مجتمع

المرأة وزيف خطاب “الحداثيين”

ونحن نشاهد هجمة مدعي الحداثة على السيدة سعاد عبد الرحيم لا نملك إلا أن نستحضر خطابات التمجيد للمرأة التي استخدموها سلاحا ضد خصومهم وحملاتهم التي تصدرتها عشرات المنمقات المتأنقات و"المليون ونصف مرا" اللائي ما فتئوا يفتخرون بأصواتهن

 

“شيخة مدينة تونس مرا (إمرأة)؟ مع الأسف أحنا (نحن) بلد إسلامي ومتنجمش (لا تستطيع) ان تتحكم مرا في بلدية تونس.. هذا مش معقول! تخيل مرا في ليلة 27 في رمضان داخلة للجامع؟ هذا مش معقول ..مش معقول!!”.

هو فعلا تصريح غير معقول في بلد افتكت نساؤه غالبية حقوقهن و تصدح أصواتهن عاليا. لكن الصادم أكثر هو أن تعرف أن المتحدث  هو المكلف بالاتصال والإعلام في حزب قدم نفسه للناخبين على أنه حداثي، مناصر لحقوق النساء.

 

 

سرعان ما حاول رفاق بوسلامة التنصل منه ومن تصريحاته المحرجة، وأصدر حزبه بيانا نفى فيه أي صفة رسمية عنه..

المفارقة التي لا نملك إلا التوقف عندها هي أن هذا السياسي وحزبه كانا قبل أسابيع يخوضان معارك شرسة للمطالبة بالمساواة في الإرث ويصمان من يخالفهما بالرجعية والمحافظة والتخلف ومعاداة المرأة وحقوقها، التي يتشدقان بالدفاع عنها..

حينها طاف فؤاد بوسلامة الشوارع يحمل شعارات التقدمية والحداثية والمساواة والذود عن المرأة التونسية والتجند لمعركة تمكينها والوقوف لجانبها في وجه الرجعية والمحافظة الدينية..

وها هو اليوم يخرج علينا هو ورفاقه “الحداثيون” ليذكرونا بأن تونس هذه “دولة إسلامية” ويفتوا لنا بأنه “لا يحق للمرأة أن تكون إماما خطيبا، او ان تترأس بلدية او تدخل الجامع في ليلة القدرمن رمضان مع الرجال!!!”

 

سعاد عبد الرحيم

ثارت حفيظة فؤاد بن سلامة  وطفق يدعونا لنبذ مرشحة خصومه، فقط لأنها امرأة، ستلحق بتونس “الإسلامية” وأهلها العار فيخالفوا الشرع والدين والعرف والعياذ بالله..

والمفارقة أن هذا الخطاب يأتي من مدع للحداثة والتقدم يرفعها في وجه امرأة  رشحها حزب حركة النهضة ذو المرجعية الاسلامية، كي تكون على رأس قائمته الإنتخابية وتترأس بلدية تونس، إن هي فازت..

الحداثية السياسية والانفصام المجتمعي

يعبر هذا التناقض الصارخ عن واقع مرير تعيشه المرأة التونسية، خاصة في صفوف النخبة “المستنيرة” “التنويرية”، اين يتم التعامل معها بانتهازية وتوظف للغايات السياسية ولتصفية الحسابات مع الخصوم الأيديولوجيين، دون مبالاة بتمكينها الحقيقي وجعلها عنصرا قادرا على تبوء مواقع قيادية والمشاركة الفعلية في القرار.

يبدو أن المرأة عند هؤلاء واجهة يسوقون بها ادعاءات الحداثة والتقدم والإنفتاح، فتزين وتنمق وتنزع عنها الأصفاد الإجتماعية، وقد تنصب معتمدا  وواليا و قيادية في الحزب الحاكم، لكن دون سلطة قرار فعلية، فقط بغرض الدعاية والتسويق والترويج… وتصفية الحسابات..

هي باختصار فترينة لإثبات الشعارات السياسية والحزبية وكسب التأييد الخارجي للنموذج المجتمعي المثالي المزعوم، واحتكار السلطة والنفوذ، وسلاح يشهر في وجوه الخصوم.. فقط ليس الا

المرأة المثالية.. صورة للاتحاد النسائي التونسي سنة 1966

 

وماذا عن وضعها في الواقع، هذه المرأة التونسية اللتي يعشق الحديث عنها هؤلاء؟

فقر وتهميش وظلم واحتقار وتفاوت طبقي واستعلاء اجتماعي وثقافي من نخبة الحاضرة ومن حام بحماهم..

فهي إما “عروسة قماشية” بيد قلة بورجوازية استحوذت على الجاه والسلطة والحظوة وأجادت احتكارها، عدا قلة من المناضلات اللواتي رفضن الركوع و دفعن ثمن رفضهن، وإما مهمشة مقصاة عن مراكز القرار أو حتى اطرافه، بعيدة هناك في الأرياف و”وراء البلايك” حيث يجب ان تبقى كي لا تؤذي مشاعر اهل الحاضرة وادعاءاتهم الحداثية والتقدمية الزائفة..

ونحن نشاهد هجمة مدعي الحداثة على السيدة سعاد عبد الرحيم لا نملك إلا أن نستحضر خطابات التمجيد للمرأة التي استخدموها ضد خصومهم في 2013، وحملاتهم التي تصدرتها عشرات المنمقات المتأنقات و”المليون ونصف مرا” اللائي ما فتئوا يفتخرون بأصواتهن.

يتكشف اليوم لنا أن هؤلاء النسوة في اعينهم لسن إلا حصان طروادة، يوصل النخبة السياسية الذكورية إلى الحكم ليتحدثوا بتأثر بالغ عن التونسية العظيمة “المرأة والنصف”..  وندرك أنهن لسن إلا بنكا احتياطيا  يستخدم عند الحاجة..

أما عدا ذلك،  “فماهي إلا مرا” هذه الجملة المعبرة التي تفشي حقيقة هذه النخبة الذكورية التي توارثت الجاه والحظوة، أكثر من ألف برنامج انتخابي..

 

 

ترشحت السيدة سعاد عبد الرحيم لرئاسة بلدية تونس، جوهرة التاج البلدي،  وفازت، وهي التي ينحدر أسلافها من إحدى محافظات الجنوب، من خارج حدود الطبقة الوجيهة التي ولدت وتربت في الحاضرة.

ولم يرشحها لهذا المنصب السامي الذي احتكره أعيان البلدية من الذكور جيلا بعد جيل حراس الحداثة المزعومون، بل وضعها حزب ذو مرجعية إسلامية على رأس قائمته وساندها وتجند لتحقيق فوزها، وهو الذي استمات خصومه لحصره في خانة أعداء الحداثة والمرأة.. وسعوا جاهدين للحفاظ على ملكية شعارات تحرير المرأة والتقدم والتطور إلخ إلخ..

كل هذه العوامل تضافرت لتؤلب عليها خصوما جن جنونهم أن تفوز امرأة (ولا تنصب حتى!)  أصولها من هناك، من خارج دائرة “البلدية”، رشحها خصم (جل قييادييه وقواعده من هناك أيضا) يجب أن لا يتجرأ ويأكل من الشجرة المقدسة التي تعود لنا نحن ملكيتها، دون غيرنا،  شجرة التحرر والتقدم والدفاع عن المرأة وحقوقها!

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.