مجتمعغير مصنف

“زيت بوركَّابْ”.. حين بيعت زيوت الطائرات الحربية الأمريكية للمغاربة ليستهلكوها

سعيد غيدَّى – المغرب- مجلة ميم

 

قبل مغادرتها في يوليوز/ تموز من سنة 1959، تركت القوات العسكرية الأمريكية، في قواعدها العسكرية بمناطق مغربية زيتا كان يستخدم لمحركات الطائرات الحربية، ومواد كيميائية سامةأخرى ، تسمى بالفرنسية “TOCP“. بعدها، عثر عليها البعض وباعوها للمغاربة، ممزوجة بزيوت غذائية عادية، تحت اسم “زيت الغزال”، الذي تسبب لاحقا في مأساة إنسانية بعدة مدن مغربية، وكانت مكناس أكثرها تضررا منها.

 

وصل عدد ضحايا الزيوت المسمومة إلى 20 ألف مغربي، بينهم نساء وأطفال، تناولوا الزيت في الأطعمة، بعد أن اقتنوها بثمن كان يبدو لهم بخسا، ظانين بأن الدولة فكرت في القدرة الشرائية للمواطنين، فعمدت إلى تخفيض ثمن الزيت.وبدأت بعد ذلك المأساة الحقيقية، فبالإضافة إلى حالات الناس الذين قضوا حتفهم، أصيب الناجون بالشلل، وصار يطلق على الزيوت المسمومة اسم “زيت بُوركَّابْ” بسبب التلف الذييلحقه بالأطراف كلها.

“بدأت المستشفيات المغربية، على قلتها، تستقبل الكثير من حالات التسمم، التي «حار» الأطباء في رصد أسبابها. لكن التزايد الهائل لهذه الحالات جعل السلطات الصحية تعمّق أبحاثها لتخلُص، في الأخير، إلى أن السبب الحقيقي هو تناول زيوت مسمومة.” يومية المساء المغربية

وضع الأمن يده على المجرمين الذين باعوا هذه الزيوت بالأطنان، ولكن بعد ذلك تم اخلاء سبيلهم، لتبدأ معركة النضال من أجل التعويض على الضرر، وانصاف الضحايا الذين يعدون بمئات الآلاف. وتم تأسيس عدة تنظيمات جمعوية، أبرزها العصبة المغربية لضحايا الزيوت المسمومة.

 

من الوقفات الاحتجاجية للضحايا

 

نشرت الباحثة المتخصصة في التاريخ مديحة صبيوي بحثا في مجلة زمان المغربية سنة 2014 تقول:

“استقرت الإصابات في حدود 10 آلاف حالة حسب الإحصائيات الرسمية، التي تفتقر إلى الدقة بالنظر إلى الطريقة التي أجريت بها، حيث يفترض أن عدد المصابين الحقيقي فاق الرقم المقدم بكثير. وأصيب كل الضحايا في أطرافهم السفلى، بينما لم يعد يستطيع 75 % منهم تحريك أيديهم كذلك. وشُلَّ ما بين 10 % و15 % بصفة كلية.

وأمام هذا الوضع، توجه المسؤولون في الحكومة نحو طلب مساعدة منظمة الصحة العالمية التي لم تتوان عن إرسال طبيبين ذائعي الصيت من جامعة أوكسفورد البريطانية، وصلا إلى المغرب يوم 26 شتنبر، ليباشرا العمل بالتنسيق مع الأطباء المغاربة. وفي إطار بحثهما الميداني بمدينة مكناس، عثر الطبيبان في دكان تاجر يبيع المواد الغذائية بالتقسيط على قنينة زيت مائدة، تُباع تحت العلامة التجارية «Le Cerf» يبدو مظهرها مثيرا للشك، حيث كان لونها أكثر قتامة من زيت الاستهلاك المعتاد، ما جعلهما يرسلان عينة منها إلى المعهد الوطني للصحة بالرباط لتحليلها.

هذه الخطوة بالضبط، كانت هي التي كشفت مسبب الإصابات وماهيتها، حيث أثبتت التحاليل التي أجريت على عدة عينات من الزيت المذكور احتواءه على مادة تستخدم في الصناعات الكيماوية والبلاستيكية، التي يكفي وجود نسبة قليلة منها في أية مادة استهلاكية لجعلها سامة، بل قاتلة في بعض الحالات. وهو ما أكدته رسميا وزارة الصحة العمومية من خلال بلاغ أصدرته يوم 2 أكتوبر، ذكرت فيه أن تسمم مكناس نتج عن استهلاك زيت محلي الصنع يباع تحت العلامتين التجاريتين «الهلال» و(المعروف كذلك بـ »لاروي «).”

 

صورة لإحدى الضحايا

 

لم تقف المأساة عند هذا الحد، بل زادها التعقيد القانوني الذي أرغم الحكومة على إصدار ظهير خاص بالزجر عن الجرائم الماسة بالصحة العامة يوم 29 أكتوبر/ تشرين 1959، أقر عقوبة الإعدام في حق مرتكبي جريمة “زيت بوركَّاب” في فصله الأول، بينما جاء في فصله الثاني أنه «يعاقب على الجرائم المبينة في الفصل الأول ولو سبق اقترافها تاريخ صدور ظهيرنا الشريف هذا».

وإن كان هذا الظهير حل القضية ظاهريا، فإنه خلق مشكلا آخر لا يقل أهمية عن الأول، ذلك أنه نقض مبدأ عدم رجعية القوانين الذي يمنع تطبيق نص قانوني معين على جريمة وقعت قبل إصداره، عملا بمبدأ عدالة الأحكام.

 

بعض الضحايا

 

نجا كل الجناة رغم الأحكام الابتدائية التي توزعت بين السجن والإعدام، وغادروا ردهات المحاكم بعفو ملكي، حسب رواية الضحايا الذين خاضوا وقفات احتجاجية لتسوية ملفهم، فيما تقول روايات أخرى، إن الجناة استفادوا من البراءة بسبب نفوذهم ودفعهم للأموال مقابل ذلك.

وقبل ثمان سنوات، أي في يوم 15 أبريل/ نيسان 2010، بدا وكأن ملف القضية عرف طريقه إلى التسوية أخيراً، وذلك إثر توقيع اتفاقية في اليوم ذاته بين وزير الاقتصاد والمالية صلاح الدين مزوار، ووزيرة الصحة ياسمينة بادو، والوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني وممثل مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لقدماء العسكريين وقدماء المحاربين، عبد الرحمان السباعي، تتعلق بتكليف مؤسسة الحسن الثاني بتدبير منح تعويضات مالية شهرية لضحايا الزيوت المسممة وإنجاز مشاريع بهدف «إدماجهم السوسيو- اقتصادي». حسب الباحثة في التاريخ الراهن مديحة صبيوي.

وجاء في بلاغ لوزارة الاقتصاد والمالية بهذا الخصوص أنه “تم الرفع من قيمة الإعانات الشهرية الممنوحة لهؤلاء الضحايا إلى ألف درهم للضحية، و200 درهم (20 دولار) لكل طفل يقل عمره عن 21 سنة… وتقدر التكلفة السنوية لهذه العملية بحوالي 6 ملايين درهم  (600 ألف دولار)، تمول من رسوم الطابع البريدي الإضافية التي تم تحديدها منذ 1960 في 4 دراهم (نصف دولار)، تُفرض في حالة اقتناء كل عربة جديدة، على أن تتحمل ميزانية الدولة الفارق، كما اتّفِقَ على أن تتكلف المصالح الصحية التابعة لوزارة الصحة والمستشفيات العسكرية بتوفير العلاج المجاني للمرضى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.