الرئيسيثقافة

ابنة جنرال لبناني: المخرجة التي تحدّت الرقابة اللبنانية

أفلام

 

أدركت مخرجة الأفلام الوثائقية اللبنانية رنا عيد أنها وضعت نفسها في خطر، عندما قررت تصوير مراكز الاحتجاز التابعة للجيش في بيروت.

تحصلت رنا على تراخيص من الجيش لاستخدام أسلحة طلق ناري في الفيلم، لكنها لم تكشف عن السياق الذي ستستخدم فيه المشاهد التي قامت بتصويرها.

 

عرض الفيلم الوثائقي الطويل “بانوبتيك” لأول مرة في السنة الفارطة خلال مهرجان لوكارنو في سويسرا، حيث بدأ بتحقيق مسيرة ناجحة شملت منافسات في المهرجانات السينمائية التي أقيمت في دبي ومدينة يهلافا الموجودة في جمهورية التشيك، والتي تبعد 75 ميلاً عن المنطقة الجنوبية الشرقية لمدينة براغ.

قبل شهر من إطلاق العرض الأول للفيلم في “أيام سينما بيروت”، اعتقدت رنا أن الأمور ستسير بسلاسة، خاصة بعد أن اجتمعت مع اثنين من جنرالات الجيش الذي طلبوا الاجتماع معها  قبل خمسة أشهر، وذلك من أجل الحصول على إذن لعرض الفيلم. بعد مشاهدة الفيلم، أخبروها أنهم يحترمون وجهة نظرها وأنهم سيسمحون بعرض الفيلم في قاعات السينما.

 

 

التحدي

لكن قبل يوم واحد من العرض الأول للفيلم، استدعى الأمن العام أو بالأحرى هيئة الرقابة العاملة في لبنان رنا. فقد أخبروها أن الفيلم لن ينشر إلا إذا تمت إزالة جملة من النص، وهي كالآتي:

“تم سجن بعض الناس في مراكز الاحتجاز في ظل بحثهم عن لقمة العيش، لكنهم قد لا يصلون إلى المحاكمة، وقد ينتهي بهم الأمر في طي النسيان”.

 

كما طالبوا بأن يتم حجب وجوه السجناء، على الرغم من أنه تم الحصول على موافقتهم، كما تم تصوير المقطع بالكامل أمام أعين الجيش. لكن عندما رفضت رنا القيام بذلك، تم منعها من عرض فيلمها الوثائقي. مع العلم أن عديد البلدان في الشرق الأوسط، حيث يعتبر انتقاد الجيش أو حتى معالجة القضايا المحيطة به أمرًا محظورًا.

 

وقالت رنا لموقع ميدل إيست آي: ” إنني بامتثالي لمطالبهم، كنت سأتنازل عن نزاهتي، فالأمر لن يكون مختلفًا عن رمي الفيلم بأكمله في القمامة، لذلك لم أستطع كبح نفسي عن رفض طلبهم.”

 

لم يؤثر الضغط على وسائل الإعلام من المجتمع السينمائي الدولي واللبناني بتاتا على قرار الرقابة. فقد أدان عدد كبير من صانعي الأفلام المحليين من بينهم إليان الراهب وبعض الشخصيات الدولية، مثل كارلو شاتريان، مدير مهرجان لوكارنو السينمائي، قرار الرقابة في سلسلة من الخطابات في نفس الليلة التي كان من المفترض أن يعرض فيها الفيلم في سينما متروبوليس في بيروت.

 

في 23 مارس/آذار، قررت عيد تحميل فيلمها على خادم أجنبي عبر الإنترنت، مما يجعله متاحًا للجميع لمدة ثلاثة أيام، حيث لا يمكن لهيئة الرقابة اللبنانية حذفه. وبحلول تلك الفترة، شاهد أكثر من 5 ألاف شخص فيلم “بانوبتيك”، وهذا ما يجعله من بين المواضيع الأكثر إثارة للجدل في لبنان.

 

 

فيلم وثائقي نادر للغاية

الجانب الأبرز في قصة عيد هو الطابع السينمائي للعمل نفسه.إنه عبارة عن فيلم يعرض تجارب عديدة ولا يعتمد على السرد. يعتبر “بانوبتيك” من أندر الأفلام الوثائقية العربية، إنه فيلم يعتمد على صور إيحائية وأصوات مثيرة للعواطف، إضافة إلى طريقة السرد التأملية وذلك من أجا إنتاج واحدة من أكثر اللوحات وضوحا وأصالة لبيروت في الوقت الحاضر.

 

رانيا العيد بمسرح المتروبوليس ببيروت أين أعلنت ان فيلمها لن يعرض إلا على النت

 

كانت رنا ابنة جنرال متوفى في الجيش. وقد كانت علاقتها مع والدها الدافع وراء إنتاج هذا الفيلم. لقد كانت نقطة البداية التي تستكشف منها الأسس المشبوهة لمؤسسة لبنان العسكرية ما بعد الحرب، و”مجتمع العبيد” الذي تحولت إليه البلاد، وجيل اليوم الذي بات أقرب إلى المنوم مغناطيسيا.

قبل الانتقال إلى صناعة الأفلام، كانت عيد ولا زالت أحد أفضل مهندسي الصوت في لبنان. وتشمل أروعها أفلامًا مثل فيلم “الجبل” لغسان سلهب و فيلم ” النادي اللبناني للصواريخ” لجوانا هادجي توماس وخليل جريج، إضافة إلى “تارامونتاني” لفاتشي بولغوريجان. لكن “بانوبتيك” كان أول فيلم سينمائي لرنا، وهو امتداد لأعمالها السابقة، وهي نقطة انطلاق تحاول فيها ‘فهم واكتشاف هوية بيروت’.

تعبير مجازي

جاءت فكرة الفيلم عندما علمت رنا بسجن العدلية الموجود تحت الأرض وهكذا بدأت في تخيل الأصوات الصادرة منه. بعد أن تم إنشاء موقف للسيارات تحت جسر في العدلية، شرق بيروت، سرعان ما تم تحويله إلى سجن سنة 2000. لا توجد أي علاقة بين السجن والحرب الأهلية التي عصفت بلبنان طيلة 15 سنة بين سنة 1975 و1990، ولكن نسبة لبعض الأقاويل المتضاربة فإن هذا السجن مخصص لحجز للأجانب المتهمين بتهم مختلفة ويقدر عددهم بالمئات.

والجدير بالذكر أن المساجين الموجودين في مركز الاعتقال الذين ظهروا في الفيلم، كانوا من إثيوبيا والفليبين ومصر، وقد تم سجنهم لأسباب مختلفة، وذلك بسبب عدم امتلاكهم لإذن بالعمل أو لهروب إحدى المساعدات المنزلية من مشغلها بسبب سوء المعاملة.

 

مشهد من فيلم “بانوبتيك” في ساحة الشهداء ببيروت، وفي الخلفية يظهر جامع محمد الأمين الذي يعرف أيضا بالجامع الأزرق

 

كما كانت عيد تصارع الحزن على موت والدها، التي لم تتمكن من استيعاب موته منذ ست سنوات. وقالت عيد: “علاقتنا بالمدينة، والمرض والموت والنظام العسكري هي التي كانت سببا في خلق فيلم”بانوبتيك”.

كما كان هدفها الأبرز والأخير هو عرض فيلمها في مسقط رأسها.

تقول رنا: “لقد نجحت في إيصال صوتي وصوت والدي إلى العالم كله، باستثناء بيروت”. وأضافت: “لقد أردت أعرض الفيلم في بيروت لكي يتفاعل الناس معه، لكنني فشلت في تخليد ذكرى وفاة والدي”.

أمنية

كانت رنا واضحة بخصوص عدم ثقتها بالجيش، ومن المفارقات أن والدها لم يغذي مشاعر الحب والإخلاص لديها تجاه الجيش.

وفقاً لعيد، كان التحاق والدها بالجيش في جزء منه محاولة للرد على رفض التأشيرة الأمريكية التي تقدم بها، حيث كان يريد مغادرة لبنان إلى الأبد. ومع ذلك، فهو يعتقد أن الجيش كان يمكن أن يكون له دور مفيد، والتي تتمثل في حماية البلاد من المليشيات.

تبين لرنا أن هذه الفكرة لا تمت للواقع بصلة وهي مجرد أمنية. تقول رنا: “الجيش لم يقم بحمايتنا، فقد انقسم إلى مجموعات خلال الحرب.”

ليس لدى رنا أية هواجس فيما يتعلق بالفكرة التي يملكها العالم عن الجيش، ومع ذلك فهي لا تستطيع أن تفهم السبب وراء تعدد قوى الأمن المختلفة في لبنان في الوقت الذي “لا يوجد فيه نظام قضائي أو عدالة”.

إن تعدد قوات الأمن في لبنان يعود إلى حد كبير لنظام تقاسم السلطة الطائفية القائمة في البلاد، والذي يجب أن يشمل رئيسًا مسيحيًا مارونيًا، ورئيس وزراء سني ورئيس برلمان شيعي.

قالت عيد: “نحن على وشك إصدار عفو عام عن الإسلاميين الذين قيل إنهم قتلوا جنودًا من الجيش، على الرغم من حقيقة أنه لم يتم تقديمهم للمحاكمة.”

وأضافت: ” لماذا يوجد هذا العدد الكبير من قوات الأمن؟ من ماذا هم خائفون تحديدًا؟ فقد حكمت المليشيات البلاد وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. هل ترغب قوات الأمن حقا في تحسين ظروف البلاد، أم أنها تحمي تلك المليشيات؟”

بعد انتهاء الحرب الأهلية سنة 1990، وافق لبنان على إصدار عفو عام عن معظم الجرائم السياسية التي ارتكبت خلال الحرب. فيما تناقش الحكومة عفوًا عامًا آخر قد يصدر قبل الانتخابات العامة الأولى في البلاد منذ تسع سنوات، المقرر إجراؤها في شهر مايو/آيار. في حين تمت الموافقة، فمن المتوقع أن يتم العفو عن عشرات الآلاف من المواطنين اللبنانيين من السنة والشيعة المطلوبين والمحكومين.

 

العدو غير المرئي

ينقسم التصميم البصري للفيلم إلى قسمين: مشاهد باطنية تحت الأرض، والتصوير على حامل ثلاثي القوائم، والاستعراضات الديناميكية على سطح الأرض، وتصويرها عبر كاميرات محمولة، وقد تم استخدام أدوات وتقنيات مختلفة، الأولى تظهر الأجواء المشحونة في مركز الاعتقال والثانية لإظهار الحياة في بيروت.

وقد تم تصوير عدة لقطات من زوايا مختلفة من جسر التحويلة في العدلية، الذي يقع تحتها مركز الاحتجاز. يظهر السجن كعدو لامرئي في القصة، فهو هادئ كهدوء القبور، و متهاوي، ومرعب في نفس الوقت.

 

لقد كانت المباني المهجورة مثل بناية بوريفاج التي كانت مقر للمخابرات السورية من تسعينيات القرن الماضي إلى سنة 2005، أو برج المر الذي كان معروفًا بكونه مخبأ للقناصة خلال الحرب، بمثابة شهود على أهوال الحرب وأثارها. كما تقول رنا في فيلمها: “المدينة تجذرت من الماضي”.

 

صورة لبرج المر مأخوذة من الفيلم

 

أكثر المشاهد التي تمت مناقشتها في الفيلم، هي  المسيرة المؤيدة للجيش، التي قدمتها أوركسترا مدنية، وقد كانت صور الجنرال فرانسوا الحاج الذي اغتيل سنة 2007 دون وجود أية مما يعطي المشاهدين مساحة للتفكير في هذا الكرنفال القومي غير الموجه. تم تصوير هذا المشهد بشكل متعمد عبر أجهزة أيفون ذات جودة سيئة، حيث يتم تشويش الصوت من خلال هتافات تقول: “الجيش هو الوحيد الذي يحكم، الجيش فوق أي شبهات.”

 

وقد قالت عيد: “لقد بدا الأمر مثل احتفاء بالموت. في كل مكان يمكنك رؤية الوجوه الفاشية مليئة بالكراهية. لقد بدا الأمر مثل إنسان آلي صعد للاحتفاء بالجيش، في اليوم السابق للعودة لمخبئهم”.

 

صورة لجسر العدلية ملتقطة من الوثائقي

 

هذه النغمة المساندة للجيش صاحبتها أنغام هادئة لطائفة أثيوبية تقع كنائسها تحت الأرض. ويلاحظ الحضور الدائم للأثيوبيين في هذا الفيلم. وقد حاولت عيد تسليط الضوء على الاستيلاء الثقافي على السود في لبنان، وذلك من خلال مقاطع صامتة تظهر حضورهم في سباقات الماراثون المحلية والجوقات، وبذلك تلمح عيد إلى أن حضورهم هنا يهدف فقط لخدمة الآخرين.

ويشكل الأثيوبيون أكبر جزء من العمال المهاجرين في لبنان. وتظهر البيانات الحكومية أن حوالي 48 ألف أثيوبي دخلوا إلى لبنان بين 2013 و2016، وذلك على الرغم من القرار الذي يمنع المواطنين الأثيوبيين من العمل في هذا البلد منذ 2008.

وتقول عيد: “لقد جلبت انتباهي إلى مراكز الاعتقال فتاة إثيوبية، تعرضت للسجن في إحدى الفترات، ثم بعد ذلك صدمت لرؤية الرياضيين الإثيوبيين يركضون فوق الجسر. لقد اكتشفت أننا خلقنا ثنائية غريبة حول الوجود الأثيوبي في لبنان: الأغلبية الذين تعرضوا للنسيان والسجن ويقبعون تحت الأرض دون محاكمة، والأقلية المحظوظة مثل العدائين السريعين الذين يتم عرضهم أمام الجماهير”.

ولطالما تعرض لبنان ودول الخليج لانتقادات كبيرة، على خلفية معاملتهم للعمالة المنزلية وتطبيق نظام الكفالة، وهو إطار قانوني يسهل استغلال هؤلاء العمال ويحرمهم من الحق في السفر أو تغيير الوظيفة.

 

إنكار الماضي

ويأتي الجزء الأخير من هذا الفيلم مطبوعا بصور الحياة الليلية في بيروت، مثل الأضواء الساطعة واللوحات الإعلانية الضخمة والسيارات المصطفة في الشوارع المزدحمة، والنوادي الليلية ذات الأضواء الخافتة والمليئة بالشباب الذين يتراقصون بكل تحرر مثل الزومبي في حلبة الرقص.

أما الصوت المرافق فهو متعدد الطبقات، وقد تم التقاطه بالتزامن مع التصوير، ولذلك فإنه يخلو من التنسيق، وهو يعكس الطبيعة الغريبة لهذه المدينة. إذ أن الشعور السائد بالخسارة يصعب وصفه، وهو يختلط بانعدام المبالاة، في لقطة تختزل حالة جيل ما بعد الحرب، في بحثه المستمر عن المعنى.

وتقول عيد: “هذا الجيل يعيش حالة إنكار تام للماضي، إذ أنه يرفض الخوض في السياسة، وليست لديه أية رغبة في فهم تعقيداتها. هذا الجيل هو أبناء وبنات أولئك الذين خاضوا الحرب، وأولئك الذين حصلوا على العفو بعد ذلك وعاشوا حياة متحررة من الوهم، وقد مرروا هذا التحرر من الأوهام إلى أبنائهم. وأغلب المراهقين اليوم ليس لديهم أي حس بالانتماء، وكثيرون منهم غادروا البلاد أو وقعوا في شرك المخدرات، وقرروا تجاهل كل شيء”.

أما بالنسبة لهزيمة الرقابة، فإن عيد تعتقد أن الأمن العام لن يتراجع عن قراره، وهي تقول: “لقد تحديتهم بتلك الطريقة التي عرضت بها مركز الاعتقال. لقد تحديتهم مجددا عندما وضعت الفيلم على شبكة الإنترنت، من المؤكد أنهم ندموا على سماحهم لي بالتصوير في ذلك المكان. ولو لم أكن ابنة جنرال لكانوا منعوا الفيلم برمته”.

عرض فيلم “بانوبتيك” في مصر في 28 نيسان /أبريل في إطار الدورة الثانية لأيام القاهرة السينمائية

الكاتب: جوزيف فهيم

ترجمة مجلة ميم للمقال المنشور في موقع ميدل إيست آي البريطاني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.