ثقافةغير مصنف

أكيــــــكو يوســــــانو ربّة الشعر وشاعرة العصر باليابان  

سلسلة شاعرات القرن العشرين

 


ما الذي سوف أرتديه للنوم وحدي؟

كيمونو داخلي

من قماش حريري

مصبوغ بحمرة الشفق الباهتة.

يلمس الجلد

لمسَ الضباب الكثيف

للزهور.

كلَّ مرة ألبس فيها

ينتابني الفرح

أني ولدت امرأة.

للهب الشمعة المضيء

بحركته الخافتة

جمالٌ يحبس الأنفاسَ

حتى في غرفة النوم هذه

التي لستَ فيها.

 

لم تكن شاعرة فحسب في تاريخ اليابان، بل أكثر من ذلك بكثير. مكانتها الكبيرة وتميزها أدّى إلى تسمية عصر كامل باسمها. هي أكيكو يوسانو إحدى شاعرات القرن العشرين، والشاعرة الأكثر شهرة باليابان بل وتصنف الشاعرة الأولى في الشعر الحديث باليابان، إلى جانب الشعر كتبت أكيكو القصة والمقالات الصحفية، وهي كاتبة غزيرة الإنتاج طيلة مسيرتها أصدرت عشرات الكتب 75 كتابا منها 20 مجموعة شعرية .

 

 

 

ولدت أكيكو يوسانو ( 1878 – 1942)    في شتاء ديسمبر سنة  1878 بمدينة ساكاي اليابانية، وسط عائلة ثرية اشتهرت بمزاولة الأعمال التجارية، في سنّ العاشرة اشتغلت أكيكو بمحلّ والدها، لتعوض شقيقتها الأكبر منها التي تزوجت آنذاك.

 

 

أثناء عملها بالمحلّ العائلي تغيبت أكيكو كثيرا عن المدرسة ولكن من حسن حظها أنّها تنتمي لعائلة ثرية تمتلك مكتبة كبيرة ومتنوعة في البيت وهو ما ساعدها على تدارك غيابها المستمر عن المدرسة التي غادرتها نهائيا في سنّ السادسة عشر.

انهمكت أكيكو في القراءة متأثرة بشقيقها الأكبر والذي كان له دور كبير في تعرفها على الأدب المحلي والعالمي.

 

 

عرفت أكيكو بالتزامها في العمل ولم تشكو يوما منه بل استطاعت أن توفق بينه وبين هوايتها القراءة والكتابة، فبعد أن تكمل عملها بالمحلّ تهرع أكيكو إلى كتابة الشعر، لقد كان متعتها الوحيدة، كتبت التانكا وهو شكل شعري يتألف من 31 مقطعا موزعاً على خمسة سطور بالنسق التالي( 5-7-5-7-7) كما كتبت الشعر الحرّ ، من أشهر ما قيل حول أعمالها ما قاله الناقد الياباني “سايتو موكيشي” :  أكيكو تكتب مثل صبيّة تتحدث بسرعة.

 

افتح الباب

بلطفٍ على سرٍّ

خالدٍ؛ ثدياي المزهران ملمومان

مقدمان بكلتا يدي

وأنا أتابع مسراه

أعطيتُ عاشقي الوسيم

أفضلَ ثوب بنفسجي لدي

لأحميه من البرد

فتورّد وجهه وازداد جمالاً

 

الشاعرة الزوجة

تعرفت أكيكو يوسانو على زوجها الشاعر والناشر نيكهان يوسانو في إحدى مسابقات الشعر باليابان وتزوجت منه سنة 1901 وانتقلت للعيش معه في طوكيو،  “يوسانو” هو اسم زوجها الذي حملته كما هو معمول به في اليابان، نشر زوجها أول دواوينها سنة 1901  وحمل عنوان ” الشعر المتشابك “   “Cheveux emmêlés”.

 

 

رحبّ النقادّ بعملها الأوّل ” الشعر المتشابك “  والذي تضمن 399 قصيدة تحدثت من خلالها أكيكو عن الحبّ الذي جمعها بزوجها نيكهان، بطريقة رومنسية وإيروتيكية، وهو ما مكنها من نحت شخصيتها الأدبية التي فرضتها على القرّاء والنقادّ.

 

ﻁﺭﻗﺕﹸ ﺒﺎﺏ ﺍﻷﺴﺭﺍﺭ ﺒﻬﺩﻭء

ﻭﺃﻨﺎ ﺃﻋﺘﺼﺭ ﻨﻬﺩﻱ بيدي الاثنتين

ﻭﻋﻨﺩﻫﺎ ﺸﺎﻫﺩﺕ ﺯﻫﺭﺓ ﺘﺘﻔﺘﺢ ﻫﻨﺎﻙ

ﻭﻜﺎﻥ ﻟﻭﻨﻬﺎ ﺍﻟﻘﺭﻤﺯﻱ ﻴﻠﻤﻊ ﺒﺸﻜل ﻻﻓﺕ!

ﻜﺎﻨﺕ ﺃﺼﺎﺒﻌﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺭﺓ ﺍﻟﺸﺎﺒﺔ

ﻴﺘﻼشى لونها حتى البياض

ﻭﻜﻨﺕ ﺃﺘﺤﺎﺸﻰ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻠﺤﻅﺔ

الباردة ﻤﻥ ﺸﻔﻕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺀ

ﻜﺒﺭﻋﻡ ﻤﻥ ﺯﻫﺭﺓ ﺍﻟﻤﺎﻨﻭﻟﻴﺎ.

 

 

مقطع من إحدى قصائد ديوان “الشعر المتشابك”

 

قبل “نيكهان يوسانو” زوج شاعرتنا تفوق زوجته الشعري عليه، ولم يغضب بل فتح لها مجلته “ميجو” لكتابة المقالات الصحفية التي كشفت الجانب الإبداعي ل”أكيكو” في الكتابة الصحفية والقصة القصية، تعلقت أكيكو  بالعائلة وبالأطفال واحتفت بأمومتها جيّدا فأنجبت عددا وفيرا من الأبناء بلغ عددهم سبعة أطفال.

 

 

الشــــاعرة المناضلة

عارضت أكيكو الحرب التي دارت بين روسيا واليابان التي اندلعت في فيفري  1904 والتي استمرت إلى سبتمبر 1905 وعبرّت عن رفضها للحرب في قصيدة شهيرة : “لا تضحّ بحياتك يا أخي“، انتقدت الإمبراطور علنا وشككت في قراراته المصيرية التي دفعت الشباب إلى الحرب والتضحية بدمائهم من أجله لا من أجل الوطن كما يحاول الإمبراطور إيهام شعبه،  وأدانت حملات الإعدام ضدّ  الثوريين التي بدأت سنة 1912  كلّ تلك المواقف التقدمية والمعارضة دفعت العامة  إلى رجم بيتها بالحجارة.

 

ﺃﺨﻲ ﻻ ﺘﻀﺢ بحياتك يا أخي

ﻓﺈﻥّ ﺠﻼﻟﺔ ﺍﻹﻤﺒﺭﺍﻁﻭﺭ

ﻟﻥ ﻴﺸﺘﺭﻙ ﺒﻨﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺭﻜﺔ

ﻓﻫﻭ ﻴﻌتقد ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﺍﻟﻨﺒﻴل

ﺒﺄﻨﻪ ﺸﺭﻑﹲ ﻟﻠﺭﺠﺎل ﺃﻥ ﻴﻔﻌﻠﻭﺍ ﺫﻟﻙ

ﺃﻥ ﻴﺒﺼﻕ ﺍﻟﻭﺍﺤﺩ ﺜﻡ ﺍﻵﺨﺭ ﺩﻤﻪ

ﻭﻴﻤﻭﺕ ﻤﺜل ﺍﻟﺤﻴﻭﺍﻨﺎﺕ؟

آه يا أخي لا تضحّ ﺒﺭﻭﺤﻙ ﻓﻲ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﻌﺭﻜﺔ.

 

إلى جانب مواقفها المناهضة للحرب وللسلطة السياسية نشطت أكيكو في الحركة النسوية اليابانية فدافعت عن حق التعليم والتصويت للنساء اليابانيات سنة 1914 وأثناء إقامتها القصيرة بباريس في سنة 1904  والتي جاءت إليها شوقا لزوجها المستقر هناك آنذاك ، ومن خلال اطلاعها على أوضاع المرأة بفرنسا أدانت التجاء المرأة إلى البغاء بكثرة في باريس  على عكس لندن التي زارتها سابقا، لم تمكث أكيكو كثيرا في فرنسا بضعة أشهر  وسافرت إلى أولادها المقيمين باليابان.

 

 

 

أصدرت أوّل مجلة نسوية سنة 1916 ، وعرفت بمواقفها المنتقدة  للمجتمع الياباني والذي وصفته بالجامد ونشرت بعض مقالاتها  المتعلقة بقضايا المرأة اليابانية والفروق بين اليابانيين والفرنسيين ب” جريدة باريس ”  “Journal de Paris”.

أسست “معهد الثقافة ” سنة 1921 صحبة ثلة من المثقفين وزوجها ويعتبر هذا المعهد  أوّل مدرسة مختلطة باليابان وظلت مدافعة عن حقوق النساء إلى لحظة موتها في 29 ماي 1942.

نجحت أكيكو يوسانو في الهيمنة على عصرها الذي بات يعرف بعصر أكيكو  فهي إلى جانب تفوقها الشعري الذي منحها لقب “ربّة الشعر” وغيره من الألقاب وغزارة انتاجاتها الشعرية والفكرية والتي بلغت 75 كتابا عرفت بمواقفها التقدمية والمعادية للحرب والانتصار للمرأة والعمل من أجل الإصلاح الاجتماعي، لقد تميّزت مسيرتها عن غيرها من كتاب وكاتبات اليابان وهو ما يجعلها إلى اليوم أيقونة الشعر الياباني .

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد