ثقافة

رواية “الكافرة”: محنة النساء في مجتمعات العنف والإرهاب

اقتحم علي بدر  مساحات حميمة وجريئة "إشكاليات الحبّ والجنس والجسد"  وتمكن من خلالها من رصد معاناة النساء في مجتمعات عاشت القهر والظلم والاستبداد وصولا إلى داعش وحكمها الدموي  في بعض المناطق بالعراق

 

 أنا هنا قربك، قادمة من بلاد الحروب التي لا تنتهي. من الأرض الملعونة. من خضمّ أحداث القتل الغامضة.من عالم الشعوذة.من خنق الزوجات،وقتل الصبايا،وسائر الوقائع التي تدور في إطار مرعب. من بلاد فيها مقدار كبير من الأسى، مقدار كبير، من المرح.

 

بهذه الجملة بدأ الروائي العراقي علي بدر روايته ” الكافرة ” الصادرة عن دار المتوسط سنة 2015 في طبعتها الأولى ، اختلفت رواية الكافرة عن بقيّة رواياته السابقة التي لعب فيها الرجل أدوار البطولة، لتتربع ” صوفيا ” على عرش البطولة لا ينازعها عليه ذكر.

اقتحم علي بدر  مساحات حميمة وجريئة “إشكاليات الحبّ والجنس والجسد”  وتمكن من خلالها من رصد معاناة النساء في مجتمعات عاشت القهر والظلم والاستبداد وصولا إلى داعش وحكمها الدموي  في بعض المناطق بالعراق.

 

 

تروي صوفي بطلة رواية الكافرة قصّة حياتها التي بدأت في العراق وانتهى بها الحال لاجئة ببلجيكا تحاول التنصل من جذورها وأحزانها، متمرّدة على الأعراف والتقاليد، ترغم نفسها على تصديق أنّها من هنا وليست من هناك من أوطان الجراح والخيبات.

تبدأ الرواية بحوار صوفيا مع أدريان حبيبها الذي تعرفت عليه في المنفى الذي اختارته، بلغة شعرية جميلة اقتحم علي بدر أعماق الأنثى العربية إلى درجة أن تجزم  أنّ هذه الرواية كاتبتها امرأة، وليس كاتبا تقمص دور المرأة بل وأتقنه ببراعة شديدة، إحساس بالخيبة بالظلم والحزن وتعطش إلى حياة أخرى وحبّ كبير يزيح عنها خيبات الماضي الأليم

“لقد أمضيت طفولتي كلها، بانتظار حبّك، انتظار هذا الحبّ الهائل الذي لا يغادر القلب أبدا. بلا مبالغة، يا صديقي الحبّ الذي انتظرته جاء معك. كان هو الوسيلة الوحيدة التي بقيت لي، في الصمود”. ص21

الحبّ هو ما تحلم به النساء العربيات وتناضل من أجله امرأة تركت كل شيء من أجل قصة حبّ تعيد لها الفرح والابتسامة “هذا قلبي أمنحه لك… قلبي الذي يرتعش وهو يستعيد اللحظات معك”.

 

الروائي العراقي علي بدر

 

صوفي أو فاطمة وفتح جراحات الأنثى العربية في مجتمعات العنف 

طرح  علي بدر إلى إشكاليات الحبّ والجنس والجسد في حياة المرأة العربية، لنكتشف في الفصول القادمة أنّ صوفي ليست إلا فاطمة امرأة عراقية هربت من جحيم داعش ومن ماض طويل من القهر والتسلط الذكوري، تروي الرواية قصّة فاطمة التي تعيش في إحدى المناطق العراقية التي سيطر عليها المتشددون الدينيون، انضم والدها إلى هذه التنظيمات الإرهابية ثمّ قتل في عملية انتحارية وتزوجت والدتها من سكير  يدفع الرشاوي للمسلحين ليتمكن من شرب الخمر ولعب القمار،  نكتشف في هذه الفصول بشاعة هذا التنظيم الدموي من خلال ممارساته العنيفة على الجميع وخاصة النساء،

“ليس هنالك من كلام سوى حكايات مرعبة، يتداولها الناس عن هؤلاء الرجال ذوي السحنات الغامضة والغاضبة. عن الرجال الأشدّاء الذين أصبح الجميع لا يخشاهم ويرتاع منهم، وحسب، إنّما يتذلل لهم أيضا”. ص88

تتزوج فاطمة من شابّ مدلل عاطل عن العمل، كانت تأمل أنّ الزواج سينتشلها ولو قليلا من قتامة الواقع المحيط بها، لا شيء يتغيّر  إلا نحو  الأسوء، انتهى بها الحال أرملة بعد موت زوجها في عملية انتحارية زوجها الحالم بمضاجعة الحوريات،

“سبعون حورية يا بن … تريد أن تضاجع سبعين عذراء وأنت لا تفعلها معي لا تستطيع أن تفعلها مرتين”  ص126

تهرب فاطمة من العراق ومن التنظيم الذي رغب في تزويجها من أحد المسلحين لا تنتهي معاناتها في الطريق، يغتصبها مهربها وهي الحالمة بقليل من الأمان في أوروبا لكن يبدو أنّ هذا الطريق وعر لا يمكن أن يعبده سوى جسدها الذي لم تكتشفه جميلا وواثقا إلا في لحظة وجودها بأوروبا

 

 

 

“صدقني، هذه المرّة الأولى التي أرى فيها جسدي كاملا … جسدي كله من الرأس إلى القدم .. مرآة ناعمة وملساء وتظهرني بشكل رائع”  ص 164

 إنّها جملة رمزية بالغة توضح ذكاء الروائي ومدى فطنته، إنّ فاطمة لم تملك مرآة كاملة في بيتها بالعراق ولم تتعرف على جسدها كاملا إلا في أوروبا، من جسد منشطر مخفيّ ومجهول إلى جسد حقيقي واضح المعلم ترمم من خلالها ثقتها المهزوزة وأحزانها الكثيرة، تتخلص لحظة اكتشافها لجسدها من جميع أشكال السلطة التي أرغمتها سابقا على الصمت ثمّ الهرب.

 تنزع فاطمة نقابها حال وصولها إلى أوروبا  وتتقمص شخصيتين متنافرتين ومتناقضتين، صوفي وفاطمة تحاول من خلالها أن تعيش لنفسها ومن أجل نفسها، تهرب من الذكريات والماضي نحو حياة مثيرة اختارتها ربّما كنوع من أنواع التشفي من ماضيها ومن أحزانها الكثيرة وخيباتها، تمارس الجنس مع من يعجبها تشرب الخمر ليلا، وتعمل بالتنظيف صباحا، حياة جديدة لم تتغيّر إلا لحظة التعرّف على أدريان الذي لا يقلّ غموضا وازدواجية عن فاطمة، أدريان الذي ظنته رجلا أوروبيا لتكتشف في النهاية أنّه رجل لبناني هارب من جحيم الحرب الأهلية ومن جرائم والده ضدّ الأبرياء .

تميّزت رواية الكافرة بكونها نصّ الأنوثة المضطهدة في مجتمعات العنف بالشرق الأوسط، الأنوثة وتفاصيلها المعقدّة والشائكة والتي استطاع علي بدر سردها ببراعة كما لو كان امرأة.

أدان بدر الذكورية العربية والإسلامية من خلال جسد فاطمة، لقد كان هذا الجسد الأنثوي وتمثلاته طيلة فصول الرواية وسيلة احتجاج قويّة ضدّ المخيال الذكوري، تمكن علي بدر من صياغة فكرته من خلال الحفر في فكرة الجسد كمعطى ثقافي ورمزي يظهر معاناة النساء في هذه المجتمعات المحكومة بفكرة الذكر وسطوته وهو ليس غريبا على روائي كبير مثل علي بدر الذي كتب حوله عشرات المقالات في أكبر صحف العالم.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد