ثقافةغير مصنف

الجنـــــــــــــــــــون الفصل المجهول في حياة مي زيادة

سلسلة الأدب النسائي

 

“هنا ترقد نابغة الشرق، زعيمة أديبات العرب، المثل الأعلى للآداب والاجتماع،  المرحومة “مي زيادة” دفنت فى 20 أكتوبر 1941صلوا لأجلها“.

كتبت هذه الجملة القصيرة على شاهد قبر الأديبة الراحلة مي زيادة بمقبرة الطائفة المارونية بمصر القديمة، ربّما تناسى كاتبها أن يذكر أنّها الكاتبة السيئة الحظ والتي اتهمها أهلها بالجنون لسرقة ممتلكاتها كما تنكر لها الأدباء والشعراء ضيوف صالونها الأدبي الشعري ولم يمش في جنازتها سوى بضعة  أنفار فقط.

خمس وخمسون عاما هي حياة الكاتبة مي زيادة ( 1886-1941)، حياة امتزجت فصولها بالتفوّق والتألق وبالوحدة ونكران الجميل، واتهامها بالجنون والموت وحيدة في عصر شهد نجاحاتها وانجازاتها في مجال الأدب والتي شغلت أشهر كتاب وشعراء ذلك العصر.

ولدت مي زيادة أو ماري إلياس زيادة اسمها الحقيقي بالناصرة سنة 1886، تعلمت بين فلسطين ولبنان ثم انتقلت مع عائلتها إلى القاهرة سنة 1907 ، أتقنت مي اللغة الفرنسية والانجليزية والألمانية والاسبانية والإيطالية إلى جانب اللغة العربية، وهو ما جعلها الكاتبة الأكثر شهرة في العالم الغربي.

 

 

لا يكفي أن تكوني امرأة ناجحة وكاتبة متألقة تتقن عديد اللغات، طالما أنّك أنثى في مجتمعات مازالت تتعامل مع المرأة على أنّها أقلّ درجة وأنّها تابع خاضع لقبيلة الذكور، هكذا يمكننا أن نستخلص الدرس الأوّل من حياة نابغة الشرق ” مي زيادة “.

عندما نتحدث عن مي زيادة فإننا عن غير قصد نستذكر جبران خليل جبران ورسائلهما الممتدة على مدى 19 عاما، ربّما نحن نهتم عن وغير وعي بأخبار العشق والغرام أكثر من قصص الظلم والخيبات في حياة النساء، الحبّ لم يكن مطمح مي زيادة التي عشقت حاضرا في حضرة الغياب، لقد كانت مسيرتها أهمّ بكثير من أن تختزل في قصة عشق ورسائل تبادلتها مع كبار الكتاب والأدباء.

 

 

لم تكن حياة مي زيادة إلا نموذجا حقيقيا على اضطهاد النساء في مجتمعاتنا مهما اختلفت فيها أدياننا، مي المسيحية ما هي إلا امرأة عربية تجرعت ظلم الرجال لتموت مقهورة ووحيدة.

 

جبران خليل جبران

 

تعود حكاية القهر الذكوري إلى اتهامها بالجنون سنة1936 من طرف أبناء عمومتها الذين سرقوا فيما بعد ممتلكاتها القيّمة ” مجلدات نادرة ”  كانت ميّ ترغب في إهداء بعضها إلى مكتبات لبنان والقاهرة إلى جانب بعض الممتلكات التي تركها لها والدها الصحفي إلياس زيادة، الأمر الذي انتفض ضدّه ذكور العائلة ” هذا جنون لا يمكن أن نسمح به ” لتدخل فيما مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية بلبنان وقضت فيه قرابة السنة،  أشهر قليلة اكتشفت فيها مي زيف مقولات تحرير المرأة.

 

 

لقد كانت مي زيادة امرأة حقيقية جدّا امرأة من لحم وعظم، ومقاومة وكبرياء، إنّي لا أبالغ هنا وأنا أتحدث عن كاتبة شغلت الناس إلى يومنا هذا، لقد اكتشفت مي عن تجربة ذاتية أنّ مجتمعها مجتمع الذكور بامتياز وهي التي حاولت أن تؤنثه ولو قليلا من خلال تأسيسها لصالونها الأدبي سنة 1913 والذي استمر إلى أواخر  الثلاثينات من القرن الماضي، هو عصر الرجال حقّا وهم الذين تخلوا عنها لتترك وحيدة فريسة الظلم والوحدة والجنون، طه حسين ومحمود عباس العقاد وأحمد شوقي وآخرون الذين شكلوا رموز النهضة العربية، هذه النهضة التي أقصت امرأة متفردة من مسارها لتعزل بين جدران العصفورية.

 

 

بعد خروجها من مستشفى العصفورية سنة 1937 وعودتها إلى القاهرة سنة 1939 وجدت مي زيادة أنّ مجلداتها قد سرقت وأنّ أبناء عمومتها قد سلموا شقة والدها إلى المالك، لم يتبق لها سوى الذكريات والكرامة التي حافظت عليها مي بشدّة، لقد رحلت مي بسهولة دون مقاومة لم يتركوا لها شيئا تقاوم من أجله، لقد تركها الأصدقاء وغدر بها أبناء العمومة لتذهب إلى الموت واثقة الخطى.

 

 

 

ربّما هي أشياء يعجز عقل مي زيادة أن يستوعبها  لقد كانت حياتها بمعزل عن مخالب الدهر ونوائبه أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي، ودراساتي وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة المثالية التي حييتها جعلتني أجهل ما في البشر من دسائس”، لقد خاب أملها وهي التي كانت تنضح أملا لقد ماتت مي معنويا قبل أن يفتك بها الموت الكبير.

 لم تتخيّل مي زيادة أن تكون فريسة سهلة للزمن ومصائبه لقد تعالت بالثقافة عن الواقع، كانت تؤمن أنّ دور المرأة لا يقلّ أهمية عن دور الرجل  في مسيرة التحرر والإنعتاق من أتون الجهل والتخلف لتكتشف  فيما بعد زيف دعاة الحداثة والتحرر من جنس الذكور،الذين لم يروا فيها سوى ديكورا جميلا يضفي السعادة والانشراح على مجالسهم رغم أنّها تفوقت على الكثيرين علما وثقافة ولكن هذا لا يكفي طالما أنّها من جنس الإناث.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.