مجتمعسياسة

محمد علي الحامي.. مؤسس أول تنظيم نقابي مستقل في تونس والمنطقة العربية

ابن الحامة، النقابي الذي أثار هلع السلطات الفرنسية

 

كانت تحركات عمال الموانئ بداية لمسيرة جديدة في حياة محمد علي الحامي ونقطة انطلاق مفصلية في تاريخ العمل النقابي في تونس، ليبدأ بذلك تاريخ جديد بإعلان الحامي تأسيس جامعة عموم العملة التونسيين كأول منظمة نقابية في تونس والوطن العربي.

 

فبتشجيع من الحامي وتطبيقا لأفكاره الثورية، قرر عمال ميناء العاصمة تونس الإضراب عن العمل في أوت/أغسطس 1924 مطالبين برفع أجورهم، فأثار الإضراب هلعاً كبيرا لدى السلطات الاستعمارية التي لم تتعوّد مثل هذه التحركات العمالية لدى التونسيين.

أول منظمة نقابية في تونس

وتفشت عدوى الإضرابات نحو بقية موانئ البلاد فشكّل ذلك نقطة تحول في مسيرة الحامي دفعته إلى تأسيس منظمة نقابية مع رفيقه وابن قريته، الطاهر الحداد، واختار لها اسم “جامعة عموم العملة التونسيين”.

وجد محمد علي الحامي في ابن بلدته الطاهر الحداد خير رفيق في رحلة التأسيس والنضال.  وجمعت جامعة عموم العملة التونسيين عددا من العناصر الوطنية كالمختار العياري واحمد توفيق المدني واحمد ميلاد، أصدروا بيانا أعلنوا فيه أن جامعة عموم العملة مفتوحة لكل العمال في تونس، واتهموا النقابات الفرنسية بتهميش مطالب العمال التونسيين وقضاياهم.

هكذا تشكّل أول تنظيم نقابي مستقل في تونس والمنطقة العربية.

 

 

ولد محمد بن علي بن المختار الغفّاري (الحامّي)، بالقصر من حامة قابس جنوب شرقي البلاد، مسقط رأس الطاهر الحدّاد رفيقه في النضال النقابي، في أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر وعلى أكثر تقدير سنة 1890.

وبحسب مجموعة وثائق من الأرشيف الفرنسي والشهادات التي خصّت بالذكر جوانب من حياة هذا الزّعيم النّقابي ونضاله، أنّه رائد الكفاح الاجتماعي الوطني.

 

مدينة الحامة منبت ثلة من الزعماء الوطنيين التونسيين من بينهم محمد علي الحامي

مساندة الدستوريين

تحدث عنه رفيق دربه الطاهر الحداد في كتابه ” العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية فقال

“جاء محمد علي من برلين أوائل مارس 1924، ولئن كنا نعرف وطنيته من قبل، إذ كان في أول شبابه عاملا مجدا لأهله في تونس وكيف عمل الدهر عمله في تحوله وتطويره حتى جاء رجلا مفكرا مريدا، وإحسانه التكلم بأشهر اللغات الأوربية والتركية والعربية، كان شديد التأثر بمظاهر البؤس والفاقة وكثيرا ما كان يردد مشاهد الجوع التي رآها في جهات الجنوب التونسي، وسير قوافل سكان البادية بجوعها ووحشة منظرها إلى المدن القريبة منها عساها تجد القوت إما عن عمل أو إحسان.”

الطاهر الحداد

 

 

وبدأت فكرة بعث منظمة عمّالية مستقلّة عن اتحاد النقابات الفرنسي تشقّ طريقها في أوساط العمّال التونسيّين، وشرع محمد علي في تشكيل هيئات نقابية تونسية منتخبة، وحصل على مساندة بعض الدستوريّين وبالأخصّ أحمد توفيق المدني الذي نصحه بأن تكون هذه المنظّمة مستقلّة عن الأحزاب السياسية.

