مجتمعغير مصنف

صاقلات القصب على الطريق.. يوم شاق من أجل لقمة الصغار

ناجح الزغدودي- مجلة ميم

     

يوميا، مع بزوغ الشمس، تغادر سعاد منزلها الريفي المتواضع تتأبط رضيعها الذي لم يدرك عامه الأول وتستحث باقي اطفالها للخروج. ودون وضع أية مساحيق على وجهها او تفقد هندامها، تسارع الخطى الى ورشة على امل تحصيل بضعة دنانير لتوفير لقمة العيش لاطفالها الصغار.

 

“اذا لم اشتغل لا نجد ما ننفق” تقول سعاد مؤكدة انها ملزمة بالعمل اليومي الى جانب وزجها ولا تخفي خشيتها من عدم استرسال العمل فترة اطول.

يدفع الوضع الاجتماعي الصعب وارتفاع تكلفة العيش، سعاد للعمل من أجل مساعدة زوجها العاطل عن العمل بأجرة يومية متواضعة يحققها شغلها في القصب.

على جانب الطريق بمنطقة المتبسطة بالقيروان الواقعة على مستوى طريق القيروان تونس، تنامى  منذ الثورة عدد النساء الناشطات في مهنة صقل قصب الشنشان وتهذيبه قصد بيعه وتحصيل مورد رزق لمجابهة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. وهو شغل موسمي يوفر لبعض النسوة اجرة ضعيفة، ولكنه ليس سهلا سواء بالنسبة للنساء او للرجال. ويلاحظ المار عبر قرية المتبسطة  5 ورشات متجاورة توفر مواطن شغل لعشرات العائلات.

تعمل في ورشات صقل قصب الشنشان العديد من النساء من بنات منطقة المتبسطة التي رغم تحولها الى منطقة بلدية، فانها لم تنل بعد حظها من التهيئة ومن المؤسسات العمومية ولا من النظافة. بينما ينتظر الشبان اتمام تهيئة الملعب البلدي ليتسنى لهم الترفيه واللعب.

تنتشر النسوة العاملات وسط غابة الكالاتوس الصغيرة تختفي وجهوههن بين اكوام القصب وأغصانه الخضراء فيقمن بصقله بواسطة الات حادة لازالة الزوائد، ثم يقمن بربطه في حزم في حركة مسترسلة منذ طلوع الشمس الى غروبها. وتشترك بعضهن مع ازواجهن في هذا العمل.

برزت مهنة صقل قصب الشنشان وتهذيبه وبيعه منذ الثورة (2011) في منطقة المتبسطة الواقعة على مستوى طريق القيروان تونس. وهو شغل موسمي ولكنه ليس سهلا سواء بالنسبة للنساء او للرجال. ويلاحظ المار عبر قرية المتبسطة بين القيروان وتونس، انتشار حوالي 5 ورشات متجاورة تكاثرت منذ حوالي 7 سنوات لتوفر مواطن شغل لعشرات العائلات.

 

 

رضيع في الورشة

انتظرت سعاد طويلا ايجاد شغل أفضل هي وزوجها لاعالة اسرتها ولكن طول انتظارها لم يأت بما يسرها. فأبواب المصانع القريبة (توجد منطقتان صناعيتان) موصدة بسبب كثرة الطلب وضعف مستواها العلمي الى جانب غياب عنصر مهم وهي الوساطة، لذلك اعتبرت نفسها محظوظة لكونها وجدت شغلا في ورشة القصب وأنها توفر بعض القوت لاسرتها. ورغم كونها ليست سعيدة بالعمل، فإنها تأمل ان تطول فترته.

تعمل العشرات من النساء مثل سعاد. جميعهن من بنات منطقة “المتبسطة” التي لم تنل بعد حظها من التهيئة والمؤسسات العمومية ولا من النظافة. كما لم تستفد القرية من تواجدها بالقرب من المنطقة الصناعية التي لم يجد بنات وأبناء المتبسطة أي موطئ قدم هناك مقابل جلب عمال من محافظات مجاورة.

