مجتمع

عمالة الحضائر في تونس.. حل تشغيلي هش يخنق موازنات الدولة

 

تعود جذور آلية العمل بالمناولة او عمال الحضائر الوقتية إلى ما قبل الاستقلال، حيث كانت حلا اعتمده المستعمر لتشغيل يد عاملة غير نوعية بأعداد كبيرة، خاصة في القطاعين الفلاحي والصناعي، دون تكبد دفع أجور قانونية أو حقوق للعمال.

بعد الاستقلال واصلت الدولة المستقلة مناهج الاستعمار خاصة في مواطن الشغل الهش، فتم تركيز آلية المناولة كمورد شغل يستوعب آلافا من العمال بنفس الظروف السابقة.

لكن ما بدا حينها حلا مؤقتا لتوفير موارد رزق لشريحة كبيرة من العمال من الأميين أو أنصاف المتعلمين بأجور تناسبت آنيا مع الوضع الاقتصادي  لدولة لازالت تشق طريقها بصعوبة لإرساء اقتصاد وطني، تحول على مر العقود إلى كابوس يهدد بخنق طبقة العمال وينبئ بكارثة اقتصادية وشيكة.

 

المأزق

حاولت الدولة قبل ثورة 114 جانفي 2011، وتحديدا سنة 2008، تمكين عمال الحضائر من التغطية الاجتماعية لامتصاص الاحتقان الاجتماعي الذي بدأ يتصاعد، فتم تمكينهم من الأجر الأدنى الصناعي المضمون، وهو 252 دينارا شهريا ( نظام 48 ساعة عمل في الأسبوع)، مع تغطية اجتماعية تضمن لهم منحة شيخوخة تصرف بعد التقاعد الذي حدد بسن 65 سنة.

لكن هذا الحل الترقيعي لم يكن كافيا، فبعد سنة 2001، تحول ملف عمال الحظائر الى الخانة الحمراء واصبحت الاحتجاجات المتواصلة تطالب بالتسوية في الاجور وضمان كل الحقوق الاجتماعية للعمال، الذين ناهز عددهم سنة 2011،  125 ألف عامل نتيجة توسيع آلية التشغيل لتشمل أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل.

في دراسة أصدرها سنة 2016، قدم المنتدى الاقتصادي والاجتماعي قراءة شاملة في وضعية عمال الحظائر و تأثير اعتماد هذا الحل التشغيلي الهش على ميزانية الدولة التونسية، من ذلك ان  المبالغ المخصصة للمنح المسندة لعمال الحضائر بنفس النسق ارتفعت من 82 مليون دينارا سنة 2010 إلى  حوالي 260 مليون دينارا سنة 2014 أي أنها تضاعفت أكثر من ثلاث مرات بعد الثورة.

ساهم إهمال تحيين الوضعية الاقتصادية لملف عمال الحضائر في مفاقمة النتائج المترتبة عنه و تحول الى مأزق يؤرق الحكومات المتعاقبة على تونس بعد الثورة، وتضافرت أسباب عديدة لدفع هذا الملف إلى المنطقة الساخنة.

 

 ارتفعت المبالغ المخصصة للمنح المسندة لعمال الحضائر من 82 مليون دينارا سنة 2010 إلى  حوالي 260 مليون دينارا سنة 2014 أي أنها تضاعفت أكثر من ثلاث مرات بعد الثورة

تكلفة مرتفعة وإنتاجية محدودة

يتوزع عمال الحضائر بنسب كبيرة في مجالات البستنة والحراسة والتنظيف والصيانة، وهي مجالات تستوعب أكثر من 65% من اليد العاملة، لكن دون إنتاجية تذكر، نظرا لكونها تدخل في قطاع الخدمات وتتحمل الدولة تكاليف خلاص الأجور في المؤسسات العمومية الراجعة لها بالنظر بكتلة أجور وصلت ل260 مليون دينار سنة 2014، ل100 الف عامل وهو عبئ مالي أثقل كاهل ميزانية الدولة كل سنة التي تعاني أصلا من كتلة أجور مرتفعة.

وزاد المشكلة عمقا استعمال هذه الآلية كوسيلة لتخفيض الضغط و الطلب على مواطن الشغل، فاستوعب آلاف المعطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا الذين تم تكديسهم دون ترتيب في المؤسسات العمومية في وظائف لا تقدم منتوجا يثري موارد الدولة بما يفوق احتياجات المؤسسات، ودون تغطية اجتماعية او ضرائب  تقدم للميزانية نظرا لانخفاض الأجور.

 

فساد مالي

اعتمدت الدولة التونسية على آلية عمل الحظائر كبديل لغياب مواطن شغل قارة وثابتة في اغلب الولايات الداخلية المهمشة التي ترتفع فيها اليد العاملة غير المؤهلة، وقامت بفتح شركة مماثلة هي شركة البيئة والغراسات لاستيعاب عدد اكبر من طالبي الشغل من أصحاب الشهائد العليا.

لكن هذه الشركات عرفت تلاعبا كبيرا في عدد العاملين، ناهيك عن انعدام المردودية الشغلية، وكون الأجور التي تم إقرارها كانت مرتفعة مقابل الممنوحة لعمال الحظائر التقليديين، والتي وصلت ل500 دينار تونسي شهريا.

ولا تزال شركات البيئة والغراسات تعتمد الآلية كحل لتخفيف الاحتقان الاجتماعي واستجابة وقتية للاحتجاجات الاجتماعية مثلما حصل في اعتصام الكامور 2017، حيث تم الاعلان عن استيعاب 2000 معطل عن العمل في شركات البيئة والغراسات التي لا تزال تعاني من عجز في الميزانية وتعتمد اعتمادا كليا على الدولة لتمويلها.

 

حلول مؤجلة

تزامنا مع الاحتجاجات المتواصلة لعمال الحظائر على مدى 7 سنوات، تم إمضاء عديد الاتفاقيات المتعلقة بتسوية وضعية العمال الحاليين الذين انخفض عددهم إلى 82 ألف عامل سنة 2017، وأعلن الاتحاد العام التونسي للشغل في 23 ديسمبر 2017 عن إمضاء اتفاقية جديدة لتسوية وضعية بقية العاملين بالمناولة.

إلا أن تفاصيل التسوية لم تتضح بعد، كما لم يتم توضيح السبل الممكنة للدولة لتغطية العجز في التمويل المطلوب للتسوية الشاملة للتغطية الاجتماعية والترفيع في الأجور للوصول إلى الأجر الأدنى المضمون و تمتيع عمال الحظائر بالمنح والحقوق الشغلية كاملة و توضيح عقود العمل المبرمة.

وتأتي هذه الاتفاقيات في إطار أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها المؤسسات العمومية المطالبة، حسب توصيات البنك الدولي، بالتخفيض في كتلة الأجور وتجميد الانتداب، وهي كلها مؤشرات لا تدل على قرب انفراج أزمة عمال الحظائر التي تهدد بشل جزء كبير من المؤسسات العمومية وتقويضه.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.