 

كان شديد التأثر بمظاهر البؤس والفاقة وكثيرا ما كان يردد مشاهد الجوع التي رآها في جهات الجنوب التونسي، وسير قوافل سكان البادية بجوعها ووحشة منظرها إلى المدن القريبة منها عساها تجد القوت إما عن عمل أو إحسان

الطاهر الحداد متحدثا عن رفيقه وابن بلدته

حرب طرابلس واكتمال المشروع الاستعماري

وكان هناك حدثان مهمان أثرا بالغ التأثير في مسار محمد علي الحامي حياته المهني والاجتماعي: اكتمال المشروع الاستعماري الرامي إلى استغلال خيرات البلاد الفلاحية والمنجمية في عهد المقيمين العامين، ستيفين بوشون وغابريال الابوتيت، والحرب الطرابلسية سنة 1911 إثر الغزو الإيطالي وصُمُود المجاهدين الليبيين وتضامُن التونسيين معهم من جهة أخرى.

كان الهاجس الإجتماعي في صلب النضال الذي خاضته الحركة الاجتماعية التي أسسها محمد علي الحامي، نظرا للميز العنصري الذي كان مسلّطا على العملة من الأهالي (الفارق في الأجور وظروف العمل) وغطرسة رأس المال الأجنبي الذي استغلّ اليد العاملة التونسية بلا حدّ وغلاء المعيشة الذي عصف بضعاف الحال في صائفة 1924.

 

تمثال محمد علي الحامي في مسقط رأسه في الحامة

 

ويشهد أحمد توفيق المدني، عضو اللجنة التنفيذيّة للحزب الحرّ الدستوري التونسي، المسؤول عن “القلم العربي” أن محمد علي كان يُحدّثه “في الاقتصاد والعمّال، والحركات الاجتماعيّة، ووجوب تحرير الفرد من ربقة المؤسسات. وتلك مواضيع لم تكن، ضمن دائرة أعمال (الحزب) وما اشتغل قبل ذلك بقضيّة العمّال باعتبارها قضيّة خاصّة”.

في فيفري/فبراير 1925، اعتقلت السلطات الفرنسية محمد علي الحامي ورفاقه وقدمتهم للمحاكمة بتهمة التآمر على أمن الدولة، وبعد إيقافهم أكثر من تسعة أشهر، قررت المحكمة الفرنسية في نوفمبر 1925 نفي الحامي خارج البلاد عشر سنوات.

وغادر الزعيم الوطني تونس نحو إيطاليا ثم تركيا فمصر فطنجة (المغرب)، ليستقر أخيراً في الحجاز ويعمل في الترجمة، قبل تأسيس شركة لنقل المسافرين بالسيارات، وفي شهر ماي/مايو 1928 لقي حتفه في حادث سير.

 

وإن كانت هذه هي الرواية السائدة لوفاة الحامي، فإن أحمد ميلاد، أحد رفاقه وشركائه في تأسيس التنظيم النقابي، يقدم لنا رواية أخرى، ذكرها المؤخ التونسي أحمد خالد مؤلف كتاب “محمد علي الحامي، رائد الحركة النقابية بتونس”، إذ يقول :

“سنة 1926 قصد محمد علي طنجة بالمغرب الأقصى عبر جبل طارق بنيّة الالتحاق بالمجاهد عبد الكريم الخطابي في حرب الريف ضد إسبانيا وفرنسا، فقُبض عليه عند وصوله يوم 25 فبراير 1926، وتم ترحيله إلى مرسيليا الفرنسية… فتسلل إلى الباخرة Chambord المبحرة إلى مصر تاركاً جواز سفره في مرسيليا.

وتشير وثيقة وفاته المسجلة بمرسيليا بتاريخ 26 مارس 1926 أن محمد علي مات في قناة السويس على متن تلك الباخرة يوم 13 مارس. لكن نفس الوثيقة التي حررها قائد السفينة نسبت محمد علي إلى عدن باليمن، واعتبرته مجهول الهوية ويفترض أحمد ميلاد أن قائد السفينة تخلص من جثة محمد علي الحامي بإلقائها في القناة حتى لا يعود بها إلى مرسيليا”.

بغض النظر عن تفاصيل وفاة الحامي، لا يختلف اثنان عن الدور المحوري الذي لعبه في مسار النضالي للحركة الوطنية وبلورتها ودفعها نحو الإلتصاق بمشاغل الناس وهمومهم ومشاكلهم،  وإخراجها من دائرة الشعارات والخطابيات والنخب الضيقة إلى سعة جماهير الشعب، نافخا فيها من روحه الثورية وحسه الإجتماعي المرهف.

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.