تغادر النسوة مخادعهن باكرا ويستقبلن الشمس داخل الورشة ولا يعدن الى منازلهن الا  عند توديعها ساعة الغروب. هن يقضين ساعات النهار في حركات لا تهدأ أبدا، من تنظيف اعواد القصب وإزالة الفروع والأوراق لتبدو كأنها مصقولة ومهذبة…

يرافق سعاد أبناؤها بمن فيهم طفلها ذو السنتين طوال يوم العمل، لا اختيارا وانما اضطرارا.. وتتضاعف مسؤولياتها مع وجود الثلاثة معهاعلى امتداد يومها الطويل. تراقبهم وتحاول توزيع طاقتها بين طفلها الملتصق بملابسها وبين عملها الذي تسابق فيه الزمن لتحصيل أجرة أفضل.

 

 

محرومون من الدراسة

يُحدث مرور السكاكين التي تستعملها النسوة على اعواد القصب الصلبة في حركات متواترة، ايقاعا خاصا تكاد سرعة السيارات عبر الطريق القريب تخفيه. تتشارك محبوبة مصباح (في العقد الخامس) نفس الورشة مع سعاد هي وزوحها.

 

 

حصلت محبوبة وزوجها على هذا الشغل بعد ان سرحت صاحبة الورشة  4 نساء من أجل اتاحة الفرصة لهما لتوفير نفقات ابنائهما المقبلين على الدراسة.

“يحتاج 5 ابناء الى مصاريف دراسية باهظة ونفقات تنقل، ومداخيلنا لا تسمح بتوفير الحد الادنى من احتياجات العائلة” تقول محبوبة معبرة عن هاجس يملأ رأسها سببه كثرة الطلبات المدرسية وهو ما يعني الحاجة الى العمل الاضافي لتحقيق ذلك”.

ورغم بذله قصارى جهده رفقة زوجته، الا ان الدخل اليومي بالكاد يكفي عائلة وافرة العدد. ويرهق العائلات التونسية تتالي المناسبات الاستهلاكية آخرها الاستعداد لشهر رمضان وما تعقبه من اعياد وحاجة الى الاصطياف.

بدت محبوبة قلقة بشأن ابنها الشاب الذي يدرس بالثانوية العامة بسبب عجزها عن توفير حاجياته من الملابس والأدوات ومصاريف التنقل (بين 5 و10 دينارات للفرد).  يعبر لها عن خجله من ملابسه المتواضعة التي تحرجه امام زملائه، مما يزيد من ألمها  ويفاقم الضغط على نفقات الاسرة.

“ارجو ان يكون مستقبل الابناء افضل من حاضرنا”، تقول سعاد وهي تكتم دموعها شعور بالالم والحسرة بسبب الوضع الذي يعيشه الابناء مقابل عجز الاباء.

كما لا تخفي موقفها السياسي من الحكومات المتعاقبة بعد الثورة (7 حكومات متعاقبة منذ جانفي/يناير 2011) وتقول ان الوعود الانتخابية تبخرت وأن وعود المسؤولين هي مجرد شعارات للانتخابات ومنها التشغيل وتحسين الظروف الاجتماعية.

تشتغل النساء اجيرات لدى جارتهم العجوز مريم. صاحبة الخبرة والأقدمية في صقل القصب وترويجه. رغم تقدمها في السن، لا تتسامح مريم مع التقصير في العمل وتشارك النسوة في بذل جهد كبير كانها في سباق مع الزمن.

لجلب القصب من مناطق مجاورة، تؤجر مريم رجالا يقومون بنقل المواد الاولية من القصب الزراعي.  يستعمل القصب المصفوف في الاعمال الفلاحية او لصنع واقيات شمسية وحواجز كما يمكن تحويله الى اثاث.

“ورشتي توفر قوت 10 أسر حالتها المادية صعبة” تقول مريم صاحبة الورشة التي ناهزت الستين ولكن الامراض المزمنة تجعلها تبدو اكبر سنا. تتراوح الاجرة اليومية للعمال بين 10 دنانير و12 دينار. وتقدم 20 دينار للرجال باليوم عند جلب القصب.

في المقابل ترتبط أرباح مريم بالمبيعات، وهي تشير الى تكدس القصب الاصفر على ناصية الطريق من اجل جذب الانتباه وتقول ان التجارة تمر بحالة كساد مؤخرا، ويتعمق المشكل نتيجة رفض اسناد تراخيص للمهنيين.

 

 

نشاط خارج مجال الدولة

ما يزيد الوضع صعوبة أن النشاط غير مدرج ضمن الصناعات التقليدية. ورغم طابعه الحرفي واستعمال مواد طبيعية وتحويلها الى منتج قابل للاستعمال في شتى المجالات التقليدية، فان المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بالقيروان لا تعتبره عملا تقليديا ولا تعتبر العاملين حرفيين، يخبرنا طارق خلف المندوب الجهوي للصناعات التقليدية بالقيروان الذي زار ورشات القصب وعاين عمل النسوة.

يقول السيد خلف إنه دعا النسوة الى العمل على تحويل القصب الى مصنوعات يدوية من اجل ادراجه ضمن الحرف المصنفة. وسيتم التنسيق مع احدى الجمعيات لتكوين النسوة في مجال حرفة القصب وتمكينهن من بطاقات مهنية في وقت لاحق تكون بمثابة ترخيص بالعمل. وتسمح هذه البطاقات بتوفير امتيازات مالية فضلا عن فرص العرض وترويج المنتوج عن طريق وزارة السياحة والصناعات التقليدية.

يوجد في القيروان حوالي 28 الف عامل وعاملة في مجال الصناعات التقليدية، 14 الف فقط منهم يحمل بطاقات مهنية و90 بالمائة من النساء ويعملن في مجال السجاد والنسيج. وهي قطاعات غير مستقرة بدورها وتعاني من صعوبات.

سعت سعاد الى الحصول على منحة حكومية لاعالة اسرتها، لكن مطلبها قوبل بالرفض بحجة أن حصة القيروان من المنح الاجتماعية محدودة.

تسجل وزارة الشؤون الاجتماعية حوالي 23 الف عائلة معوزة بالقيروان تتمتع بمنح شهرية تقدر ب150 د/75 دولار الى جانب مساعدات خلال الاعياد. مقابل وجود 43 الف عائلة محدودة الدخل لا تتمتع بأية مساعدات مالية. حسب افادة الاخصائية الاجتماعية ريم السعيداني.

في مقابل الحصة الضعيفة، تسجل جهة القيروان نسبة بطالة عالية تصل الى 15.8 بالمائة وهي اعلى من المعدل الوطني. وتحدث المدير الجهوي للتشغيل بالقيروان لمجد السبري عن تسجيل  27 الفًا و130 طلب شغل بينهم 11.735 ألف امرأة.

لا ترى سعاد نفسها وزميلاتها مدرجات ضمن سجلات الدولة ولا في دائرة اهتمام الحكومة بسبب شدة المعاناة التي طالت مثل استعمار قاهر.

أما الحديث عن حقوق المرأة وكرامة المرأة، فتقول انها تسمعه كثيرا عبر وسائل الاعلام لكن “الامر مختلفا تماما على ارض الواقع حيث تغيب الكرامة”…

مع غروب الشمس تجر سعاد اطفالها خلفها باتجاه المنزل، وتعرج بهم على دكان المواد الغذائية فتقتني بعضما تسمح به اجرتها الزهيدة وتنهر اطفالها عن طلب شراء الحلوى والشوكولاطة، على امل ادخار القليل من المال الى الغد المجهول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.