مجتمعالرئيسي

ياسر مرتجى “مِسكه الفايح” ها هنا

قائمة شهداء مسيرات العودة تزدان به

 

هديل عطا الله- فلسطين- مجلة ميم

أخوه معتصم: ما كانت ترضى أمي إلا بقهوة ياسر.. ولم يطلعنا على خبائبه

 

صديقه رشدي: تلقى ياسر عروضاً مغرية للعمل في الخارج ورفضها.. وكان مدهشاً في اكتشاف مهارات الفريق 

 

عمر: أحبَ عمله بجنون ولا أنسى ضحكته يوم وليمة العرس

 

من سحر مقولاته: “اعمل لغزة كأنك ستعيش فيها أبداً”

 

لم نلتقي من قبل؛ وربما لو أن الحظ حالفنا لاحتسينا قهوته أولاً ثم لسألناه عن عشرات الأشياء؛ عن سر البن في القهوة ؛ عن علبة ألوانه التي احتفظ بها من أيام الثانوية؛ عن إتقانه لمهارات عجيبة في الحياة؛ عن البحر الذي ألقي نفسه مراراً بين أمواجه في عز “الأربعينية”؛ عن قطة تقبّل خده وحصان يفرح بصداقته.

عن “باله الطويل” مع الأطفال مهما بلغت درجة انشغاله؛ عن ثلاثة عشرة صورة بالأبيض والأسود جمعها دفعة واحدة؛ كل منها توثق مرحلة من عمره؛ عن غمزته التي تسبق الضحكة في أحلك الظروف أثناء التقاطه “السيلفي”؛ عن “عينٍ” تقيم حواراً مع الأحمر والأخضر في قوس قزح بعد هطول المطر؛ عينه التي ترى الوجود جميلا في مدينة تعيش حزناً لا أول له ولا آخر؛ ويتألق تناغم اللون كلما وقف بجانب عَلم فلسطين؛ ليرفرف كلاهما عالياً.

 

 

هذا السعيد الطيب الطموح المرِح؛ اسمه ياسر مرتجى ؛ مصور صحفي أحرز نجاحاً باهراً ثم رحل باكراُ؛ حين أصيب في الجمعة الثانية من مسيرات العودة أثناء تغطيته لأحداثها ليلقى الله شهيداً في اليوم التالي.

 

 

لو أننا التقيناه لحكى لنا عن سر ابتسامة “الولد الأسمر” حين كان يقود دراجته؛ تُرى كم من الساعات أمضى في لعب الكرة والحجلة؛ كم مرة شهق صاحب الروح الطفولية أمام المشاهد المعدودة من حب الإنسان لأخيه: “يا االله ما أروع الإنسانية”؛ هو الذي كثيرا ما ترك العمل في ذروته وانضم لصغار الحي المساكين تارة يريهم صورهم ليبتسم الجميع؛ وتارة أخرى يسرق من الزمن لحظات لعب و براءة بصحبتهم؛ فيما قلب الطفل الذي بداخله لا يعرف أول جملة ستخطر لحبيبته غادة حين يكبر طفلهما عبد الرحمن ويطلب منها أن تخبره عن بَابا الذي أحضر “خروف العيد”؛ غادة التي ستشرح لصغيرها رويداً رويداً معنى  الحديث القدسي: “إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْببْهُ”.

 

ستشهد النجمات..

في ذكرى نكبة فلسطين الــ 70 التي تصادف ذكراها اليوم؛ تحاول مراسلة “ميم” أن تجمع بعضاً من أجزاء حكاية واحد من شهداء مسيرات العودة؛ ذلك الشاب المفعم بالحياة ذات مرة كتب ملاحظة بخط يده على قصاصة صفراء لأحدهم : “حتى الورد حين يصفعه مطر فإنه بدل انكساره يفوح عطره”؛ وذلك حدث معه تماماً؛ حين صَفعته رصاصات القناص الإسرائيلي صار “مسكاً فايح”؛ فنال من الكرامات ما أدهش الناس.

 

 

هو الذي لطالما تمنى بشوق أن يركب الطائرة ولو لمرة واحدة؛ أو حتى أن يشاهدها فقط؛ ولذا ردد كثيراً: “الناس وُلِدوا ليتنقَّلوا”.

ترعرع في مدينة محاصرة؛ وبقي لــ 31 عام “وداً” يمشي على الأرض؛ و كانت أقصى أمانيه أن ينقل للعالم الصورة كاملة لمدينةٍ قهرها الحصار ولم تجثو.

تحت ظلال شجرة – كانت – تقع في “جحر الديك” جلس رشدي السراج رفيق دربه وشريكه في “عين ميديا”؛ حيث وقع الإثنان في حب الكاميرا؛ بدأ الكلام والدمعة في عينه تلوح: “في أمسياتٍ لا تُنسى ذهبنا إلى شجرتنا الحبيبة؛ لطالما أخبرني ياسر: “أظن أن كل من أمسك بكاميرا في غزة فلا بد أنه ولّى وجهته نحو هذه الشجرة؛ احفرها في عقلك يا رشدي: “ستشهد هذه النجمات على حبي لكِ يا “عِين ميديا”.. وحينها أشار إلى السماء المقمرة ليس بسبابته؛ بل بقلبه.

 

 

عند هذه الشجرة- التي قُطعت لاحقاً مما أحزن ياسر- أخذ كل منها بيد الآخر حتى يتقنا التصوير؛ يقول رشدي: “كم سهرنا من الليالي نجرب تقنية الــ “تايم لابس”؛ ونعيد الكرّة مرة واثنتين وعشرة؛ هنا ضحكاتنا وكل أحاديث السمر وخطط المستقبل كانت؛ والآن راحت الشجرة وراح ياسر”.

كان الرجل مُوَلعا بغروب الشمس وكأنهما تعاهدا على تبادل التحايا حتى لو كان على عجلة من أمره ؛ فإذا ما مرت “سيارتهم الجميلة” من أمام البحر؛ خجل ياسر أن يمضي دون إلقاء نظرة على الشفق؛ فيما زملائه يتوسلون إليه: “خليها مرة تانية يا ياسر احنا تعبانين”؛ على الفور ينزل من السيارة ويلتقط صورة؛ يقول أخوه معتصم: “لقد آمن أن غروب الشمس دليل على أنه مهما مر باليوم من أحداث فإنه يمكن أن ينتهي بشكل جميل”.

 

أخوه معتصم

 

يبدأ معتصم مرتجى في التحدث عن أحب الناس إليه: “لقد شغف رفيق الروح ياسر بالتصوير؛ منذ كان صغيرا يتفحص كل كاميرا يجلبها عمي من السعودية في الإجازة؛ هناك صورة احتفظ بها في قلبي؛ كان حينها أخي في الخامسة عشر من العمر وأنا في العاشرة؛ وقد ضع يده على كتفي؛ منذ ذلك اليوم وياسر “بحَنحن” علي؛ لقد شعرت دائما أنه قدوتي لا سيما بعد وفاة والدنا؛ ألا يقال “من شابه أباه فما ظلم”؛ كلا المقولة الصحيحة عندي: “من شابه أخاه فما ظلم”.

 

 

ويضيف باسماً: “وهل أنسى يوم افتداني بروحه حين أوشكت سيارة مسرعة أن تصدمني؛ لقد أنقذ حياتي فيما نُقل هو إلى المستشفى بعدها؛ كنا صغاراً وقتها؛ وحين كبرنا زادت ثقتي بآرائه حتى في أصغر التفاصيل؛ حتى شوكولاتة العيد فنحن نحب تلك التي يحبها؛ لقد نالني شرف أن أشبه تقاسيم وجهه وصوته وحركاته؛ حتى عدوى “النطنطة” و التصوير نقلها لي لأنضم إلى فريقه لاحقاً”.

(ما مدى قوة علاقته بأمك؟) .. يحتار معتصم هل يبتسم أم يطلق سراح الدمع؛ لكنه تماسك ما بوسعه وقال:”كل شيء من يد ياسر في نظر أمي يكون مثاليا؛ اعتاد أن يشتري لها حاجيات البيت وما كانت ترضى أن يتولى هذه المهمة سواه ؛ حتى فنجان القهوة قبل صلاة الجمعة أو بعد الغداء هو من اختصاص ياسر”.

 

 

آهٍ من قهوة يفتقدها صباح موظفي “عين ميديا” من يد مديرهم ياسر وبعدها تدق ساعة العمل؛ كان يحيرّهم ذلك السر الذي يجعل لقهوته مذاقاً ومزاجاً.

بحّة الفقد في صوته تطفو؛ حين قالها: “أمي كانت دائمة الرضا عنه؛ وهذا جزء من سر قبوله إن شاء الله؛ حرصه على منح بعضاً من وقته للعائلة بالرغم من كل انشغالاته”.

 

سيفرح بحبكم

كان المرور واجباً عند عمه الأصغر- عبد الحميد مرتجى-  فقد قدم هذه الشهادة بحق ابن أخيه: “في بيت العائلة وُلد ياسر؛ وكان أول طفل في الأحفاد؛ لهذا حظي باهتمام ودلال الجد والجدة والأعمام والعمات؛ كان ياسرنا خلوق لأبعد حد؛ انضم إلى حلقات القرآن و عمل مؤذناً لمدة خمس سنوات تطوعا في مسجد الكتيبة؛ حيث كان يساعد جده ووالده اللذان عملا مؤذنين لأعوام طويلة”.

يتحدث عمن بدا أعز من ولده : “كنت أستاذه في مرحلة الثانوية في مدرسة الكرمل؛ كان هادئاً ودوداً؛ أحبَ الأعمال اليدوية ولا يميل للمواد النظرية؛ عشقَ تفكيك الأجهزة وتركيبها وتصميم المجسمات؛ والعبث بالكاميرات القديمة؛ كان والده يدّرسه باستمرار؛ فقد رزق بــ أب عبقري في الرياضيات؛ وهذا ما جعله مؤهلاً للالتحاق بــ كلية المحاسبة؛ فيما بقي قلبه كله مع الكاميرا؛ و اكتسب من والده المثابرة والطموح؛ والعمل الدؤوب لساعاتٍ طويلة؛ وبعد وفاته تولى زمام الأمور بجدارة”.

 

 

حزن ناعم سرى في صوته؛ يحاول تشتيته بالقول: ” لا يكاد أحد يسجل على ياسر عبوس أو غضب؛  كان معطاء

متسامح؛ ؛ لم يخاصم أحد ولم يخاصمه أحد مع أن ميدان الصحافة تكتنفه المنافسة الشرسة”.

ذهب ياسر قبل يوم من استشهاده إلى الحلاق؛ روحة القريبة إلى الله قالت على حين غرّة: “يمكن تكون هده آخر حِلقة”؛ وفقاً لما أفصح عنه معتصم؛ أما صديقه رشدي فقد أخبرنا بالتالي: “في اليومين الأخيرين بدا ياسر على عجلةٍ من أمره؛ يريد أن ينهي أعماله ويذهب إلى حيث لا نعرف”.

 

 

رشدي هو صديق الطفولة الذي يفصله عن ياسر خمس سنوات من العمر؛ حتى أن الأول كان يندهش دائماً ويسأل نفسه: “لماذا اختارني بالذات؛ مع أني أصغر منه”؛ لكن تفاهماً فريداً من نوعه جمعهما؛ ولم يتوقفا عن السعي لخلق بصمة مميزة.

( ما الذي جذبك في ياسر حتى صار خليلاً؟) .. تجري على لسانه هذه الكلمات :”إنه إنسان لا يتكرر؛ النقطة المثيرة في حكايته أنه بالرغم من مروره بصعوبات جمّة عاشَ سعيداً ومات سعيداً؛ رأيت فيه أخا كبيراً أتعلم منه واستنير برأيه؛ لفتَ انتباهي في ياسر أنه لم يكن يستسلم أبداً ويستمر في المحاولة ؛ لطالما عجبتُ من قدرته على الخروج من كل مشكلة أياً كان تعقيدها؛ في قانونه لكل مشكلة حل؛ والأهم أنه كان يحلّها بطريقة عجيبة وبأعصاب هادئة”.

 

 

غصة في صوته بدت من أول كلمة في جوابه على سؤالي: “هل تمكنت من رؤيته بعد الإصابة؟”: “حين أصيب ياسر لم أتخيل أنه لن يتجاوز الأمر؛ حتى أني قلت في نفسي: “ربما ما من داعٍ للذهاب إلى المستشفى؛ لا بد وأنه بعد نصف ساعة سينهض لنكمل التصوير معاً؛ هكذا تخيلت المشهد”.

وتابع وصف تلك اللحظات: “للمرة الأولى أراه في حالة ضعف؛ كان يتقطع من الألم مكرراً سؤاله: “ماذا أخبركم الأطباء عن إصابتي؟”؛ لكننا لم نفقد الأمل رغم شعورنا بالخطر؛ ظننا أن علاجه سيستغرق أسابيع؛ كان الطبيب يطمئننا بشأن استقرار الحالة؛ ثم في آخر ساعتين اشتد النزيف بشكل حاد؛ وانتقل إلى رحمة الله”.

 

 

ربما يتساءل البعض لو أن ياسر علمَ بــ حب “أمة محمد” له؛ ماذا كان سيقول؛ يبتسم رشدي: “كان سيفرح كثيراً؛ صاحبي يقدس محبة الناس؛ لقد قدرّ وقفة كل إنسان إلى جانبه عندما توفي والده؛ ولم يكن يرد دعوة أحد إلى فرح أو وليمة أو ما شابه حتى لو لم تكن علاقته وطيدة بصاحب الدعوة”.

ويؤكد رشدي أن ياسر أعلن حالة الاستنفار لتغطية مسيرات العودة بشكل مختلف: “كان متحمساً لفكرة مخيمات العودة وحلم الرجوع إلى أراضينا المسلوبة؛ يبحث عن قصص إنسانية قوية من أجل إنتاج فيلم وثائقي حتى يُدخل المُشاهِد العربي إلى غمرة الأحداث؛ كل همه أن يوصل رسالة تعكس إرادة الناس رغم الحصار الذي يفوق طاقتهم عشرات المرات؛ أصر ياسر على أن يتوزع الفريق من أجل تغطية شاملة على الحدود؛ لكن في الجمعة الثانية صممتُ أن أكون إلى جانبه؛ وكان أمر الله مفعولا”.

 

 

لم يكن ياسر يصغي لأي أحد كان؛ إن كان في الأمر واجب مهني وإنساني حتى لو على حساب حياته؛ وفقاً لرشدي؛ مضيفاً: “في الحرب الأخيرة حاولت إقناعه بعدم المجازفة؛ لكنه باندفاع النبل والشجاعة ذهب مع فريق الإنقاذ إلى حيث تلفظ الطفلة بيسان وبعض من عائلتها الأنفاس الأخيرة تحت الأنقاض؛ كانت الصورة أهم من روحه رحمة الله عليه”.

تمطر الذكريات على رشدي في هذا الجزء من الحديث؛ هكذا يحدث حين يكتظ القلب بالمشاعر المتداخلة: “كان عمري 15 عام؛ فيما ياسر بدأ العشرين للتو؛ حين بدأنا نلتقي بالأنشطة والفعاليات ثم تقاطعت طرقنا في حب التصوير؛ واتفقنا أن نطور موهبتنا معاً؛ وانطلقنا نستكشف الحياة بكاميرات بدائية؛ نصور البحر والشروق والحقول”.

 

 

قرر ياسر أن يصنع المستقبل برفقة صاحبه؛ مع أنهما لا يملكان المال والمعدات؛ فاشتركَ الإثنان في مسابقة لحاضنة الأعمال والتكنولوجيا؛ كان الأمر أشبه بــ “مزحة” ولا يعدو أكثر من تجريب حظهما؛ يقول رشدي: “وضعَ ياسر يده على كتفي قبل عرض مشروعنا على اللجنة؛ وحدّق في عيني ثم قالها كلمةً كلمة: “حتى لو لم ننجح الآن سنفعلها لاحقاً.. حسناً؟”؛ أما اللجنة فقد انبهرت بما قدمناه حتى أنها لم تصدق أن هذه أعمال هواة؛ لقد وقع علينا الاختيار من بين خمسة مشاريع فقط؛ ومنذ تلك اللحظة ولدت “عين ميديا”.

 

“كتوم” و لا يحقد

مرت خمس سنوات على تأسيس الشركة؛ واستطاع الفريق بجهد قائديه ياسر ورشدي؛ تحقيق نجاحات كثيرة من أهمها فيلم بيسان الذي عرض على قناة الجزيرة الوثائقية؛ إضافة إلى أفلام أخرى تضاهيه قوة؛ “في عمره الــ 27 عام استطاع ياسر الوصول إلى العالمية؛ لا تتخيلي مدى سعادته حينها” قالها الصديق بفخر.

 

يسحبنا رشدي إلى بقعة دافئة في حياة رفيقٍ لا يغادره؛ “بالكلمة الحلوة نسجَ أقوى العلاقاتٍ مع مختلف الأطياف؛ وإذا ما وقعتُ في أي مشكلة أتي “المنقذ ياسر” ليخرج الشعرة من الزبدة- كما يقال- بمنتهى البساطة؛ لا أنسى أبداً يوم ذهبنا للتصوير في المخيمات فرفض أحد السكان أن نصور عند باب بيته؛ احتدّ النقاش بيننا وأخبرته أننا نصور في الشارع؛ إلى أن جاء ياسر واحتوى الجدال بشكل عجيب؛ حقيقة لا أعرف بماذا همسَ في أذن الرجل حتى أصبح هكذا إيجابياً ومتعاوناً ولديه استعداد للتصوير في داخل بيته؛ بل و قام بضيافتنا أيضاً.. في تلك اللحظة اتجهت أنظار رشدي إلى صورة صاحبه المعلقة وبادله الابتسام.

 

 

(ترى كيف كان يختار “المايسترو” فريقه؟) ؛ تتهلل أسارير رشدي حين يتذكر: “كان ينتقي أعضاء الشركة على “الفرّازة”؛ بل أنه يتعب كثيرا ليختار الشخص المناسب؛ وفقا لشروط؛ أن يكون طموحاً مثابراً؛ ولديه استعداد للتضحية لأجل العمل؛ الغريب أن ياسر كان يعرف مهارات كل موظف أكثر منه نفسه؛ فيكتشفها ويوظّفها على نحو غير متوقع”.

ويعترف رشدي بسرٍ صغير: “عانيت من كتمانه؛ كثير ما تشاجرنا وتصالحنا؛ حين كان يغضب مني لم يكن ليظهر لي ذلك؛ كنت أشعر بالتوتر إزاء طبعه هذا؛ صافياً كالماء هو؛ لا يحقد على أحد؛ يحب كل الناس ويبقي الود مهما بلغت درجة الاختلاف؛ والله أعلم أن هذا أحد أسباب “مسكه الفايح”.

 

 

حتى في الترفيه عن فريقه له بصمة؛ فهو من يرتب الرحلات لهم من الألف للياء؛ بدءًا باختيار المكان الأنسب للنزهة؛ ومروراً باختيار لحم الشواء وتتبيلها بطريقته السحرية؛ وليس انتهاءاً بتحضير الألعاب المسلية.

وفي هذه النقطة يقول معتصم عن أخيه أنه أولى عناية فائقة بإخراج الفريق من ضغوط العمل التي تذهب في غالبها نحو نقل واقع الحالات المأساوية في قطاع غزة؛ والتواصل مع المؤسسات المعنية من أجل تحسين مستوى معيشة تلك العائلات؛ مشيراً إلى أنه قبل استشهاده بــ  ثلاثة أسابيع؛ اصطحبهم ياسر في رحلة إلى جحر الديك؛ ولم يوقفهم حلول الظلام عن اللعب.

 

 

ويتذكر رشدي حين ذهبا في جولة عند “الحدود” ذات يوم شتوي مشمس؛ استمتعا بتقشير البرتقال في “جلسة ترد الروح” وفق تعبيره؛ محاولاً رسم المشهد: “التقينا بـ راعي غنم وأخذ ياسر يحادثه؛ فقال الراعي: “لو تعطيني مال الدنيا لا أبرح هذا المكان”؛ وبعدها أخذ ياسر عصا الراعي وجرى بمرحٍ خلف الشياه”.

و من المحطات العزيزة على الشهيد السعيد؛ تعارفه بالمصور البريطاني – أردني الأصل- اسمه سامي؛ فقد أحب غزة وقرر أن يمكث فيها؛ يضيف رشدي: “أثرانا سامي بالمعلومات القيّمة وتعلمنا منه العديد من تقنيات التصوير؛ لا سيما أنه درس في إيطاليا؛ حظيت شخصيته ومهنيته على إعجاب ياسر؛ ثم سافر سامي إلى الأردن وبعد فترة قصيرة توفي”.

 

 

( طموحات ياسر أين كانت ستصل؟..يصمت رشدي السراج قليلاً وكأنه يسترد صوته من مكان بعيد: “اجتهد ياسر في إقامة علاقات وطيدة مع الخارج؛ وسعى بشدة للسفر تحديداً إلى قطر ودبي وتركيا ودول الخليج؛ وتلّقى عروضاً مغرية للعمل في كبرى شركات دبي لكنه رفضها بقوة؛ كل ما أراده أن يبني علاقات خارجية متينة تمكنه من تطوير شركتنا؛ لقد انتمى إلى “عين ميديا” إلى درجة أنه اختصر فيها أعظم طموحاته؛ ولطالما أوصى الفريق: “لو أني مت أو سافرت ذات يوم؛ وكذلك الأمر بالنسبة لرشدي؛ أوصيكم أن تكملوا المسير”.

نعم لم يسافر قط ولكنه حقق ما فاق أحلامه؛ ربما ألقى بالاً لعبارة من هذا القبيل: “إن الله إذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق”؛ بعد أن عاش كل يوم من حياته بملء الحب وكأنه يومه الأخير؛ عاملاً من حيث لا يدري بمقولته الساحرة: “اعمل لسفرك كأنك ستسافر غداً؛ واعمل لغزة كأنك ستعيش فيها أبداً”.

 

 

بيسان “من ريحة الحبيب”

( وجه الدهشة في حكاية ياسر أين؟) .. يقول عن “أنتيمه” الذي لاقَ به لقب “عِشرة عمر”: “كان سعيد ومبتسماً؛ حقاً أعجب من أمره؛  فهو كبير إخوته لا سيما بعد وفاة والدهم والمسؤولية التي ألقيت على عاتقه ثقيلة؛ حتى في أحلك الأوقات كان قوياً وصلباً؛ لم يكن يسمح لظرف أن يؤثر عليه؛ في يوم عرسه قبل أربع سنوات لم تتسع الصالة لموطأ قدم؛ الجميع رقص وغني معه؛ أما أنا أخذت التقط الصور؛ فشدني من يدي قائلاً : “سيب الكاميرا يا زلمة.. أي احنا في هاليوم”؛ والألفة العجيبة معه امتدت أيضاً إلى القطط؛ أي إنسانٍ هذا!”.

 

 

ترى كيف ستمضي الشركة بدون “روحها”؛ نبرة العزيمة تظهر جَليةً في عباراته: “فقدنا شخصاً لا يتكرر؛ نتمنى أن نكون مثله ونكمل من بعده كما لو أنه بيننا؛ من أكبر التحديات أن نحافظ على نجاح شركتنا بدونه؛ سنبذل ما في وسعنا وفاءاً له”.

 

 

ينظر رشدي في هاتفه النقال؛ ويهمس لنفسه بالقول: “كلما طرأ تطور مهم في العمل أمسك جوالي وأوشك على الاتصال به؛ ثم أتذكر أن ياسر لم يعد هنا”.

عدنا إلى معتصم؛ وهذه المرة سألناه عن شعوره عندما رأى الطفلة بيسان في أول مرة بعد استشهاد من حَنى على قلبها الصغير بعد فقدانها أسرتها في حرب 2014؛ يفرك جبينه قليلاً مع تنهيدة صبورة؛ ويقول: “ما مرت به بيسان لا يُحتمل؛ فقد جثم على ساقها “عمود باطون” ولو تأخر فريق الإنقاذ ساعة لماتت نتيجة عدم وجود ثغرة تتنفس منها؛ حاول أخي جاهداً أن يساعدها في إخراجها مما عاشته من صدمة مروعة؛ وأخبرني أنه سيعتبرها مثل ابنه عبد الرحمن؛ لقد تدّفق حب أخي نحوها؛ ونحن سنكمل بإذن الله من بعده في رعايتها حتى آخر نفس”.

 

 

وتابع الحديث: “حين رأيت بيسان ارتحت كثيرا؛ أما هي فمنحتني “ضحكة مسروقة”؛ ربما لأنني أشبهه”؛ ثم اصطحبتها إلى أمي التي أفرغ ربنا عليها صبرا؛ و غمرني الحنين وأنا أقدّمها بهذه الصيغة: “من ريحة ياسر يمّة”.

وعن خبائبه مع أضعف الناس التي بدأ طِيبها يفوح بعد موته؛ يعلق معتصم: “ياسر كان كتوماً لا يفصح عما يقدمه من مساعدات؛ وبدورنا احترمنا تحفظه الشديد ؛ هناك أشياء كثيرة حتى اليوم لا نعرفها بقيت بينه وبين رب العالمين”.

وحول الدافع الذي جعل ياسر متحرقاً للسفر؛ يرى معتصم أن أخيه أراد بشدة أن ينقل إلى العالم غزة بجمال روحها؛ بالنصف الممتلىء من كوبها؛ رغم ما يقع فيها من حصار ومضايقات وتجويع؛ كان هدفه أن يوصل صوت سكانها: “احنا عايشين ومش عايشين”؛ وقد ظن أن بوابة معبر رفح ابتسمت له في بداية العام؛ إلا أنه لم يتمكن من أن يخطو خطوة واحدة خارج أسوار غزة”.

 

 

ياسر الذي بكاه الصغير قبل الكبير؛ وانتفضت أفئدة من لا يعرفونه في أصقاع الأرض؛ فمنهم من سمى ابنه على اسمه؛ وبعض أدوا العمرة لمرات عن روحه؛ وامرأة حفرت له بئراً في مخيمات الروهينغا- كصدقة جارية- ؛ تُرى أي نقطة سيضعها معتصم بعد عشرات الحكايات التي لا تقال!: “أشعر وكأننا في حلم لم نستيقظ منه؛ ترك ياسر فراغاً كبيراً في حياتنا؛ العائلة والجيران والأقارب يفتقدون طيبته النادرة؛ سنكمل طريقه في كل ما تمناه يوماً إن شاء الله”.

 

الدين ليس تنظير

عمر زين الدين؛ شابٌ صحفي بدأ يعمل في شركة “عين ميديا” منذ خمسة أشهر فقط؛ إلا أنه مر على معرفته بياسر وقت طويل؛ اطَلعنا على بعض التفاصيل العذبة؛ فهو من صوّر يوماً (فيديو) له أثناء لعبه مع الأطفال؛ يتحدث عن زميله ومعلمه بحب بالغ: “ذهبنا إلى جحر الديك لتصوير فيلم لتلفزيون “العربي” يلقي الضوء على ما يعيشه أطفال الحي؛ وكان من المفترض أن يصل “المنشطّين النفسيين” في موعد محدد؛ لكنهم تأخروا؛ وحينها اقترح ياسر أن نشاركهم اللعب؛ راقت لي الفكرة ومن فوري رسمتُ على الرمل خطوط الحجلة؛ وقسمتهم إلى فريقين: أولاد وبنات بغرض إشعال المنافسة؛ انضم ياسر بمرحه المعتاد إلى المجموعة واستمر في اللعب إلى أن خسر؛ لكن الأطفال أصرّوا عليه أن يواصل؛ ظناً منهم أننا “المنشطين” الذين سنقدم لهم الدعم النفسي”.

 

 

سألت عمر عما يميز قائده من خصال؛ فلخصها في نقطتين: “طيبٌ مع الجميع ومحب للجميع بمن فيهم المنافسين في المهنة؛ ما جعله يحظى بعلاقات هائلة؛ فعَمِل مع مختلف التنظيمات والمؤسسات؛ وحتماً لن أفلح في وصف قدرته الخيالية على الاحتواء؛ لقد أجاد حرفياً مصطلح “الكلمة الطيبة”؛ أي مشكلةٍ بوسعه حلها بابتسامة أو بحبة شوكولاتة”.

وحين يكون الحديث عن شخص مثل ياسر فإن المتكلم سيجتاز النقطتين؛ ليتبعهما بإضافات: ” هو “مجنون شغل”

 

 

يعشق عمله إلى درجة أنه قد يقضي فيه أكثر من 14 ساعة يومياً؛ كثيراً ما شاكسته بقولي: “مش عارف كيف زوجتك متحملاك!” ليجيبني بما يزيدني دهشة؛ أنه يقتطع لأهله من وقته فيأخذهم إلى نزهة هنا و “شمة هوا” هناك؛ لأجل إعطاء كل ذي حقٍ حقه”.

(ماذا تعلمت منه يا عمر؟) ؛ لا يحتاج السؤال إلى تفكير عميق؛ لأن الجواب جاهز: “تعلمت أن المرء يمكن أن يكون مرحاً ومثابراً في الوقت نفسه؛ كنت افتتح صباحي بسؤاله: “شو صار بالشغل يا عمر”؛ كان يحرص أن يسمعنا دون أن يعتدّ برأيه سعياً منه إلى فضل نتيجة؛ الدين بالنسبة له ليس تنظيراً؛ بل يُختصر في المعاملة”.

 

 

لا بد وأن الجميع يتذكر المنشور الذي عبر فيه ياسر عن أمنيته في السفر ونشره قبل أسبوعين من استشهاده؛ يحكي عمر: “استشارني ياسر حينها في أكثر من صيغة “للبوست” ثم كتبت له تلك العبارات القصيرة؛ حاول كثيراً أن يسافر من أجل تطوير أدائه الإعلامي؛ وفاتته دورات مهمة في الخارج؛ وفرص عملٍ ومشاريع؛ وفي آخر مرة نادوا على اسمه “ياسر مرتضى” بدلاً من مرتجى؛ وقدّر الله عودته لغزة؛ بعد استشهاده شعرت وكأني أسمعه من مكان غير الأرض يتلو المنشور ضاحكاً”.

في أرجاء الشركة؛ لا يشعر أي من العاملين أن ياسر قد رحل؛ هذا ما يؤكده عمر: “وكأنه مسافر وسيعود بعد قليل؛ أحياناً نتناقش في مسألة ثم نقول: “لو أن ياسر هنا لفعل هذا”؛ ويومياً لا بد أن نتداول ما نسمعه من الناس عن مواقف جمعتهم ذات يوم مع الشهيد البسام”.

 

 

كان يوم استشهاده فارقاً بالنسبة لعمر؛ إنه يوم زفافه؛ قاطعته باستغراب: “أحقاً”؛ ليروي ما حدث: “كنت قد أقمت “سهرة الشباب”؛ وشرفّني ياسر بالقدوم؛ بل أنه أحيا الحفل بمرح لا يوصف؛ حتى أن عائلتي حفظِته من لباسه؛ وأخذوا يشيدون بما فعله “أبو القميص الأحمر”؛ كانت له طريقة طريفة في الرقص فيما التفّ الشباب من حوله وهكذا انتعشنا بفضل حركاته؛ وفي اليوم التالي لبّى دعوتي بحضور وليمة الغداء بالرغم من التزامه بجولات تصوير؛ وبعد تناول الطعام لّوح بيده وخرج من عندي ضاحكاً؛ لن أنسى هذا ما حييت”.

 

 

يطلق تنهيدة هنا: “في يوم العرس- يوم الجمعة- عرفت أن قناصاً إسرائيليا أطلق عليه رصاصات في البطن بالرغم من ارتدائه الدرع الواقي المكتوب عليه “صحافة”؛ تواصلت مع الشباب طوال الوقت؛ فطَمئنوني برواية غير دقيقة أن حالته مستقرة؛ فيما هو يرقد في العناية المركزة؛ وحين نهضت في صباح يوم السبت عرفت بالخبر”.

ويا لهيبة المشهد؛ بأناةٍ يرش “العريس” الملح فوق الجرح؛ متجهاً إلى المسجد العمري لحضور الجنازة؛ هناك وقف إلى جانب النعش يواري الدمع؛ تأمّل ضياء بسمة الياسر؛ ووجهه المشرق تعلوه سماء صافية الزرقة؛ ترفعه أيادي المحبين إلى “عليين”.. إلى الفردوس إن شاء الله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد