مجتمع

مؤسسة الإفتاء في تونس.. بين ماض مجيد وحاضر تعيس

تصريحات بطيخ لا تمثل سوى شخصه، ولم يسبق لدار الإفتاء التونسية أن تورطت في موقف مماثل، فالقضية الفلسطينية ورفض التطبيع محل إجماع بين كل التونسيين

 

تتناقل وسائل الإعلام العربية، في اليومين الأخيرين، مقطع فيديو لمفتي تونس، عثمان بطيخ، وهو يدلي بتصريحاته للقناة السابعة الإسرائيلية، مستغلة هذا المقطع لاتهام مؤسسة الإفتاء التونسية بالتطبيع العلني.

 

وقد كتبت وكالة وطن للأنباء، العنوان الرئيسي بالبنط العريض، “تطبيع علني.. مفتي تونس عثمان بطيخ يستقبل اسرائيليين ويجري مقابلة صحفية مع قناة عبرية !”

 

 

وكتب موقع دنيا الوطن، هو الآخر، عنوانا عريضا “فيديو: عبر قناة إسرائيلية.. مفتي تونس يدعو للتعايش السلمي”،

 

ونقلت صحيفة هسبرس المغربية، أن تصريحات مفتي تونس لقناة إسرائيلية تثير جدلا

 

فيما اختلفت باقة العناوين وتنوعت حول الحدث، الذي أصبح حديث الساعة، في الصحف والمواقع المغاربية والعربية، والتي تصب كلها في باب واحد وهو التطبيع العلني.

 

بطيخ وقع في الفخ

وكانت بعض المواقع، قد كشفت أن مفتي تونس، قد وقع في فخ الصحفي، نظرا لأنه  لم يكن يعلم هوية مخاطبه الذي أخذ منه المداخلة، ولم يقدم نفسه كمراسل للقناة السابعة الصهيونية، بل كصحفي فلسطيني عمل سابقا في المكتب الإعلامي للزعيم الراحل “ياسر عرفات” الذي يحظى بشعبية واسعة في تونس باعتباره قضى سنوات في الخضراء بعد مغادرة منظمة التحرير الفلسطينية والمقاتلين لبيروت سنة 1982 إلى تونس.

ورغم هذه التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام، ما تزال دار الافتاء التونسية، متحفظة ولم يصدر عنها أي بيان، أو موقف صارم، ولم تتلقى منها مجلة ميم، غير أنه سيقع إصدار توضيح، في هذا الشأن، دون زيادة أو نقصان.

كما لم يصدر من المفتي عثمان بطيخ، أية تصريحات أو اعتذار شخصي، حول حواره مع القناة الإسرائيلية. والحقيقة هي أن تصريحاته هذه لا تمثل سوى شخصه، كما أنه لم يسبق في دار الإفتاء التونسية، التي تعتبر مرجعا دينيا لكل التونسيين، أن شهدت موقفا مماثلا، باعتبار أن القضية الفلسطينية، هي قضية الشعب التونسي.

 

 

شيوخ دار الإفتاء التونسية

وعلى مر سنين، تداولت على دار الافتاء التونسية، نخبة من المشايخ الزيتونيين، الذين اتسموا بالزاد المعرفي، على غرار الشيخ” محمد عبد العزيز جعيط، و”الشيخ محمد الحبيب بلخوجة”، والشيخ محمد الفاضل بن عاشور، الذي عرف بتغلغل القضية الفلسطينية ونصرتها.

محمد عبد العزيز جعيط

يعد الشيخ “محمد عبد العزيز جعيط”، (1886-1970)، أول مفت لتونس، حيث عين مفتيا سنة 1919، حين كانت تونس في عهدة البايات، كما أنه شغل هذا المنصب، بعد الاستقلال، مابين 1957 و1960، فضلا على أنه كان عميد جامعة الزيتونة وأحد شيوخها ومدرسيها، وقد كان الكاتب الرئيسي للمجلة التي سبقت مجلة الأحوال الشخصية.

وقد تمت تنحيته بعد الخلاف مع الحبيب بورقيبة، الذي كان يترأس تونس في ذلك الوقت حول مسألة الصيام خلال شهر رمضان.

 

 

ارتبط تاريخ الإفتاء بتونس بأعلام متبحرين في العلم والمعرفة معروفين بمناصرتهم للحق لا يخشون في ذلك لومة لائم.

إلا أن هذه المؤسسة قد ضعفت وترهلت نتيجة لعاملين اثنين: إغلاق جامع الزيتونة الذي كان يخرج كبار العلماء بعد الإستقلال وتهميش دور العلوم الشرعية، بل ومحاربة الدين وكافة مظاهره من جهة، وحصر مهمة الإفتاء في عائلات محدودة من أهل تونس الحاضرة المعروفين ب”البلدية” وأعيانهم بالذات، من جهة أخرى

الشيخ محمد الفاضل بن عاشور

يعرف الشيخ “محمد الفاضل بن عاشور”، الذي تقلد منصب مفتي الجمهورية ما بين سنوات 1962 و1972، بأنه أحد أهم علماء الدين الذين عرفتهم تونس في القرن العشرين، وقد كان خطيبا مفوها، ومناصرا للقضية الفلسطينية، حيث برز خاصة في الأربعينات في الأنشطة الداعمة للقضية الفلسطينية، من خلال “اللجنة العربية للمدرسين”، في 2 ديسمبر/كانون الأول 1947، والتي نظمت عديد التظاهرات للتنديد بقرار التقسيم وتعبئة القوى الوطنية لمساندة الشعب الفلسطيني.

وقد ألقى الأستاذ الفاضل بن عاشور،  محاضرة بالخلدونية في 3 ديسمبر/ كانون الأول 1947 عنوانها “فلسطين الوطن القومي للعالم العربي” أبرز فيها دور انقلترا في الصراع العربي الصهيوني.

 

 

باتت مؤسسة الإفتاء شكلية، جامدة تعيش خارج نبض المجتمع وحركيته، لا يتميز من يتبوؤها لا بالريادة المعرفية ولا بالوعي السياسي، ولا مؤهل له إلا انحداره من أسرة مرموقة من أعيان البلدية ووجهائهم، فقط لا غير

الشيخ محمد الحبيب بلخوجة

يعرف الشيخ “محمد الحبيب بلخوجة”، في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1922، وتلقى تعليما دينيا وحفظ القرآن منذ صغره ثم زاول تعليمه بجامعة الزيتونة وتخصص في الفقه، حيث أخذ العلم على يد علماء جامع الزيتونة كالعلامة الطاهر بن عاشور وابنه الفاضل بن عاشور، وأكمل دراسته في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الزيتونة، وحصل على شهادة العالمية عام 1946.

لم يكتف بدراسة العلوم الشرعية، فسافر إلى باريس ودرس الآداب العربية، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1964، وقد عين مفتيا للدّيار التّونسيّة، لمدة ثمان سنوات من عام 1976م، إلى غاية عام 1984م.

وفي 17 جانفي/ كانون الثاني 2012،  توفي الشيخ بلخوجة، عن عمر ناهز 90 عاما،ى مخلفا وراءه كتبا عديدة منها “مواقف الإسلام”، والتي تناول خلالها بعض القضايا المعاصرة من وجهة نظر الإسلام، بحسب ماتشير المراجع،  و”التنبيهات على المدونة لابن عياض”، و”تراجم المحدّثين والعلماء” و”يهود المغرب العربي” وهو عبارة عن محاضرات أُلقاها في قسم الدراسات الفلسطينية، بمعهد الدراسات العربية بالقاهرة.

 

 

ارتبط تاريخ الإفتاء بتونس بأعلام متبحرين في العلم والمعرفة معروفين بمناصرتهم للحق، إلا أن هذه المؤسسة قد ضعفت وترهلت نتيجة لعاملين اثنين: إغلاق جامع الزيتونة الذي كان يخرج كبار العلماء بعد الإستقلال وتهميش دور العلوم الشرعية من جهة، وحصر مهمة الإفتاء في عائلات محدودة من أهل تونس الحاضرة المعروفين ب”البلدية” وأعيانهم بالذات.

فكان التعيين على أساس الدم والأصل الإجتماعي، لا على أساس الكفاءة والجدارة والإقتدار، وباتت هذه المؤسسة شكلية، جامدة تعيش خارج نبض المجتمع وحركيته، لا يتميز من يتبوؤها لا بالريادة المعرفية ولا بالوعي السياسي، ولا مؤهل له إلا انحداره من أسرة مرموقة من أعيان البلدية ووجهائهم، فقط لا غير.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد