الرئيسيثقافة

السلاحف تستطيع الطيران

أفلام

 

قد لا أجد أحيانًا تجسيدًا ماديًّا لتلك الأفكار الكبرى مثل الحزن والفرح والخذلان والوجع والأمل، هي أحاسيس تسكننا لكنّنا لا نراها بالعين المجرّدة. لكنّي لا أكذب حين أقول لكم: “لقد صادف وأن قابلت الوجع وجهًا لوجهٍ، قابلته وكان مرئيًّا ومسموعًا وحيًّا إلى درجة لا تُوصَف، بلحمٍ ودمٍ وعرق!!”

 

قد تستغربون الأمر، لكن هذا ما حدث معي فعلًا، وفي أكثر من مناسبة.. لقد حدث وأن قابلت الوجع حين شاهدت فيلم “السلاحف تستطيع الطيران” للمخرج الإيراني الكردي “بهمان غوبادي”، ومن بطولة سوران ابراهيم وآفاز لطيف وعبد الرحمن كريم وصدّام حسين فيصل وهيراش فيصل رحمان…

 

 

“السلاحف تستطيع الطيران” للمخرج الإيراني الكردي باهمان غوبادي يتصدّى لقضية الأكراد وحجم المعاناة التي يعيشها اللاجئون. وقد نال أكثر من أربعين جائزة، من بينها الجائزة الأولى في مهرجان سان سيباستيان (2004) وجائزة فيلم السلام في مهرجان برلين السينمائي (2005) وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان شيكاغو الدولي لسينما (2004) وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان ساو باولو الدولي للسينما (2004)، إلخ….

 

 

وهو أوّل فيلم يُصوَّر بعد سقوط نظام صدّام حسين في العراق، ويتحدّث عن أطفال أيتام يعملون كباحثين عن الألغام، في مخيّم للاجئين يقع على الحدود العراقيّة التركيّة، وقد صُوّر الفيلم في الأراضي الكرديّة تحت حماية 30 رجلا مسلّحًا ولم يستخدم فيه أيّ ممثّل محترف، بل اختار مجموعة من الأطفال الأكراد المشوّهين كي يمثّلوا في أدوار تحمل جزءًا من ملامحهم ومن معاناتهم.

يقوم الأطفال بتطهير الحقول والأراضي من الألغام، ثمّ يبعونها بعد ذلك للأمم المتّحدة، بثمن بخس. ويترأّس هذه المجموعة طفل يدعى “كاكا ستلايت” الّذي يقع في حبّ الطفلة “أجران” التي من جاءت من مدينة حلبجا رفقة شقيقها الّذي فقد يديه بسبب الحرب ليقطنا في مخيّم للاجئين؛ ويرافق هذين الشقيقيْن طفل أعمى لا يتجاوز عمره الثلاث سنوات؛ لقد جاءا إلى مخيّم اللاجئين هاربين من ذكرى مروّعة، وكيْ يعملوا في نزع الألغام الأرضيّة!!

 

 

يبدأ الفيلم بمشهد طفلة (أجران) تطلّ على جرف سحيق، بعد أن خلعت نعليها على حافّة الهاوية، وهاتان الإشارتان هامّتان ومتلازمتان في الفيلم: إنّ زوجيْ الحذاء هما دعوة إلى تتبّع آثار أقدام هذه الطفلة في العالم الّذي ألقته وراء ظهرها لتصل في النهاية إلى حافّته: الموت!!

 

 

بعد المشهد الافتتاحي الّذي تحدّق فيه الطفلة في وجه الموت، يبدأ بهمان غوبادي في كشف ملامح الحياة الّتي عاشتها البطلة، في كشف هذا العالم الّذي تقع فيه الأحداث، وهو قرية في شمال العراق محاذية تمامًا للأسلاك الشائكة الّتي تحدّ العراق مع تركيا: إنّها قرية منسيّة، سكّانها لاجئون ومساكنها بقايا دبّابات ومدرّعات وحقولها ليست مزروعة بالقمح أو الورد، بل ببقايا الألغام الّتي خلّفتها الحرب العراقيّة الإيرانيّة.

 

 

 

إنّه مكان مناسب جدًّا لأن يكون مسرحًا لفيلم أراده مخرجه أن يكون “ديستوبيًّا” حدّ الألم.

أمّا الأبطال، فهم أطفال: أرواحهم موشومة بوجع اليتم والتشرّد وأجسادهم تحمل ندوبًا وتشوّهات جرّاء العمل في نزع الألغام.

من نقاط قوّة هذا الفيلم أيضًا، هو هذه القدرة الّتي أظهرها الأطفال على لعب أدوارهم الصعبة والمعقّدة، حتّى أنّني تأثّرت إلى درجة لا تُصدّق واندهشت، فلم أشعر طيلة الفيلم بأنّني أشاهد أطفالًا يمثّلون، بل وجدت نفسي أمام عباقرة كبار من طينة مارلون براندو وتوم هانكس…

 

 

ولا عجب في هذه القدرة الرهيبة على إدارة الممثّلين، إذ قام المخرج بهمان غوبادي أثناء لتصوير الفيلم بعمل جبّار على واجهتيْن أساسيّتيْن:

  • لقد قام باختيار أطفال معوقين فعلًا ومشوّهين لجعل الفيلم رغم سرياليّته، صورة حيّة عن المعاناة، صورة من لحم ودم دون ماكياج أو مؤثّرات بصريّة…
  • لقد ظلّ بهمان غوبادي مع فريق الممثّلين الأطفال هؤلاء لعاميْن في موقع التصوير، لا لشيء إلّا لتحضيرهم نفسيًّا عبر مختصّين اجتماعيّين وخبراء في علم النفس، وتحضيرهم فنّيًّا من خلال تمارين التمثيل وجعلهم يعيشون الفيلم كما لو كان قصّتهم الحقيقيّة الجديرة بأن تُروى للعالم على أحسن وجه..

 

 

كما يحسب للمخرج تركيزه على حركة الكاميرا كأداة وظيفيّة لتصوير ذلك العالم المتهاوي، تلك البراءة المعذّبة، ورغم الوجع الكبير المبثوث في الفيلم ورغم القسوة الشديدة الّتي تسم عالم هؤلاء الأطفال، إلّا أنّ حركة الكاميرا كانت رصينة وهادئة إلى درجة لا تُوصف، كأنّها عين حانية، باستثناء المشهد الختامي، مشهد الفاجعة الّذي كانت فيه الكاميرا مضطربة ومرتعشة لإبراز حالة الهلع والألم بين أخ البطلة وعاشقها بعد انتحارها..

 

 

 

ما يثير الاهتمام في فيلم “السلاحف تستطيع الطيران”، هو تلك المشاهد الطفوليّة الكوميديّة الّتي خفّفت من وطأة الوجع، تلك الضحكات البريئة لأطفال مازالوا قدارين على الضحك في وجه العالم رغم كلّ الآلام الّتي مرّوا بها.. مشاهد عديدة تبعث جذوة الأمل من بين رماد القسوة والمعاناة، كذلك المشهد الّذي يلعب فيه طفل بساقه المقطوعة ويضحك في وجه حارس الحدود التركي.

 

 

كما يجب تثمين الفيلم في موسيقاه التصويريّة، الّتي قام بتلحينها الموسيقار الإيراني حسين علي زاده، وكانت حاضرة بقوّة في المشهد الختامي، هي موسيقى وظيفيّة جدًّا في نهاية الفيلم؛ إنّها موسيقى جنائزيّة تتخلّلها الآهات، كأّنّها بيان تأبين للطفولة الّتي ماتت جرّاء صراعات الدول الكبرى..

 

 

كما أنّ الفيلم كان إدانة واضحة لكلّ الأنظمة السياسيّة الّتي شاركت في الحرب وفي تشريد الأقليّات الكرديّة وغيرها، من النظام العراقي والإيراني والتركي والأمريكي…

 

لكنّها ليست إدانة واضحة لأنّ الفيلم لم يركّز على تشويه صورة المعتدي وتبييض صورة الضحيّة، بل ركّز على ما خلّفته سياسات المعتدين..

إنّه فيلم لا يجعلك تكره أو تغضب، بل يضعك في منطقة الألم والتعاطف.. إنّه فيلم لم يركّز على العنف والاستبداد في حدّ ذاته، بل ركّز على ما يتركه من أثر، ركّز على الأثر فحسب، ويا له من أثر!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد