ثقافةغير مصنف

“إلى آخر الزمان” ..الحب وسط الأموات

الجزائر/حسام الدين ربيع/مجلة ميم

 

دخلت المخرجة الشابة ياسمين شويخ، إبنة المخرجين الجزائريين المعروفين محمد ويمنية شويخ، عالم الأفلام الروائية الطويلة من بوابة فيلم “إلى أخر الزمان” الذي عرضته في مهرجانات مختلفة داخل وخارج بلادها، منها “مهرجان دبي السينمائي”، حيث كان عرضه الشرفي الأول، ثم مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي ومهرجان مسقط السينمائي بعمان.

 

“إلى آخر الزمان” يعدّ أول تجربة سينمائية في فئة الأفلام الروائية الطويلة لياسمين شويخ. ووسط تشكيك البعض من المحيط السينمائي والإعلامي بالعمل ونجاح المخرجة الشابة شويخ، خالف الفيلم التوقعات وحظي باهتمام كبير من قبل النقاد والإعلاميين والجمهور، لاسيما الجمهور الجزائري الذي تواجد بقوة داخل قاعات العرض.

كما كسبت مخرجته الرهان بدليل الجوائز القيّمة التي حازت عليها، حول التراث الجزائري وتقاليد مجتمعه وطقوس الجزائريين الدينية وعلاقتهم بالزوايا والمعتقدات والاحتفالات التقليدية أو كما يسمى “الزرد” و”الزيارات”‘ إلى الزوايا والأولياء الصالحين. وقد حاكت أحداث القصة داخل مقبرة “سيدي بولقبور” مع رصد نظرة المجتمع للمرأة وللحب وللعلاقات العاطفية.

 

 

مقبرة سيدي بولقبور.. ورحلة البحث عن الحب

“إلى أخر الزمان” فيلم تجري قصته داخل “مقبرة سيدي بولقبور” في إحدى ولايات الغرب الجزائري، حيث تبحث “الجوهر” عن ماضي أختها .. مع أحداث مشوقة ومليئة بالرمزية بإبراز عادات وطقوس زيارة المقابر و”الأولياء الصالحين”.

وفي العمل تنتصر المخرجة على مدار 90 دقيقة، للحب والأمل وتفضح بعض العادات الحاصلة في المجتمع الجزائري، وترصد الواقع كما هو دون تزييف أو تحريف للحقيقة، وتسعى لأن ترسخ فكرة أنّ الأمل موجود وأنّ الحب أساس العلاقات بين الأفراد ولو داخل مقبرة، داخل مكان رهيب، داخل مكان خاص بالموتى.

ينسج “إلى أخر الزمان” خيوط قصة حب بين “علي” (أدى دوره جيلالي بوجمعة) و”جوهر” وعمرها 60 سنة (جميلة عراس) بدأت عندما كانت الجوهر قد قررت يعد وفاة زوجها زيارة قبر شقيقتها، حيث تزامنت زيارتها الأولى مع الاحتفال بـ”وعدة سيدي بولقبور”.

هناك تذكرت ماضي أختها والتقت علي حفار وحارس المقبرة، تعرفت عليه وشيئا فشيئا بدأت العلاقة تتوطد بينهما خاصة وأنّ “جوهر” كانت تقيم بمنزل أختها الراحلة المحاذي للمقبرة وكان “علي” يزورها بين الفينة والأخرى خفية عن أعين الناس.

 

 

علي وجوهر…”العشق الممنوع”

قصة الحب بين جوهر وعلي، ترافقها قصة حب أخرى بين “جلول” صديق علي وأحد حراس المقبرة، و”نسيمة” المتطوعة التي تخدم زوار المقبرة خلال الزيارة الموسمية للترحم على موتاهم، حيث تقام تلك الفترة  “الوعدة”و (الزردة) وهي طقس ديني تحييه بعض الفئات في المجتمع الجزائري.

فحب جلول ونسيمة لم يكن ظاهرا بل كانت توقعه نظرات العيون والابتسامات بين الشخصين.

ولم تكن  العلاقة بين علي وجوهر عادية، بحكم طبيعة المكان ومهنة علي والطلب الغريب الذي طلبته منه جوهر بأن يحضر لها جنازتها عندما تتوفى رغم أنّها لا تزال على قد الحياة.

 

وبعد توالي الأيام تطورت العلاقة بينهما، أكثر حتى تقدم علي وطلب يد جوهر، والأخيرة رفضت وفاجأته، وكأن حبهما لا يمكن أن يتحول إلى زواج.

لا يجد علي حلا آخرا سوى مغادر المكان الذي عاش فيه لمدة طويلة من الزمن، وهمّ بذلك على متن شاحنة كتب في فيها “إلى الزمان”، وكأن المخرجة تود القول أنّه ذاهب إلى مكان حيث لا احد، إلى عالم لا يشبه عالمنا، إلى فضاء لا بشر فيه… فكانت النهاية حزينة غطّاها زواج “جلول” و”نسيمة” داخل المقبرة بطقوس احتفالية جميلة وعرس كسر حاجز الصمت والخوف ورهبة المكان: “المقبرة”.

 

 

شويخ تفضح النفاق الإجتماعي

وسلطت ياسمين شويخ الضوء في فيلمها بصورة ساخرة على وضعية المرأة في مجتمع متعصب، مجتمع  يحتقر المرأة من خلال ممارسات عنف جسدي ولفظي واعتقادات خاطئة تجاه المرأة التي تبحث عن التحرر أو تحاول على الأقل العيش بكرامة، وبذلك تفضح شويخ بعض الممارسات السلبية منها الرافضة للحب والعلاقات العاطفية ولحرية المرأة ذاتها بحجج كثرة منها الدينية والتقاليد، وكذا المجتمع المحافظ.

وعبرت المخرجة عن قصة الفيلم بقولها في مقدمته قائلة: ” إلى أخر الزمان مصب تتجمع فيه الآراء، مشاكل جمّة، أحاسيس وأسئلة كثيرة تنتابني، تيار من الطاقات المتناقضة اين تصطدم شكوكي ويقيني”.

وتضيف شويخ: “شكوك غذّتها التغيرات والاضطرابات والتشنجات التي يشهدها العالمان العربي والغربي، عالم يسير على نفس الوتيرة، وسائل إعلام من جهة، الأحداث المتتالية من جهة أخرى، الحقيقة أصبحت أسيرة تصدير باهض للخوف”.

 

 

وتابعت: “شكوك أيضا حول اختيار القصة لسرد الوقائع المرّة التي تنغص حياتنا اليومية بتمزيق قولبنا وإعاقة خيالنا، ووسط هذه الشكوك، حقيقة تؤمن بوجود قصة وكل قصة مهما كانت أهيمتها بتوجب حكايتها حتى لو كانت لأناس مجهولين لا تأثير لحياتهم في هذا العالم”. وأكدّت أنّ “هذا الإعصار كما وصفته دفعها لكتابة قصة “حفار القبور”. وأوضحت أنّها أرادت الحديث عن حب نابع من داخل مقبرة، قصة حب بطلاها عجوزين في العقد السابع من العمر لا ينتظران شيئا من الحياة وما بقي لهمها سوى انتظار غصّة الموت.

وتأسفت في معرض حديثها لكون المجتمع تطغى عليه الظلامية فلا وجود للحياة أو الحب بالنسبة إليه، مجتمع ماتت فيه العاطفة وتجمدت فيه الأحاسيس والمشاعر، وتعتبر فيه الشيخوخة رمزا للحكمة والنضج وإسداء الرأي وفقط.

على الصعيد التقني والفني، جاءت قصة “إلى أخر الزمان” في ديكور طبيعي جميل، إضاءة واضحة وتصوير (شكل التصوير 2 ك) وصوت عاليا الدقة أبدع فيهما كل من شمس الدين توزان وحميد بوزيان.

 

 

“إلى أخر الزمان” يسوق لطبيعة الجزائر الخلابة

وتمكنت ياسمين شويخ رغم فضحها لبعض الصور السلبية في المجتمع الجزائري، من تسويق صورة الجزائر، حيث منحت مساحة كبيرة للمناظر الطبيعية الخلابة المنوعة بين شواطئ البحر في الغرب الجزائري والجبال والريف الذي احتضن القصة.

والجدير بالذكر أنّ هذا الفيلم حصل على جائزة أفضل فيلم روائي طويل “الخنجر الذهبي” بسلطنة عمان والجائزة الكبرى بمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي (العناب الذهبي) وحصلت الممثل جيلالي بوجمعة على جائزة أحن ممثل في مهرجان مسقط السينمائي عن دوره في العمل ذاته، وجميلة عراس افتكت دور أحسن ممثلة في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي.

وأدى بطولة الفيلم كل من جيلالي بوجمعة، جميلة عارس، محمد تيكيرات، إيمان نوال، محمد بن كرني، مهدي مولاي.

 

كادر تعريفي

وياسيمن شويخ من مواليد 1982 بالعاصمة الجزائر، ترعرعت بين أحضان عائلة فنية تعشق الفن السابع، درست علم النفس الذي ساعدها كثيرا وفتح لها أفاقا في السينما، الشيء الذي جعلها على دراية بشخصية الإنسان وفهمها قبل أن تجسدها على أرض الواقع من خلال “الكاميرا”.

واقتحمت شويخ عالم السينما في سن مبكرة، حيث بدأت مشوارها كممثلة وهي لم تتجاوز الخمس سنواتـ وكان ذلك في فيلم “القلعة” للمخرج محمد شويخ (والدها) سنة 1987، وبعد هذه التجربة واصلت مشوارها بأدائها في الفيلم التلفزيوني لجمال بن ددوش سنة 1990 ثم فيلم “دوار النسا” لمحمد شويخ سنة 2004.

وفي رصيد المخرجة ياسمين شويخ فيلمين قصيرين “الباب” (2006) و”الجن” (2010) وكذا سلسلة تلفزيونية بثت سنة 2015 من طرف التلفزيون الجزائري.

والفيلم من إنتاج وزارة الثقافة الجزائرية (المركز الجزائري لتطوير السينما)، “ومؤسسة “مايكنيغ أوف” وبدعم من المعهد الثقافي الفرنسي بالجزائر و”دبي فيلم ماركت”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد