ثقافةغير مصنف

منى حاطوم رحالة في العالم وجهتها فلسطين

مبدعات

 

 

كيف يمكن أن تتحوّل الأشياء الحميمة والخاصة جدّا إلى أشياء عامة نتشارك فيها مع الآخر بكلّ سهولة ..  إنّها محنة الآخر أيضا في قبولها وتقاسمها معنا .. من هذا المنطلق يمكننا قراءة تجربة منى حاطوم الفنيّة أيضا على أنّها تجربة الأنا والآخر ضمن مساحات فنيّة صادمة وخارجة عن المألوف تمكنت من خلالها الفنانة الفلسطينية منى حاطوم على تشكيل رؤية مغايرة لكلّ ما هو خاص وحميمي.

 

يمكننا الحديث من خلال أعمال منى حاطوم (1952) والتي لعب فيها الجسد دور البطولة عن حكمة الجسد حسب تعبير نيتشه، ” يكمن خلف أفكارك وأحاسيسك كائن أكثر نفوذا، حكيم مجهول يسكن جسدك، إنّه جسدك “، ربّما من خلال هذه المقولة النيتشوية سنتعرّف عن ” الجسد “، الجسد الذي يسكننا ولم نعرفه بعد، وكيف جعلت حاطوم من هذه الكتلة اللحمية نافذة الفلسطيني التي يطلّ بها على العالم.

 

“قياس المسافة” الجسد الهويّة 1988

اتسمت أعمال حاطوم منذ بداياتها الأولى بالجرأة الشديدة وبالخروج عن كلّ الأعراف ويعتبر عملها “قياس المسافة ” في 1988 شاهدا على فنّانة مارقة ومختلفة استطاعت أن تحدث صدمة في الأوساط العربية لا سيّما المحافظة.

قدّمت حاطوم في عملها الفني هذا عن طريق تقنية الفيديو، النصف الأعلى جسد والدتها عاريا في لحظة الاستحمام ممتزجا بكلمات رسائل تبادلتها الابنة مع والدتها، لا يظهر الجسد بشكل واضح أو مباشر، كما لم تطمس معالمه الأنثوية البارزة، بين لعبة الإخفاء والإظهار، حضر الجسد غير مخفي وغير ظاهر، حضر كسيّد في حكاية بل هو سيّدها والممسك بتلابيب البداية والنهاية.

 

 

يرافق صورة الجسد صوت حاطوم ووالدتها وهما تتحدثان عن تابوهات الثقافة العربية لقد تحوّل الجسد إلى صوت نصغي له جيّدا، صوتنا الذي لم نكتشفه بعد إنّه صوت الحكيم المجهول.

لقد انهارت الحدود الحميمة من خلال هذا الجسد الأنثوي العاري الذي لا يوحي إلى الخطيئة أو إلى الإثارة الجنسية بقدر ما يوحي إلى الأرض الفلسطينية، تكشف الفنانة من خلال تقاسمها مع الآخر الغريب عن محنة اللاجئ الفلسطيني خاصة وأنّها من عائلة هجرّت من فلسطين نحو بيروت في 1948.

 

 

لقد أضحى جسد الأمّ الحميمي في لحظة الاستحمام إلى أرض فلسطين البعيدة القريبة والغائبة الحاضرة خاصة وأنّ منى حاطوم قد قدمت عملها هذا أثناء إقامتها في لندن، إنّها تتشارك مع الآخر في مأساتها الفلسطينية التي تبدو صادمة للبعض.

لم يحضر جسد الأمّ كمعطى جنسي، رغم شجاعة حاطوم في تحطيم التابوهات العربية، لقد انطلقت من جسد والدتها من أجل طرح أسئلة تتعلق بمعاناة الفلسطيني في دول الشتات فهي فلسطينية مولودة في لبنان حرمت من الجنسية اللبنانية كما حرمت من العودة إلى وطنها الأصلي ومنعت من زيارة بيروت بعد اندلاع الحرب الأهلية.

تحدث الشاعر محمود درويش عن حضور الجسد في تجربة منى حاطوم  في إحدى مقالاته الصحفية

“تخترق الفنانة المحرم الأول عبر استعمالها لجسد الأم وهي عارية مما يمكن اعتباره هتكا لمقدس بما أن الأمومة هي عادة ما تكون محل إجلال وتقديس وهو ما يتعارض على الأقل مع الثقافة العربية الإسلامية باعتبار العري تدنيسا للجسد و لكن هذا التقديم لا يأتي في الفيلم بشكل صادم أو استفزازي أو شبقي أو جنسي كنوع من هتك المقدس.. بل إنها تعيد الجسد عبر مشهد الاستحمام وهو “ممارسة حميمية” إلى مجال التقبل ويصبح مكانا للرؤية ليس كجزء من محرم يجب إقصاؤه و استبعاده بل وجب التعامل معه و التفكير فيه بما هو جسد واقعي، أي أن حاطوم تنزع عن الجسد كل بعد أسطوري وثيق الصلة بالمقدس و الديني”.

 

يطيح الجسد بمقولات الوحدة الظاهرية ويتجاوزها إلى مكان للرؤية، أو لصياغة القضايا الوطنية الكبرى، من خلال تناقضات المقدس العربي الإسلامي تصوغ منى حاطوم على هذه الرقعة الجسدية أسئلة العودة في ظلّ الحواجز والأسلاك المحيطة بالجسد العاري، الذي تخلص من كلّ حدوده الخاصة ليصبح مكانا عاما وفرصة لمواجهة الأسئلة الفلسطينية المؤرقة.

 

صابون نابلس واتفاقية أوسلو ” فعل حاضر ” 1996

لطالما كانت الخرائط الدرس التاريخي الأوّل لتعلم مفهوم الوطن، إننا نرسم عليها حدود أوطاننا، فهي الشاهد الأوّل على أننّا ننتمي إلى هنا أو هناك،  اشتغلت منى حاطوم في عملها التكعيبي ” فعل حاضر ” على قيمة الانتماء من خلال رسمها   لإتفاقية أوسلو   على  2200 مكعب من صابون نابلس، في إشارة إلى خارطة فلسطين المتناقضة بعد اتفاقية أوسلو ، فنكتشف وعيها بقضيّتها التي حملتها وجعلت منها هويّة أعمالها الفنيّة بل وحملتها البنية الاجتماعية الفلسطينية.

 

 

“فعل حاضر” أو اتفاقية أوسلو  هي في الأصل اتفاقية واهمة مثل مكعبات الصابون التي لا تدوم طويلا حتى وإن غرتنا فقاعاته المتطايرة، إنّه ذائب زائل،  أمام قوّة الماء وعزم الإنسان على الطهارة والتطهير ، سيذوب حتما أمام إصرار الإنسان.

 

 

تماما كاتفاقية أوسلو  ورفض الفلسطيني إلى التقسيم الصهيوني لأرض فلسطين، وعزمه على المقاومة من أجل تحرير الأرض رغم عمليات الاقتلاع القسري، ستذوب الخرائط كما تذوب مكعبات الصابون، يعتبر فعل حاضر   إحدى أهمّ التعبيرات الفنيّة التي اشتغلت على بنية الوعي الفلسطيني تجاه قضيته أمام زيف الادعاء الصهيوني، بإعادة تمثل الحيّز الجغرافي الفلسطيني في ظلّ تقسيمات الاحتلال.

 

 

“جسد غريب”  1994 

يمكن اعتبار منى حاطوم وريثة السرياليين من خلال ابتكارها لأشكال فنيّة مختلفة لم يسبق وأن استخدمها فنّان قبلها، ويتنزل عملها “جسد غريب ” في هذا السياق، قامت حاطوم بتصوير جسدها الداخلي عن طريق كاميرا قامت بابتلاعها، في حوار مع قناة الجزيرة تحدثت حاطوم عن هذا العمل : من خلال هذا العمل أحاول أن أتحدث عن الغزو المطلق لحياة الإنسان، لقد أسميته “جسد غريب” لأن أجسادنا ورغم التحامنا بها فإنها غريبة عنا، إنها منطقة غريبة لا نستطيع الوصول إليها إلى بمساعدة الأجهزة العلمية، وجسد غريب لأن الكاميرا هي جسد غريب مثلما لو ابتلعت قطعة من الحجر، وجسد غريب كجسد إنسان أجنبي، وجسد غريب مثل أمور كثيرة أخرى.”

 

 

 

يمكن العودة إلى المقولة النيتشوية الأولى التي وردت في نصّ هذا المقال، إننا نجهل من يسكننا أو من نسكن فيه، أجسادنا غريبة عنّا، ربّما بحثت منى حاطوم عن الحرية من خلال الانفلات من الرقابة إلى البحث في عوالم مجهولة في جسدها الداخلي الذي تقاسمت رؤيته مع الآخر الذي لم يعرف من جسده سوى ما يظهر منه.

 

لوحة باسم “اضطراب”

 

حملت منى حاطوم من خلال أعمالها هواجس وهشاشة الإنسان المعاصر كما أنّها حملت قضيتها الفلسطينية بل وجعلتها الخلفية الفنيّة التي انطلقت منها في أغلب أعمالها، إنّها فنانة قلقة، استطاعت أن تحوّل انفعالاتها إلى أفكار  وأعمال فنيّة لها القدرة على التغيير رغم ما تعرّضت له في صعوبات.

 

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد