ثقافةغير مصنف

نحو السراب.. نحن من نصنع مشاريع الدواعش

سنيما

 

قدم الفيلم الوثائقي “نحو السراب” محاكاة للواقع التونسي، وحاول بمشاهد تمثيلية و شهادات  لمحللين اجتماعيين ومختصين، ان يقدم قراءة في روافد الإرهاب والتطرف العنيف في المجتمع التونسي، من خلال شهادات حية أعيد تجسيدها ل5 شباب اختلفت طرقهم لكن الجامع بينهم كان تجربتهم مع التطرف والمنظمات الإرهابية، منهم من قاده السراب إلى النهاية  المظلمة ومنهم من استطاع “الاستيقاظ” من حلم “الخلافة”  ليبصر بشاعة الإرهاب وقيمة الحياة الانسانية المهدورة في تنظيم ك”داعش”.

 

لم يأت “نحو السراب” كي ينافس في مهرجانات عالمية او ليتم تسويقه تجاريا، جاء رسالة لصناع القرار و للنخبة كي تفتح أعينها على واقع اختاروا ان يتجاهلوه مطولا، إلى ان أصبح مصنعا لتفريخ مشاريع المتطرفين والإرهابيين، جاء “صيحة للإيقاظ مجتمع هو المسؤول أولا وأخيرا عن جنوح أبنائه.

خلال تقديم الفيلم، هيأت كلمة وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مهدي بن غربية الاجواء لتقبل ما سيعرض، فركز خلال خطابه على كون الشهادات حقيقية، تنقل معاناة وواقع شباب عاش في المناطق المفقرة من العاصمة، في أحياء كسيدي حسين ودوار هيشر وحي التضامن، وهي  أحياء لها أشباهها في كل مدن تونس، من شمالها إلى جنوبها، وتحدث مطولا حول الفيلم وجهود الوزارة والمجتمع المدني في مقاومة التطرف والإرهاب، وضرورة التعاون مع جميع الأطراف للقضاء على روافد الإرهاب، وهي السلف الصالح، الاسلام السياسي والربيع العربي، الذين هم مغريات تقود الشباب نحو التطرف والإرهاب وتدمير الذات والمجتمع.

 

 

وتوجه رئيس جمعية “بادر” التي قامت بإنتاج الفيلم وتقديم فكرته، بالشراكة مع وزارة حقوق الانسان، بالخطاب مباشرة للموجودين من سفراء ودبلوماسيين ونواب بالبرلمان وأكاديميين وإعلاميين وممثلين وفنانين، للتحرك من أجل الاطلاع على تفاصيل حياة الشباب في الاحياء الفقيرة والمهمشة والإحاطة بهم عبر تغيير الخطاب الموجه لهم، وتحدث عن مجهودات الجمعية في الوصول إلى تلك الشريحة من الشباب والاهم الوصول الى عقولهم لمنع تصدير المزيد من المتطرفين إلى العالم.

ثم أطفئت الأضواء..وبدأ الفيلم

 

 

بما انه وثائقي، فقد استعرض أهم روافد ومسببات التطرف، التي هي حسب صناع الفيلم، والقائمين على تقديم هذه الرسالة المهمة للمجتمع التونسي والعربي، هي خمسة، الأسرة، المدرسة، الشارع، المجتمع (الأصحاب)، والسجون.

 

 

يسلط المشهد الافتتاحي الضوء على عنف البوليس في التعامل مع أحباء الفيراج، من خلال تصوير البطل الرئيسي وهو يتعرض رفقة أصدقائه الى ملاحقة الشرطة بعد القائه شعلة داخل الملعب، وتتوالى المشاهد لتعرض تعرض البطل للسخرية من طرف  والده، فهو لاعب كرة سلة هاو يطمح لتحقيق الافضل، إلا انه يصطدم بغياب الدعم الاسري واقائه من طرف المدرب، لأسباب غير مفهومة، فينغلق وينعزل الى ان يصادف صديقه القديم ، خريج السجون، وهو بصدد الذهاب الى الجامع ، ليترافقا سويا الى داخل المسجد.

 

 

فجأة، أصبح البطل  يعتنق فكرا متطرفا!

ينسج الفيلم حول البطل شبكة من المتداخلين يعكسون الروافد الخمسة لتغذية مشاريع المتطرفين الذين أراد القائمون على فكرة الفيلم تقديمه، فنجد الصديق الذي دخل السجن وهناك تشبع بالفكر المتطرف تحت سمع وبصر الدولة.

 

 

بل ونبعت مخططات عمليات ارهابية من داخل السجن نفسه، و نرى الفتاة التي تعاني من الاضطهاد في أسرتها وتلجأ لصديقتها المنقبة، وبمرو الوقت تتحول إلى الالتزام و النقاب، لكنها تتراجع عن الذهاب مع الابطل في رحلته نحو “أرض الجهاد والخلافة” في آخر لحظة.

 

 

في المقابل نرى صديق البطل منذ الطفولة، الذي واصل في تدريبه وحظي بأسرة محبة و مهتمة، يرفض اتباع طريق صديقه، و ينأى بنفسه عن اتطرف ليصل في النهاية للفوز بكأس تونس في كرة السلة، فيما يعرض مشهد نهائي للبطل وهو يصرع برصاصة أثناء قتاله في مكان ما من العالم.

 

حضرت الدراما وغابت الرسالة الحقيقية

 

 

جاءت  مداخلات لأكاديميين مثل آمال قرامي، أستاذة جامعية مختصة في البحث في الجنسيات في الاسلام، والصحفي الهادي يحمد المختص في الجماعات الأسلامية، وزياد كريشان رئيس تحرير جريدة المغرب، لكسر الإيهام بالدراما الذي قام عليه الفيلم الوثائقي، وللتأكيد على واقعيته وكونه مبنيا على معاينة ميدانية وحوار مباشر مع أغلب أبطاله، الذي حضر أحدهم العرض  الأول، وقدم قصته وكيف نجح في الافلات من براثن التطرف.

قوة المؤثرات الصوتية والبصرية المستعملة إضافة إلى الاخراج الجيد والتمثيل ومشاهد الاكشن والدراما كلها تجعله فيلما قصيرا يصلح للمنافسة في مهرجانات عالمية للسينما لكن، هل كان المضمون وفيا لتطلعات صانعي الفيلم؟

لم يقدم الفيلم، حتى باعتماد الشهادات الحية التي صورت بمشاهد تمثيلية، واقعا جديدا لا يعرفه أغلب المختصين والباحثين وحتى الشعب عن أسباب “التجاء” الشباب لداعش و غيرها من التنظيمات المتطرفة، بل بالعكس كان الاقتصار على الشهادات المقدمة  عاملا محددا لتوجه الوثائقي.

غياب الحلقة الرابطة بين الوصول إلى أقصى درجات التطرف لدى البطل، وبين دخوله إلى الجامع والتراكم الأسري لم يكن واضحا، بل اكتسى بغموض غير مريح، وقدم رسالة مبطنة ان الطريق إلى المسجد تنتهي دائما بالتطرف !

هي رسالة سوداوية يتم طرحها حتى من خلال تجربة حقيقية، وقد تم اغفال تفاصيل عن مراحل وصول الشاب الى التطرف و الانغماس في قراءة إدارة التوحش، وهو الذي لم يفتح كتابا في حياته.

لم يتم التطرق أيضا للحياة داخل السجن  وكيفية تواصل هذه الجماعات فيما بينها او كيفية استقطابها للمؤيدين، رغم ان صناع الفيلم قالوا ان الوثائقي جاء ليفكك أسباب جنوح الشباب نحو داعش.

في المجمل، لم يقدم الفيلم تحليلا متكاملا او إضافة تخرج عن الأسباب المعروفة التقليدية التي تم تداولها  والحديث عنها في دراسات سابقة وأطروحات وحتى أعمال درامية حول الشباب والتطرف العنيف، وجاءت النتيجة عرضا انيقا لمجموعة شهادات مطمة بآراء “مختصين” في الجماعات الإسلامية، لكن من قال أن التطرف يتجه مباشرة -وفي طريق واحد- نحو الديني و تحديدا الإسلامي؟

 

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.