصالها. 

الوسوم

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك رد