ثقافة

هستيريا النساء.. من فظاعات التمييز ضد المرأة في القرون الماضية

 

تنادي منظمات الدفاع عن المرأة والجمعيات النسوية بمساواة المرأة بالرجل في العمل والمجتمع وتسعى لتدعيم حقوقها السياسية والفكرية، لكن بالعودة إلى القرون الماضية وتحديدا القرنين الـ18 و19 عشر، لم تكن المرأة تفكر أصلا في هذه الحقوق بقدر ما كانت تحاول البقاء على قيد الحرية فقط..

 

تخيل عزيزي القارئ أن الإفراط في التعليم والتفكير والقلق وأوجاع العادة الشهرية والصداع وضيق التنفس والإغماء والجدل بصوت حاد وعصيان الزوج وحدة الطباع والصرع والنوبات العصبية وغيرها من الأعراض المتنوعة، تندرج كلها تحت مسمى مرض واحد.. هستيريا السيدات!

الإفراط في التعليم.. مرض هستيري

تميز القرنان الثامن عشر والتاسع عشر بمحاولات للنساء في المجتمع اثبات وجودهن ما قوبل بغضب شديد من المجتمع الذكوري آنذاك ودعا للتحرك بسرعة و إعادة النساء الى سجونهن، فكان مرض جنون السيدات أو هستيريا السيدات هو الغطاء الذي احتجزت بسببه آلاف النساء في أمريكا  وأوروبا في مصحات قاسية الظروف، وتم تجريب اغرب وابشع وسائل العلاج على النساء “المريضات”.

 

 

الصعق بالكهرباء و تقييد الايدي والارجل لساعات طويلة في غرف باردة ومظلمة، لمجرد الاعتراض او ابداء اراء مخالفة للمجتمع في ذلك الوقت او حتى لرفض الزواج.

فمثلا الناشطة إيديث لانشستر تم احتجازها في مصحة نفسية لأنها كانت متعلمة زيادة عن اللازم، وفقا لما تم تشخيصها به.

 

 

و فاقمت الثورة الصناعية الأزمة التي عانت منها النساء حينها، فقد تغيرت التركيبة المجتمعية و زادت سطوة الرجال على حساب النساء، فاصبح التحليل المرفق بتشخيص مرض هستيريا النساء ، هو ان النساء لم يتحملن الحياة المتحضرة و اثرت على تركيبتهن النفسية فاصبن باضطرابات مزمنة.

في برنامج الاسبتالية، تقدم الطبيبة ايمان الامام، نبذة عن تاريخ هذا المرض و علاقته بالطب النفسي الحديث، و تبين مقدار الحيف والظلم الواقع على السيدات حينها.

 

 

فلم يكن الطب قد تقدم بصورة كافية، وبناء عليه فان تشخيص امراض مثل الصرع او متلازمة ثنائي القطب او اكتئاب ما بعد الولادة لم تكن مفهومة لدى الاطباء، فقاموا بتجميع كل الاعراض الغريبة عليهم ووضعوها تحت سقف واحد وفي مكان واحد دون تشخيص او تفكير في علاج مناسب.

 

قد تطول فترة احتجاز “المريضة” لسنوات، لا تعرف فيها مصيرها او مصير عائلتها، و طبيعي ان المرضى الحقيقيات لن ينعمن بالشفاء بغياب العلاج بل بالعكس، قد تؤثر حالتهن على السليمات و بمرور الوقت والعزلة و التعذيب المستمر، تخلق تلك “المصحات النفسية” مريضات جدد كل مرة.

لكن المجتمع حينها لم يكن يعنيه ان تعالج المريضة بقدر ما كان يعنيه ابقاؤها بعيدا، رفقة افكارها الغريبة كي لا تفسد التناغم المجتمعي والعقيدة الراسخة التي بني عليها فالخوف من المراة كان هو المحرك والدافع.

 

 

الطبيب جورج ميلر، قدم لعالم الطب “كتالوجا” من 75 صفحة يحتوي على قائمة بأعراض مرض “هستيريا النساء” وقال انه لا تزال هناك أعراض أخرى لم يتناولها بالدراسة بعد.

 

 

لكن مع مرور الوقت، بدأ بعض الأطباء يلاحظون وجود أعراض هستيرية تظهر على الرجال أيضا، وهنا دق ناقوس الخطر، و كان لابد من البحث عميقا في هذا المرض  وعدم الاكتفاء بحجز من يصيبه بعيدا، وظهرت مفاهيم كالصدمات العصبية والفصام والصدمات الناتجة عن سوء المعاملة الجنسية عند الطفولة، و انتهت أسطورة “جنون السيدات ” تماما سنة 1980 عندما وقع شطب مرض “الهستيريا” نفسه من دليل الاضطرابات النفسية والعصبية الطبي.

لقرون من الزمن عانت النساء من مختلف أنواع التمييز العنصري من المجتمع، وحرك الخوف الرجال كي يحجزوا بعيدا قوة هائلة قادرة على البناء والتأسيس

وتطوير المجتمع، ورغم ما حققته المرأة من انجازات لا تزال تعتبر في بعض دول العالم إنسانا درجة ثانية أو حتى اقل ، لذا لا يزال الطريق طويلا نحو الحرية، لكل نساء العالم .

 

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد