مدوناتسياسةغير مصنف

الشوط الثاني من البلديات.. اختبار أصعب للحكم المحلّي

الإنتخابات البلدية التونسية

 

 باحت صناديق الاقتراع للانتخابات البلدية ليوم 6 ماي 2018 بأسرارها، وبعد إعلان الهيئة العليا للانتخابات عن النتائج الأولية في انتظار النظر في الطعون، يستمرّ الجدال في المنابر الإعلامية والسياسية حول تحديد الفائزين والخاسرين. ويبدو أنّ هذه المفارقة التونسية بامتياز، تعكس حجم الانقسام المستمر في صفوف النخب خاصة.

 

فرغم مبادرة جهات وازنة في الداخل والخارج بالإشادة بالمُنجز التونسي على طريق الاستثناء العربي، وتهنئة رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي بتصدّر حزبه وفوزه المستحقّ في هذه الانتخابات، رغم ذلك يستمر الخصوم الأيديولوجيون والسياسيون في التشكيك والتلبيس في هذه النتائج والاستنقاص من فوز النهضة، أو المحاولة عبثا سرقة الانتصار أو تحويله إلى هزيمة.

وبعد معركة تأويل أرقام النتائج باحتساب النسب من الأصوات والمقاعد، تبدو معركة انتخاب رؤساء المجالس البلدية وأهم المسؤوليات بها، شوطا ثانيا ساخنا من الانتخابات البلدية، وهو شوط سياسي بامتياز، تدلّ المؤشرات الأوّليّة على أنّه سيكون اختبارا صعبا للحكم المحلي في خطواته الأولى.

تعزّز المسار الديمقراطي بتونس بانتخاب ما يزيد عن سبعة آلاف حاكم محلّي، كان عدد مهمّ منهم من النساء والشباب. جاءت المجالس مرّة أخرى تعدّدية، لا غلبة فيها لطرف، كما يقتضي ذلك النظام الانتخابي المعتمد، عدى حالات استثنائية، وهذا خيار محمود في تجارب الانتقال الديمقراطي.

وبسبب قوانين استبقت النتائج، على غرار القانون الانتخابي الذي لا يجعل رئاسة البلدية آليا للقائمة المتصدّرة، بل يفرض في الفصل 117 منه، انتخاب المجلس للرئيس من بين المترشحين من رؤساء القائمات الفائزة. كما ينتخب المجلس في جلسته الأولى مساعدي الرئيس على أن لا يتجاوز عددهم الأربعة كما نصّ على ذلك الفصل 145 من مجلة الجماعات المحلية.

 

رغم مبادرة جهات وازنة في الداخل والخارج بالإشادة بالمُنجز التونسي على طريق الاستثناء العربي، وتهنئة رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي بتصدّر حزبه وفوزه المستحقّ في هذه الانتخابات، رغم ذلك يستمر الخصوم الأيديولوجيون والسياسيون في التشكيك والتلبيس في هذه النتائج والاستنقاص من فوز النهضة، أو المحاولة عبثا سرقة الانتصار أو تحويله إلى هزيمة

 

واشترط الفصل 7 أن ” يكون الرئيس والمساعد الأول من جنسين مختلفين. ويكون سنّ الرئيس أو أحد المساعدين الأوّلين أقلّ من خمس وثلاثين سنة”. وهذا مكسب آخر. واعتبارا لهذه المقتضيات القانونية انطلقت اتصالات ومفاوضات محمومة بعد ساعات من إعلان النتائج، لإبرام التفاهمات حول رئاسة البلديات والمساعدين وحتى رؤساء بعض اللجان.

رغم الطابع المحلي للمجالس البلدية، فقد سارعت أحزاب سياسية إلى إعلان شروط أو خطوط حمراء لإدارة المفاوضات وإبرام التفاهمات. وعادت أجواء التجاذبات والمزايدات ولم تخل بعض التصريحات والبيانات من تشنّجات ردود أفعال عن النتائج. كما أفصحت بعض التصريحات عن خلفيات أصحابها وفضحت المستور من رؤى رجعية تلتحف الحداثة  في إقصاء  السيدة سعاد عبد الرحيم من رئاسة بلدية تونس، وأخرى عنصرية في الترويج المبتذل لمصطلح “البَلْديّة” لتحقيق نفس الغرض.

تلعثمت ألسن بعض المدافعين عن حقوق المرأة وعن المساواة، وحضرت المكاييل المزدوجة، والتحيّل السياسي، لأنّ الموضوع يتّصل برئاسة سيدة منتمية لحزب النهضة. وكان من السريالية بمكان ما أعلنه نائب عن الجبهة الشعبية من مساندة سعاد عبد الرحيم كامرأة ومعارضة رئاسة النهضة  لبلدية تونس.

 

يبقى الأهم أن صيغ التفاهم والتعايش والتعاطي داخل المجالس البلدية المنتخبة ستكون محدّدة في النتائج العاجلة للبلديات ووقعها على حياة الناس اليومية وستؤثر في نظرة عموم المواطنين للحكم المحلي الجديد

 

ولم تسلم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من التهجّم وليس النقد، واتهامها بالانحياز والاختراق والتأثير في نتائج الانتخابات، حتى ذهب بعضهم إلى تفضيل إشراف وزارة الداخلية مجدّدا على الانتخابات. وهذه صورة أخرى لما تعيشه فرق قدم القدم ببلادنا ومشرفي بعض الجمعيات من اتهامات لا تنتهي للتحكيم وتحميله مسؤولية هزائمها.

لكن من الأسئلة المحرجة التي تفرض نفسها بمناسبة التفاهمات حول المسؤوليات في البلديات، كيف يمكن الوفاء لاختيارات الناخبين الذين رتّبوا المتنافسين، والعمل بمقتضى التوافقات السياسية التي قد تحرم الفائز الأوّل وتقدّم المتأخّر في الترتيب إلى رئاسة البلدية؟

وكيف إذا اقتضت التفاهمات أو أفضت الصراعات إلى أن يكون الرئيس من المتأخرين جدّا في الترتيب أو من الأقلية التي قد تصل إلى مقعد واحد أو اثنين؟

وماذا لو كان هذا الرئيس من أصحاب الشبهات والسيرة غير الحسنة في نظر أغلب الناخبين؟

وما الذي أوصل مثل هؤلاء إلى تقلد المسؤولية مجددا؟

ولماذا لا نقبل بحرمان الفائز الأوّل من الرئاسة  مادام القانون الانتخابي لا يضمن له ذلك وما دامت التوازنات لا تتيح له أغلبية ضرورية؟

وهل المهم رئاسة البلدية أم ضمان الاستقرار والنجاعة بالمجلس ليكون على أكبر قدر من التفاهم والفاعلية في اتخاذ القرارات الخادمة لمصالح المتساكنين مهما اختلفت آراؤهم واختياراتهم الانتخابية؟

وهل يحتفظ رئيس البلدية أو المجلس البلدي بنفس الدور والصلاحيات والصورة القديمة، في ظلّ حكم محلي يعتمد التشاركية والشفافية؟

 

 

لعلّ من أخطر ما رشح من أجواء الاتصالات والتفاهمات حول المسؤوليات، حديث البعض عن مال سياسي ورشاوى للمستشارين لنيل أصواتهم، وماذا ينتظر من حكام محلّيين إذا ثبت انحدارهم إلى هذا المستوى دافعين أو قابضين؟

وتحدّث آخرون عن طموحات شخصية وعائلية لمستشارين لا عمل لهم، والحال أنهم ترشحوا لخدمة الناس تطوعا ولمدّة محدودة ولم يتقدموا لوظائف ومغانم؟

وشاع حديث عن رغبة البعض في التعطيل بالترويج لتشكيل معارضة بالمجلس والأصل أنّ المستشارين جميعا انتخبوا حكّاما وقد يتفقون أو يختلفون بحسب المواضيع المطروحة؟

هذا غيض من فيض إذا صرفنا النظر عن الخلافات بين المركز والمحليات في بعض القائمات الحزبية أو الائتلافية، وعن خلافات وصراعات وتضارب مصالح  بين الفائزين من القائمة الواحدة الحزبية أو المستقلة.

استنادا إلى كلّ ما تقدّم، نخلص إلى أنّ وصف المرحلة الفاصلة بين الانتخابات البلدية في 6 ماي وتركيز المجالس البلدية المنتخبة نهاية مطلع شهر جويلية 2018 بأنّها شوط ثان واختبار صعب للحكم المحلي، وصف حقيقي وليس مجازيا، فللتفاهمات والمسؤوليات رسائلها السياسية غير الخافية.

إذ ستتمّ العودة مجدّدا للحديث عن التوازنات والمكاسب والتوافقات، وستكون للتفاهمات حول البلديات تداعياتها على المفاوضات حول التغيير الحكومي المؤكد والعكس بالعكس.

ويبقى الأهم أن صيغ التفاهم والتعايش والتعاطي داخل المجالس البلدية المنتخبة ستكون محدّدة في النتائج العاجلة للبلديات ووقعها على حياة الناس اليومية وستؤثر في نظرة عموم المواطنين للحكم المحلي الجديد ولمدى إقبالهم على الاستحقاقات الانتخابية القادمة سواء الجهوية أو الوطنية، وخاصة التشريعية والرئاسية في 2019 ومستقبل المتنافسين عليها.

الوسوم

محمد القوماني

سياسي وكاتب تونسي

مقالات ذات صلة

اترك رد