مدونات

كان ياما كان.. هنا صوت العرب من القاهرة

بكل حسرة نقول، لم يعد "صوت العرب من القاهرة"، بل صار "إخراس صوت العرب من القاهرة"

 
كان ياما كان
هنا صوت العرب من القاهرة

لا أستطيع أن أفهم- ليس فقط كعربية، وإنما كقانونية أزعم أنني على دراية بالقوانين والمواثيق الدولية- بأي سند قانوني أو عرف دبلوماسي حتى تقبل الجامعة العربية ذلك الانتهاك لأحد مواثيقها حينما منعت السلطات المصرية إصدار تأشيرات لوفد دولة قطر للمشاركة في اجتماع الدورة العادية الحادية والتسعين للجنة الدائمة للإعلام العربي، وكذلك اجتماع الدورة العادية التاسعة والأربعين لمجلس وزراء الإعلام العرب.

فحينما ارتضت جامعة الدول العربية كمنظمة دولية أُنشأت لتحقيق أهداف ومصالح الدول المموقعين عليها وهم الدول الناطقة باللغة العربية، حينما ارتضت وفق وثيقتها التأسيسية أن يكون مقرها الدائم مصر، وضعت طبقا للمادة الرابعة عشر من ميثاق الدول العربية ما يسمى بـ “اتفاقية المقر” والتي جاء في مادتها السابعة ذلك النص: 

“تلتزم السلطات المصرية في جمهورية مصر العربية بألا تعوق الأشخاص إلى المقر أو منه، إذا كانوا مكلفين بعمل رسمي فيه، أو مدعوين من الجامعة للذهاب إليها؛ ولهذا السبب تتعهد حكومة مصر العربية بأن ترخص للآشخاص الآتي بيانهم بالدخول لجمهورية مصر العربية والإقامة فيها دون تأخير ودون دفع رسوم التأشيرات مدة أدائهم لعملهم أو مهمتهم لدى الجامعة وهم: ممثلو الدول العربية الأعضاء، بما فيهم المندوبون والمستشارون والسكرترون والخبراء…” 

المادة 7 من اتفاق المقر بين جامعة الدول العربية وجمهورية مصر العربية

لعله حينما يأتي الخطأ من جاهل تكون المصيبة أقل وطأة منها إن أتى من عالم، وكذلك إن صدر الفساد عن مجرم فمع كونه فسادا إلا أن مصيبته تكون أهون من صدوره من مدَّعٍ للصلاح والإصلاح، وتصل المصيبة إلى حدِّ الكارثة أو قل الطامّة حينما يصدر هذا الفساد عمَّن مسؤوليتهم الأولى هي الوقوف ضد الفساد أو الدفاع عن الحق!

وصل بنا الحال المخزي أن يشهد ميدان التحرير ميدان الثورة المجيدة احتفالات كيان الاحتلال الاسرائيلى فى ذكرى النكبة، تلك الاحتفالات التى شارك فيها عدد من عرابي التطبيع المجانى واعلاميون موالون للسلطة فى لحظة تاريخية صادمة لم تكن تمر بمخيلتنا فى أحلك الكوابيس ولكنه الواقع الذى نعيشه بمرارته وانحطاطه

لا تتعجب إذن؛ فهذا الآن صار حقيقة وواقعا ليس كارثيًّا أو حقوقيًّا وقانونيُّا فحسب، وإنما صار واقعا مخجلا في عالمنا العربي المأسوف عليه. فبمطالعة سريعة لأي خبر كُتب أو يُكتب عن موقف الجامعة العربية  تجاه القضايا العربية المصيرية تكتشف بوضوح ودون عناء  ما وصل إليه حالنا.

تورتة النكبة الفلسطينية في القاهرة

فقد كنا نعد عدم نصرة الجامعة العربية لأكبر قضايا العرب وهي قضية فلسطين نوعا من قلة الحيلة والضعف الشديد الذي وصلنا إليه حتى يصل الحال المخزي الى أن يشهد ميدان التحرير ميدان الثورة المجيدة احتفالات كيان الاحتلال الاسرائيلى فى ذكرى النكبة تلك الاحتفالات التى شارك فيها عدد من عرابي التطبيع المجانى واعلاميون موالون للسلطة فى لحظة تاريخية صادمة لم تكن تمر بمخيلتنا فى أحلك الكوابيس، ولكنه الواقع الذى نعيشه بمرارته وانحطاطه.

ثم حدثت مشلكة حصار قطر ولم نجد للجامعة العربية دورا يُذكر في هذا الأمر، فقلنا الضعف بلغ أقصى مداه، لكنَّا الآن يا سادة قد وصلنا لمرحلة أكبر من كلمة الضعف، حينما نجد عدم السماح لوفد من دولة عربية عضوة في جامعة الدول العربية بالمشاركة في اجتماع لها، وهذا ما حدث مع وفد دولة قطر وهي أحد أعضاء جامعة الدول العربية.

وللأسف هذا الموقف لا يمس مصر فقط لكونها دولة المقر لجامعة الدول العربية، والذي يخالف مخالفة صريحة ميثاق جامعة الدول العربية واتفاقية  المقر؛ وإنما كذلك لأن مصر كان من المفترض أن تكون أو تظل الأخت الكبري لكل العرب، وقلب العروبة النابض القادرة على جمع شتات الفرقاء واستيعاب نزاعاتهم وعدم الانحياز لفريق ضد آخر، والسعي لإصلاحها، لكن – بكل حسرة نقولها- لم يعد كما كنا نردد دائما: “صوت العرب من القاهرة، وإنما صار” إخراس صوت العرب من القاهرة!
نيفين ملك
الوسوم

نفين ملك

محامية وحقوقية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك رد