مجتمع

قطاع النقل في الجزائر.. مخططات هشّة ومعاناة المواطن مستمرة

حسام الدين ربيع- الجزائر- مجلة ميم

قد تتملص من سائق أجرة، لألاّ تدفع أكثر له، بسبب عدم اعتماده على التسعيرة المحددة من طرف وزارة النقل لسائقي الأجرة، ويحدث أن تدفع له مبلغا خياليا لينقلك من نقطة إلى نقطة بينهما مسافة قصيرة جدا.. فكل شيء وارد في الجزائر مع سائقي الطاكسي، ولكن مع سائقي النقل العمومي، الدفع يبدو قليلا عند البعض غير أنّ الراكب يعيش كابوسا حقيقيا، ولو في رحلة قصيرة.

واقع النقل العمومي في الجزائر، ليس بخير منذ تسعينيات أو ثمانينيات وسبعينيات القرن الماضي، فمستقل حافلات النقل، يعيش يوميا كوابيس ومشاكل كثيرة انجرت عنها أمراض نفسية وأحيانا جسدية.

معاناة متواصلة رغم الحلول

ورغم الحلول التي اعتمدتها السلطات العمومية ومخططات التسيير والتهيئة الحضرية على مستوى النقل، يبقى الجزائريون يعانون في التنقل من مكان إلى مكان آخر، سواء داخل الحافلات لاهتراء نسب كبيرة منها، ولغلاء التنقل في سيارات الأجرة، ولكثرة الازدحام المروري الذي يخنق المدن الكبرى كالعاصمة الجزائر ووهران وعنابة وقسنطينة، وغيرها.

وتعاقبت الحكومات في الجزائر ومشكل النقل العمومي واحد رغم محاولات تهيئة جديدة بمخططات واعدة، إلا أنّ مشاريع الحكومة تبقى بدون رؤية بعيدة المدى سواء على مستوى النقل بالحافلات بين المدن أو حافلات نقل المسافرين في المناطق الحضرية أو بين الأرياف أو بالسكك الحديدية أو بـ”الترامواي” (القطار الكهربائي) و”الميترو” اللذين دخلا حديثا إلى الجزائر، أو النقل البحري الذي لا يزال متأخرا جدا أو يكاد لم ينطلق بعد بين المدن الساحلية.

على صعيد النقل بالحافلات تشهد مختلف المدن الجزائرية، لاسيما الولايات الكبرى، فوضى عارمة، فمثلا في العاصمة لكي تتنقل من منطقة إلى أخرى ستستغرق وقتا طويلا، لكثرة الازدحام المروري وبسبب حافلات تجاوزها الزمن، ولكنّها لا تزال حيزّ الخدمة، فضلا عن شبكات الطرقات التي يعود عمرها لقرابة القرن، فلم تعد تستوعب الكم الكبير من السيارات والحافلات والشاحنات.

 

الميترو والترامواي لفك الاختناق المروري

وفيما يتعلق بالنقل بالسكك الحديدة، تظل الخطوط الحالية داخل العاصمة أو بين الولايات غير كافية رغم استحداث أخرى جديدة وتدعيمها بقطارات سريعة صنعت في الخارج، إضافة إلى الأعطاب المختلفة التي تلاحقها والتي غالبا ما تتسبب في شلّ حركة القطارات لمدة طويلة.

ميترو الأنفاق بالعاصمة، دخل حيز الخدمة في العام 2012 وهو مشروع يعود تاريخه إلى سنة 1970 في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، وخطط له لمواجهة تنامي السكان ومواكبة متطلبات النقل الجماعي الحضري بالعاصمة، فكانت الانطلاقة في 1980 ولكن المشروع توقف بسبب العشرية الحمراء التي شهدتها البلاد، ليعاد بعثه في 2003.

 

 

ورغم وجود “الميترو” والقطار الكهربائي، لم تستطع السلطات فك الاختناق المروري وتخفيف الضغط على شبكة الطرقات البرية وسط تزايد النمو الديمغرافي بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، بحيث يقدّر عدد سكان الجزائر حاليا أزيد من 40 مليون نسمة.

وعلى صعيد النقل الجوي، تسيطر شركة الجوية الجزائرية (عمومية) على الساحة الوطنية، بالإضافة إلى شركات طيران خاصة كالطاسيلي وإيغل أزير، غير أنّ واقع القطاع يندى له الجبين، نظرا لتردّي الخدمات والمتأخرات التي تطال الرحلات والإضرابات التي يشهدها القطاع بين الفينة والأخرى، ما أثر في سمعة الطيران الجزائري وعدم تطوره وتحقيق منافسة الطيران الأجنبي، فضلا عن الحوادث المتكررة التي تتعرض لها طائرات الجوية الجزائرية وطيران الشركات الخاصة.

 

النقل رهان اقتصادي

وخلصت دراسة نشرتها المجلة الجزائرية للتنمية الاقتصادية بجامعة قاصدي مرباح (ورقلة)، في جوان 2017 إلى أنّه يستوجب على الحكومة الجزائرية أن تعكف على دراسة مختلف الآثار الإيجابية بالتعاون مع الخبراء والمختصين في شؤون قطاع النقل من أجل وضع إستراتجية خاصة بهذا القطاع لتعظيم الاستفادة من هذا القطاع للاقتصاد الوطني.

وأشارت الدراسة إلى أنّه “بالنظر إلى تحديات الاقتصاد الجزائري، هناك ضرورة لأن تنوّع الجزائر من اقتصادها لتخفض من اعتمادها علـى النفط وتحقق تنمية مستدامة، ولبلوغ هذا الهدف، لابد من تطوير قطاع النقل وكذلك الصناعات المرتبطة بـه”، فضلا عن وجوب مواصلة تحسين المنشآت والطاقات الوطنية مع الحرص على تطوير كافة مناطق البلاد.

وذكرت الدراسة أنّ الدولة خصصت ميزانية قدرها 40 مليار دولار لقطاع النقل في الفتـرة الممتـدة مـن 2010 إلى 2014 من أجل: تحديث وتوسيع السكك الحديدية (30 مليار دولار)؛ وتحسين النقل الحضري سيما تحقيق إنجاز مشروع الترام واي عبر 14 مدينة؛ وتحديث القطاع الجوي. بحيث تقدر عدد المشاريع المسجلة لدى الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار للفترة 2002 – 2012 بحـوالي 28757.

 

 

جهود لتطوير القطاع

وإلى جانب ذلك، تعتزم الحكومة الجزائرية تطوير القطاع رغم التحديثات التي مسته في السنوات الأخيرة، بشراء قطارات بمقاييس عالمية وتشغيل خطوط بحرية في العاصمة وبين الولايات الساحلية، أو بفتح خطوط جديدة لـ”الترام واي” في ولايات مثل وهران وقسنطينة وسيدي بلعباس وسطيف وورقلة، وغيرها.

وقال المدير العام للنقل، الجزائري مراد خوخي، في تصريح صحفي في وقت سابق، إن الديناميكية التي يشهدها مجال النقل واللوجستيك دليل على عزم الحكومة ورغبتها في تطوير وتحديث هذا القطاع.

وأوضح المتحدث أنّ وزارة النقل عاكفة على تطوير النقل العمومي للدور الكبير الذي يلعبه في النهوض بالمنظومة الاقتصادية والوصول إلى الأهداف المسطّرة، من خلال تقليص فاتورة التكاليف وربح الوقت الكافي في ميدان نقل السلع والبضائع.

 

مرتبة النقل العمومي بالجزائر في العالم

وكانت دراسة صادرة عن “البنك العالمي والمنتدى الاقتصادي العالمي” صدرت في 2015، أكدّت أن النقل العمومي في الجزائر يبقى من بين الأضعف في المنطقة. ولفتت الدراسة إلى أنّ الفوضى تسود القطاع منذ تحريره ولا يستجيب لتطلعات السكان وحاجياتهم، خاصة في المدن الكبرى.

وأوضحت الدراسة أنّ القطاع يواجه تحديات كبيرة بدءا بالنقل العمومي والنقل الجوي والبحري، وكذا النقل بالسكك الحديدية. واعتبر التقرير أنّ نوعية النقل والخدمات المقدمة غير إيجابية، وأن مدة التنقل العمومي بالنسبة إلى الفرد الجزائري تصل إلى متوسط 80 دقيقة في اليوم، وغالبا ما تمتد إلى أكثـر من ذلك رغم قصر المسافات التي تتراوح بين 4 إلى 15 كلم، إذ يمكن لمستخدم النقل العمومي أن يقضي ما بين 45 دقيقة إلى 80 دقيقة كمتوسط، في محور لا يتعدّى 15 كلم.

وسمحت استثمارات الحكومة في مجال النقل بتوسيع الشبكة الوطنية للطرقات من 104.000 كم في 1999 إلى 126.900 كم نهاية 2017، وبتوسيع طول الطرق السريعة والسيارة من 637 كم في 1999 إلى 5.700 كم نهاية 2017، بينما ارتفع عدد المنشآت الفنية للطرق من 3.600 منشأة إلى 10.563 منشأة في  الفترة نفسها، بحسب ما كشف وزير النقل والأشغال العمومية عبد الغني زعلان، منتصف شهر مارس الماضي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.