الرئيسيثقافة

أسعد طه: هذه هي المرأة في حياته

"ميم" وحوار حلو المذاق مع سيد الحكّائين

 

 هديل عطا الله- مجلة ميم 

حين ماتت أمي سجدتُ على الأرض وأردت أن اختفي 

أنا صديق بناتي قبل أن أكون أباً.. وقلب صغيرتي آية معي  

المرأة المجنونة تلهمني.. والأمر خطير إن اجتمعت الحكمة مع الجمال  

الأمومة حَبلٌ تعلّق عليه الكسولات أعذارهن 

السفر وحيدا هو أفضل كهوفي كــرجل

 

 

وكأنه رجلٌ مخلوق من الحكايات؛ يسافر إلى المناطق الرمادية في التاريخ والجغرافيا ثم يعود ليحكيها حكايات؛ إنه التعريف الذي يروق له؛ هكذا يفعل دائماً؛ يصلح قلبه ثم يتبعه “فهو منارته في التجربة”؛ آمنَ بالنظرية التي تقول: “حتى لو كنت تمتلك كل أدوات المهنة لا تفعل إلا ما تحب”؛ فقد ذهب هواه به إلى البلقان وآسيا الوسطى و أوروبا الشرقية؛ تلك المناطق التي بدت حينها رمادية مجهولة للعالم العربي والإسلامي.

ابتعدَ عن “خطيئة السكون” واختار جنون المغامرة مستمتعاً بفتوحات أسفارٍ زار فيها سبعين دولة؛ وناله في الترحال بعض الأذى؛ ومع ذلك واصل العمل ليل نهار بمهنيةٍ وإنسانية.

أسعد طه قامة إعلامية يتهافت الشباب الصحفيون حولها لا سيما بعد أن أطلق في السنوات الأخيرة عدداً من المخيمات التدريبية تحت عنوان: “كيف تحكي الحكاية”؛ هو صانع الأفلام الوثائقية والكاتب الصحفي الذي صدر له مؤخراً كتاب “يُحكي أن”، قدم للجزيرة برنامجي “نقطة ساخنة”، و “يحكى أن”، و”الرحلة” على قناة العربي، وأسس و أدار شركة “هوت سبوت فيلمز” التي أنتجت العشرات من البرامج والأفلام الوثائقية.

أسعد طه في حوار مع مجلة ميم أحضر معه “سحر المشهد”؛ فهو اليوم ليس ناقلاً للحكاية؛ بل بطلها؛ يحكي لنا عن المرأة في حياته الخاصة والعامة؛ هو الذي يحاول أن يتخيل ما تواجهه حواء في حياتها اليومية في مجتمعاتنا ثم يتساءل: تُراه مختلف كثيرا عما يعيشه الرجل ؟ .. وإليكم نص الحديث الذي يقطر صدقاً.

 

 

حنان مُضَاعف لــ 15 سنة

 

  • لنبدأ أستاذ أسعد من مرحلة الطفولة، أي أمٍ رزقت بها، هل كنت تشعر أنها تشبه سائر الأمهات المصريات ؛ أم أن في روحها دفء آخر ؟

أمي تختلف عن الأخريات، هذا ما يقوله كل منا، وأنا منهم!، سيدة مصرية لكنها ليست تقليدية، توقفت عن التعليم عند مرحلة الشهادة الابتدائية، لكن طريقة إدارتها لأمور الحياة، وأحاديثها واتزانها وحكمتها كانت تدل على غير ذلك.

كانت تتقن فن العطاء لكل من حولها، زوجها وأولادها، ذلك العطاء الذي لا يتوقف ولا ينتظر تقديرا، و أذكر أن بيتنا كان يحتفظ في النزاعات العائلية بموقف المحايد، لذا كان الجميع يلجأ إلى والدي رحمه الله، الذي كانت له قدرة غريبة في التوسط بين المختلفين، ولم يكن يتردد في قول الحق، لكن كانت له طريقته الخاصة التي لا تجرح الآخرين، أمي كانت باقتدار تكمل هذا الدور وتفخر به.

عندما بلغت العاشرة مرضت، واستمر مرضي خمسة عشر عاما، لم تمل خلالها من منحي كل الرعاية والحنان تعويضا عما أصابني، حتى أنه كان يضرب بها المثل في المستشفيات التي كنت أتردد عليها، وكانت حينها مستشفيات حكومية، لقد بلغ بها الأمر أنها كانت تغسل الحائط الملاصق لسريري حتى أكون مستريحا نفسيا، هذا العطاء استمر دون كلل أو ملل لخمسة عشر عاما وهو ما خفف عني كثيراً من تبعات ما ألم بي.

عندما سافرت احتفظت بآخر فنجان قهوة احتسيته معها قبل الوداع، وظلت محتفظة به حتى مماتها، ولأنها رحلت عن عالمنا وهي في سن مبكرة فقد أصابني ذلك بصدمة شديدة، وبرد فعل غريب، فقد سجدت على الأرض في الطابق السابع الذي أسكنه في فرانكفورت، وظللت أحاول أن أحفر الأرض برأسي، كنت أريد أن أختفي من على وجه الأرض.

 

 

  • كنت عند “أم أسعد” أي نوع من الأبناء.. هل انتبهت لموهبتك باكراً؟

كنت الأقرب إليها ليس لأنها كانت تفضلني على أخي وأختي، ولكن بسبب مرضي حينها كما أشرت، كانت تبشرني بالخير دائما، وأن الله سيعوضني عن ذلك كله، كانت لها قدرة عجيبة على أن تنظر في عيناي فتكتشف ماذا يجري داخلي. كانت تحترم خصوصيتي جدا حتى وأنا ما زلت في سن مبكر، لا تمس أشيائي ولا تقترب منها، تبدي فرحا وأنا أقرأ أو أحاول الكتابة، في أحد المرات عاتبتني بشدة بعد عودتي من مدرستي الإعدادية، فقد كانت فوق سطح بيتنا تنشر الغسيل صباحا، حين سمعت صوتي في الإذاعة المدرسية الصباحية ألقي شعرا، “لماذا لم تخبرني من قبل؟، لقد سمعتك بالصدفة”، كانت تفخر بي دائما أمام العائلة والأصدقاء.

 

  • حين بدأت تحدد معالم الطريق بعد الثانوية العامة؛ هل كانت تدعم اختيارك في التوجه نحو الصحافة أم أنها حاولت توجيهك لاختيار تقليدي؟

كانت في منطقة محايدة بيني وبين والدي رحمه الله، كنت أرغب بدراسة الصحافة، وكان والدي يرغب في أن أتجه إلى دراسة أعلى تخصص يمكن أن يسمح به مجموعي الذي كان حينذاك 82٪ تقريبا، وهو تقدير مرتفع جدا في ذلك الحين عام 1973، كانت تحاول أن تقرب بين وجهتي نظر كل منا، وظلت مثل وسطاء السلام تنتقل بيني وبين والدي، لكني أعلنت استسلامي والتحقت بالهندسة، لم أكن أقوى أبدا على إغضابهما، رغم أنهما لم يمارسا معي أي نوع من التهديد أو العقاب، وربما هو ما دفعني للاستسلام.

 

  • عندما بدأت تنخرط بعالم الصحافة؛ حين كنت شاباً غضاً؛ هل قدمت لك أحد الخبيرات المخضرمات معروفاً فتح لك الأفق؟

“جابي” أذكرها بكل خير، مصرية كانت تعمل في وكالة WTN، لقد تواصلت معها بخجل للعمل في التلفزيون وأنا من مدرسة الصحافة المكتوبة، أخبرتها أن خبرتي هي صفر في هذا المجال، طمأنتني كثيرا، وشجعتني مرارا، وعبر الاتصالات الهاتفية بدأت في تلقيني دروسا حول مواجهة الكاميرا وكتابة تقرير تلفزيوني، كان ذلك خلال الحرب في البوسنة ، أي أنني كنت في البوسنة وهي مقرها في بريطانيا ، لقد أغضبتها كثيرا عندما انتقلت للعمل مع MBC وتركتها ، لكن لم يكن أمامي بد بعد أن شعرت أنني لم أعد أستفيد أكثر، وما زلت أعتقد أن على المرء أن يغادر مكان عمله في الحال، إذا كان هذا المكان لم يعد يضيف إليه شيئا أو يعلمه شيئا جديدا

 

 

بين أميلا وصابرة

 

  • في رحلاتك قابلت نساء كادحات بسيطات؛ كما التقيت بقياديات ناجحات.. هل لك أن تحكي لنا عن امرأتين مختلفتين؟

المرأة في البلقان تعمل بجد، لكنهن لفتن نظري في بريشتينا عاصمة كوسوفو، الإقليم الألباني الذي حصل على استقلاله من صربيا، إنهن يعملن بضراوة، وبغض النظر عن مستواهن المالي للعائلة، إنهن يدرسن في الجامعة في الصباح ويعملن في المساء، يرتدين ما لذ وطاب من الملابس، ويحاولن تذوق الحياة بكل ما فيها، وربما الظروف التي تعرض لها أهاليهم في زمن السيطرة الصربية على بلدهم فعل بهن ما فعل.

في البوسنة، شاهدت أميلا التي ترأست التليفزيون البوسني في معظم زمن الحرب، لتدير دفة الحرب الإعلامية، ومررت بصابرة التي فقدت زوجها وابنها وأفردت حلقة من سلسلة يحكى أن عليها، وفي جنوب فنزويلا أدهشتني المرأة التي تدير باقتدار حياتها وزوجها وأولادها في بيئة صعبة للغاية التي يعيش بها السكان الأصليون، وتعاطفت مع المرأة في داغستان ومناطق القوقاز حيث تحتمل مسؤولية كل شيء، الزوج والأولاد والبيت والحقل وغيره.

 

 

  • أي مدينةٍ شعرتَ فيها أن نساءها “صانعات للفارق”؟

أنا من عشاق سراييفو لذا فشهادتي فيها مجروحة

 

  • من هي المرأة الملهمة في عين أسعد طه؟

إنها القادرة على تجنيب زوجها وبيتها سفاسف الأمور التي يغرق فيها البيت العربي، هي المُغامرِة، الكارهة لكل ما هو مألوف، الساعية دوما إلى التغيير، المرأة المجنونة تلهمني كثيرا، ومن الصعب أن يلتقي رجل أمرأة مجنونة ولا يقع في حبها؛ لكن ليس كل رجل قابل للإلهام.

وفي الحياة لا شيء يغني عن الآخر، لكل مهمته، ولكلٍ تأثيره، الزوجة، الكتاب، التجربة، السفر.

 

  • ما أهم القواعد التي تحرص عليها في تربية بناتك من أجل بناء شخصية خلاّقة؛ وما شكل علاقتك بهن؟

الحرية، الثقة فيهن وفي قدراتهن وفي رجاحة عقولهن، المقاومة لكل ضرر يصيبنا في الحياة وعدم الاستسلام، أنا أب لبنتين بجانب ثلاثة ذكور، والمساواة تحكم الجميع، وأنا صديقهم جميعاً قبل أن أكون أبا لهم، حتى أسأليهم.

 

  • عادة حين تتزوج الفتاة تهمس الأم لها بنصيحة؛ أما أنت كأب فماذا ستقول لابنتك في ليلة العمر؟

نجاح هذا البيت الذي تؤسسانه ليس مسؤولية الرجل وحده، وإنما مسؤوليتك كذلك، ستجدين منه ما تكرهين وسيجد فيك ما يكره، العطاء والتنازل والحلول الوسط وإدراك طبيعتنا البشرية كفيل بحل العقبات، وإياك والظلم.

 

 

موجودة بين الركام

 

  • في مخيماتك التدريبية التي تعقدها في أجواء الطبيعة الساحرة؛ تنضم العديد من الفتيات الطموحات؛ وفقاً لتقييمك ما مدى وجود مواهب فذة من الحكّاءات؟

أحرص على أن يكون نصف عدد المتدربين من الفتيات، أؤمن بهن وبقدرتهن، أتضامن معهن ضد عادات مجتمعية ما أنزل الله بها من سلطان تحرمهن فرص متساوية مع الرجال، وأجد في كل مرة إنني محق، ففيهن من لديهن قدرات فذة في “فن الحكي”.

 

  • ألا تمتلك المرأة بالفطرة والخيال قدرةً أعلى من الرجل على راوية القصص؟

لا أميل إلى هذه المقاربات، هناك نساء ماهرات في السرد، وهناك رجال كذلك، العبرة في الموهبة، وفي القدرة على صقلها وتطويرها.

 

 

  • ما أهم ما تفتقده المرأة العربية كي تكون في مقدمة نساء العالم؟

أن تؤمن بنفسها وبقدرتها على الفعل.

 

  • واقعياً؛ هل تتعارض الأمومة مع الإبداع في مجالات الحياة الأخرى ؟

المرأة التي تنجح في تحقيق التوازن بين الأمرين جديرة بالفوز بكليهما، الأمومة حبلٌ تعلّق عليه الكسولات أعذارهن، لكن ثمة عامل آخر مهم، هو إيمان زوجها بها، ومشاركته حلمها، وتقاسم مسؤوليات البيت معها.

 

  • النساء القويات مهما اختلفت مشاربهن وثقافاتهن.. ما أكثر قاسم مشترك بينهن ؟

العقل.

 

  •   من هي الشخصية التاريخية النسائية التي تأسرك؟

عصمة الدين خاتون زوجة صلاح الدين الأيوبي، يا لها من حكيمة أرانا إياها وليد سيف في مسلسله الشهير، حكيمة تنفي مقولة إنهن تافهات، النساء مثل الرجال، فيهن التافهات، وفيهن الحكيمات، خطير جدا الأمر عندما تجتمع الحكمة مع الجمال.

 

  • هؤلاء الرجال الذين يشبهون من قالت عنهم “الولادة بنت المستكفي”؛ ممن فيهم جسارة لا تلتبس مع التهور، واعتداد بالنفس لا يلتبس مع الغرور، ورقة لا تلتبس مع الضعف، وصبر لا يلتبس مع العجز.. هم أندر من العملة النادرة.. أليس كذلك ؟

ظني أن الأزمات العنيفة التي تمر بمنطقتنا أصقلتنا كثيرا، لقد سقطت الكثير من الأقنعة، وخاض الصغار النضال فكبروا قبل أن يكبروا، لكن مازالت هذه الصفات نادرة، لكنها موجودة، عليهن أن يبحثن عنهم بين هذا الركام الذي نعيشه.

 

 

الحب عالمٌ واسع

 

  • يقول جلال الدين الرومي: “من يحمل قنديله في صدره لا يعنيه ظلام العالمين”؛ حين تمر بأيام ترى فيها العالم أكثر حُلكة؛ هل تضيء شريكة العمر القنديل ولو قليلاً؟

بوسع شريكة العمر أن تفعل ذلك، وهي قادرة على ذلك، المهم أن تكون راغبة؛ وإني لا أنسى فضل زوجتي التي آزرتني و آمنت بما أفعله حين كنت أغيب عنها لفترة طويلة بسبب أعمالي.

 

  • يقول “الرافعي”: “إن أكبر خصيمين في عالم النفس: متحابان تباغضا”.. ما مدى إيمانك بهذا في فلسفة الحب والكره؟

أقول دائما لو أمامي فرصة للدراسة من جديد لدرست علم النفس، الإنسان مخلوق غاية في الغرابة بتناقضاته الفجة، وشؤونه غير المفهومة، لكني أتخيل أن الحب عالم واسع جدا، تغرق في تفسيراته وتحليل مفرداته، لكن عالم الكراهية ضيق وخانق ومؤلم، ولا أعلم لماذا نغرق في مثل هذا المستنقع، إن لم تحب شخصا ما فدعه، وإذا أذاك انصرف عنه، لا داعي للكراهية، لكن أدرك أن الأمر ليس بهذه البساطة، شخصيا أدعي أنني لا أكره إلا القتلة والظالمين والفاسدين.

 

  • يقال إن الرجل عندما يتعرض إلى مشكلة أو ضغط فإنه يفضل الانسحاب إلى كهفه “عالمه الخاص”.. عادة ما هو الكهف الذي تلجأ إليه في هذا الوقت وهل تطول المدة؟

السفر وحيدا هو أفضل الكهوف، قد تنحل العقدة بعد يوم، وقد يطول السفر ولا تنحل، فأجرب سفرا آخر!، ولا حد زمني لذلك.

 

  • ما هي “الطبخة” التي كانت تطهوها والدتك- رحمها الله-  وكل شيفات العالم لا يستطيعون تقليدها؟

أنواع من السمك السويسي الفاخر في طبخات لم تمر بي في حياتي، لا شكلها ولا مذاقها. رحم الله أمي.

 

  • ما الهدية التي تلّقيتها – من امرأةٍ  – ؛ وتساوي كنوز الدنيا عندك؟

ذات يوم وكانت ابنتي الكبرى آية مازالت طفلة، أعطتني قلبا صغيرا وقالت بلهجة حازمة: أحتفظ بهذا معك، هالتني المفاجأة والطريقة، وهو من الأشياء التي أحتفظ بها وتطوف معي.

 

  • أخيراً؛ ما مدى حضور المرأة في كتابك “يحكي أن”؟

هي موجودة دائما في أغلب حكاياتي، يدعي بعضهن أنهن تغيرن بصورة ما بعد أن قرأن ما كتبت، لا دليل لدي، ربما هي المجاملة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد