ثقافة

عيد الرعاة في تونس.. تجارة الفرح على تخوم الفقر والموت

كان من الاجدى للرعاة في سمامة والقصرين وغيرهم من المناطق المنسية، ان تقام حملات لتهيئة البنية التحتية وبناء وحدة صحية قادرة على انقاذ حياة المرضى، وتجهيز مدارس وترميم بيوت القرى المتناثرة على كتف الجبل، وبعث مشاريع فلاحية صغيرة تجمع اموالها من حملات تبرع "ضيوف المهرجان"

 

أصبح الرعاة في منطقة القصرين وتحديدا جبل سمامة، وفي بقية محافظات تونس، ينتظرون “عيدهم” بفارغ الصبر، هكذا تحدث أحد مذيعي تونس، في إذاعة ما، فرحا بهذا الإنجاز العظيم، الذي أعاد، حسب رأيه، “للسرّاح”، اعتبارهم و نصّب لهم  مهرجانا يأتيه القوم من كل فج عميق.

 

لدقائق، يسترسل المذيع بالحديث عن المهرجان وأبهته والضيوف الذين سيدعون إليه  وانظار “العالم” فتنبهر بمدى تحضر تونس وتقدمها و تسامحها، حتى أنها أقامت عيدا للرعاة، الحفاة المنسيين في اعالي الجبال، أياما في السنة يقدمونهم للسياح والنخب المثقفة المحلية، ويخيل إليك أن تونس فد أتثبت انها وصلت بالثقافة والفن إلى أقصى حجر في أبعد نقطة على أرضها، وتكاد تسمع صدى تصفيق العالم لها..

يواصل المذيع الحديث عن الافتتاح الكبير الذي أقيم لمهرجان الرعاة.. في مدينة تورناي البلجيكية، وقال إنه حفل افتتاح رمزي لعيد الــــرّعاة التـونسي تم  يوم الجمعة 27 آبريل الماضي، تضامنا مع سكّان جبل سمّامة.. في بلجيكا!

 

 

عيد للأجانب

يبدو أن تونس أصبحت تؤسس لمقاومة الثقافة. هكذا أراد مؤسس التظاهرة عدنان الهلالي ان يكون هذا المهرجان، عيدا سنويا يحتفل بالرعاة ويستقطب وسائل الإعلام الاجنبية، ورجال الأعمال الاجانب، ويشجع على السياحة الداخلية “الرعوية”، حتى تصبح تونس قطبا عالميا في سياحة الرعاة، الذين سيقودون مواكب الضيوف يعرفونهم بالمواقع الأثرية والطبيعية في المنطقة، يقدمون لهم “خبز الطابونة العربي”  والعسل وزيت الزيتون ، لينفض المهرجان بعد 3 أيام و يعود هؤلاء إلى بيوتهم ومكاتبهم فرحين بالتجربة “اللطيفة” في أحضان الجبل،  ويبقى الرعاة وحدهم، يتداولون بؤس المكان وانقطاع السبيل.

 

المهرجان أيام والفقر ضيف مقيم

لا أحد ينكر دور الثقافة في تأهيل المجتمع وتوعية شبابه وأطفاله، وأن تصل التظاهرات الثقافية إلى ربوع مضجرة موغلة في البؤس والانعزال هو إنجاز حقيقي كلف ما كلف من الجهد والتخطيط والعمل، والمخاطر التي يتحملها القائمون على المهرجان ليست سهلة التجاوز، فالمنطقة تقع ضمن خط الدفاع الاول ضد إرهابيي الجبال المتمترسين داخلها منذ سنوات، و لا تزال قوات الجيش تحاول تحييد الجبل والقضاء على قنابله البشرية الموقوتة، لذا فالوصول إلى إقناع الحكومة والضيوف خاصة الاجانب منهم بدعم مهرجان على بعد مرمى حجر من أعشاش الارهابيين في حد ذاته انجاز.

زد على ذلك شباب تلك المناطق، المحرومون من أي نوع من أنواع الترفيه والتسلية، عدا تلك التي يصنعونها بأيديهم او يعيشونها في الخيال، سيفرحون بالتأكيد بعروض موسيقية وسينمائية ترفه عنهم قليلا  تعب الحياة وتحمل لهم تجارب اخرى من العالم، لكن ماذا عن بقية الأيام، مالذي يمكن ان تفعله او تضيفه قطرة ماء يلقى بها في محيط مالح أجاج؟

لعل القائمين على المهرجان لم يقصدوا إلا خيرا، فقدموا برمجة متنوعة تتضمن عروضًا فنية لمشاركين أجانب في عدد من المدارس الريفية، إلى جانب عرض “وقت الجبال تغني” لأصوات سمامة في دار الفنان بفيض المثنان.

ومائدة مستديرة لمشاركين من دول مختلفة كالأرجنتين وإسبانيا وتونس وتشاد، إلى جانب عروض فنية واحتفالية شعرية وعروض موسيقية لفنانين من جنسيات مختلفة. بالإضافة إلى ورشة رسم للأطفال واستعراض للقـطعان على إيقاع الموسـيقى.

 

 

لكن مع الاسف، يبدو البرنامج كانه أعد على مقاس الضيوف الأجانب، القادمين من بعيد كي يقضوا اياما في الطبيعة الجميلة و يشاهدوا قطعان الأغنام ترقص على ايقاع الموسيقى، و يعلموا الاطفال كيف يرسمون خروفا، لكن من يعلم هؤلاء الاطفال كيف يرسمون بيوتا جميلة، حقيقية لا من قش و طين، ومن يعلمهم أسماء الحيوانات الاخرى التي لا يعرفونها، أو يحكي لهم عن دول يذهب الأطفال فيها للمدرسة بالحافلة دون ان يضطروا لقطع كيلومترات على اقدامهم الصغيرة وسط الأوحال والبرد والذئاب؟

كان من الاجدى للرعاة في سمامة والقصرين وغيرهم من المناطق المنسية، ان تقام حملات لتهيئة البنية التحتية وبناء وحدة صحية قادرة على انقاذ حياة المرضى، وتجهيز مدارس وترميم بيوت القرى المتناثرة على كتف الجبل، وبعث مشاريع فلاحية صغيرة تجمع اموالها من حملات تبرع “ضيوف المهرجان”.

في هذه الحالة فقط سيفرح الرعاة كثيرا بزائريهم ولن يحسوا بانهم مجرد فلكلور ترفيهي للأجانب. حينها سيكون الوعي الحقيقي بأن تونس بلد تنتصر للثقافة والانسانية.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد