مجتمع

عكا فلسطينية الهوى، وإن هوّدوها جهارا نهارا

 

تناقلت مصادر اعلامية، الإثنين 9 مايو 2018، خبر انهيار حائطٌ في بلدة عكا القديمة، التي ترزح تحت الاحتلال الصهيوني، منذ 70 عام، لكنه لم يُخلِّف أية قتلى أو مُصابين.

بيد أن حادث سقوط الحائط، لا يعتبر الأول في تاريخ المدينة المحتلة، فقد سبق أن أعلن عن انهيار مبنى في البلدة القديمة، قائم منذ نحو 300 عام، والذي أسفر عن مقتل خمسة فلسطينيين بينهم زوجين، وإصابة ثلاثة عشر آخرين.

 

 

حوادث الانهيار المتعاقبة، تكشفت اللثام عن سياسات التمييز العنصري واستهداف المعالم الثقافية الأثرية والمساكن والتي تتعرّض لها المدينة ذات الأغلبية العربية من قبل السلطات الصهيونية، التي تُضيّق الخناق على السكّان العرب، القاطنين في الجزء القديم منها، إذ أنها لا تسمحُ لهم بترميم بيوتهم، ولا إجراء أي تعديلات دون استصدار التصاريح اللازمة التي يكاد يكون الحصول عليها أمرا مُستحيلا، وذلك في إطار تفريغ عكّا من سُكّانها الأصليين وتهويد المدينة.

 

طمس الهوية

وقد درجت سلطات الاحتلال الاسرائيلي، على انتهاج سياسة طمس هوية مدينة عكا وتهويدها، منذ النكبة الفلسطينية، أي منذ سنة 1948، حيث تواجه البلدة القديمة مخططات صهيونية مستمرة لتهجير السكان الفلسطينيين، الذين أصبحوا لاجئين، عبر استخدام الترهيب، ومن ثمة تعرض البيوت المهجورة، بمبالغ ضخمة الى المستثمرين اليهود والشركات السياحية الكبرى باعتبار موقعها الاستراتيجي المطل على البحر، ومكانتها التاريخية، التي لم تغفل عنها سلطات الاحتلال، وأعلنتها كجزء من التراث العالمي.

ولم تكتف سلطات الاحتلال الصهيوني، بسياسة التفريغ، بل قامت بعملية تهويد أسماء الشوارع والحارات والساحات في عكا، حيث أطلق  عليها أسماء عبرية، بدل أسمائها العربية، التي ترجع إلى تاريخ تأسيس المدينة.

 

عكا الكنعانية

ويعود تاريخ عكا إلى حضارات ما قبل الميلاد، حيث تعد من أقدم المدن الفلسطينية، جرى تأسيسها في الألفية الثالثة ق.م. على يد إحدى القبائل الكنعانية العربية، التي أطلقت عليها اسم “عكو”، أي الرمل الحار، وجعلت منها مركزاً تجارياً هاماً، وبذلك اعتبرت مفتاح فلسطين بسبب موقعها الاستراتيجي.

وعرفت عكا بصناعة الزجاج والأصبغة الأرجوانية الملوكية، وقد احتلها وحكمها سلسلة طويلة من الغزاة، واشتهرت بصدها نابليون بونابرت عن أسوارها إبان الحملة الفرنسية، والبلدة القديمة هي بمثابة لؤلؤة أثرية وتاريخية، يزورها مئات السياح يومياً ليتمتعوا بسحرها وأجوائها المميزة.  

ويروي المؤرخ الروماني “بلني” المتوفى عام 113م أن هؤلاء القوم هم مستنبطو صناعة الزجاج، بعد أن نزل ملاحو سفينة لهم محملة بنترات البوتاسيوم (القلي) على شواطئها ذات الرمال الناعمة، وجعلوا من كتل البوتاسيوم هذه اثافي يضعون القدر عليها لطهو طعامهم، وأضرموا النار فاختلطت نترات البوتاسيوم هذه بالرمال، فكان الزجاج. كذلك التقطوا من على شواطئها أجود أنواع الموركس الذي استخرجوا منه صباغ الأرجوان.

 

عكا في عيون الرحالة

جمال مدينة عكا وسحرها، انعكس في أدب الرحالة العرب من المغرب والمشرق ومن بلاد الأندلس وقرطبة، حيث قال عنها العالم الجغرافي المغربي، الإدريسي:” مدينة كبيرة واسعة الأرجاء، ولها مرسى حسن، وناسها أخلاط”.

وفي رحلته الى فلسطين سنة 587_581ه، تحدث ابن جبير ، عن عكا قائلا: “قاعدة من الافرنج بالشام ومحط الجواري والمنشآت في البحر كالأعلام…مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمتها بالقسطنطينية، مجمع السفن والرقاق وملتقى تجار المسلمين والنصارى من كل الآفاق”.

فيما ذكرها الأديب والخطاط الرومي، الذي عاش في مدينة بغداد،  ياقوت الحموي، قائلا: “عكا أحسن بلاد الساحل في أيامنا هذه وأعمرها”.

وقال عنها القزويني: “عكا من أحسن بلاد الساحل في أيامنا هذه وأعمرها، وفي الحديث طوبى لمن رأى عكا”.

 

عكا في عيون الشعراء

تغنى بعكا الجميلة المطلة، عديد الشعراء والأدباء، الفلسطينيين، حيث قال الكاتب والأديب، عادل الأسطى، في “عكا 1 30 عام من الغياب”تبدو عكا الجميلة مدينة حزينة. المباني هي هي. والشوارع فارغة من المارة إلا أقلهم”.

فيما قال عنها أديب الشعراء، محمود درويش، التي عاش فيها  السنوات الأولى من شبابه وفيها صدرت أولى أعماله الأدبية والتي قال عنها: “أجمل المدن القديمة، أقدم المدن الجميلة”.

 

وتساءل قائلا:

“لماذا نحاول هذا السفر؟

وكل البلاد مرايا

وكل المرايا حجر.”

 

وغنى لها قصيدة”في البال أغنية”التي غناها الفنان مرسال خليفة.

“في البال أُغنيةٌ يا أُخت، عن بلدي

نامي لأكتبها رأيتُ جسمكِ محمولاً على الزردِ

وكان يرشح ألواناً فقلتُ لهم:

جسمي هناك فسدُّوا ساحة البلدِ

كنَا صغيرين، والأشجار عاليةٌ

وكنتِ أجمل من أُمي ومن بلدي..”.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق