مدوناتغير مصنف

الفن وسوءة الواقع!

أليست إعادة عرض سوءة الواقع من التطبيع مع فساده؟ والشيء إذا تكرر تقرر

إذا كانت السينما من أجل تعرية الواقع الفاسد، أي إعادة تصويره كما هو (مع المؤثراث السينمائية طبعا!) والتلفاز من أجل تعرية الواقع! والفايسبوك يعري واليوتيوب يعري …! فمتى ستغطى سوأة هذا الواقع؟!
متى ستنشر الأفكار الايجابية والمتنورة على هذه المنابر ليحاول أصحاب هذه الدعوى إصلاح شيئ من ذلك الواقع؟
دائما ما يتستر المدافعون عن “الفاحشة” و”الدعارة” بغربال من المقولات المتهافتة، كتلك التي تدعي: “أن هذا العمل الفني أو ذاك هو عمل يعري الواقع وينقله كما هو…”، وبالتالي فهو يخلي ذمته من جريمة نشر الفحش بين الناس، و”إن الفن ما أوجد إلا لينقل الواقع”، و”أن الفنان وهو على المسرح أو في استوديو التصوير ليس هو ذلك الانسان العادي.
فالفنان عندما يدخل صلاته يترك الدنيا خلفه و يعيش مع العمل قلبا وقالبا ..فيصبح هدفه الأسمى هو أن يبدو المشهد مطابقا للواقع. ولكي يبدوا كذلك طبعا! فإن هذا المشهد يحتاج إلى السخونة _أو البرودة_ اللازمة على حسب رغبة صاحب الأمر …!”
هذه المقولات صاحبت مسيرة كبار الفنانين مما جعلهم ينامون مرتاحي الضمير بعد كل عمل عرى الواقع بتعرية أجسادهم! وجعل من الواقع لوحة فنية تعرض على رؤوس الأشهاد!.
ولكن! هذا الواقع الذي اجتاحه الفساد بما كسبت أيدي الناس_وما سمي واقعا إلا لأنه واقع بين الناس_ هل يكون والحال هذه، بحاجة إلى جهود إصلاح جبارة أم بحاجة إلى تعرية؟ أليست التعرية أحد أسباب الإنجراف؟ أليست إعادة عرض سوءة الواقع من التطبيع مع فساده؟ والشيء إذا تكرر تقرر، هذا مع افتراض أن من يدعي إصلاح الواقع عبر تعريته يدعي ما يدعيه عن حسن نية!
فلنناقش هذه المقولة من خلال مستوين ليتبين لنا مدى صحتها من بطلانها:
المستوى الأول: المنطلق الذي تنطلق منه هذه المقولة، وهو أن تعرية الواقع من كل لباس حشمة هو السبيل الأوحد لإصلاحه! والاجابة عن هذا المنطلق تكون فقط بتفكيكه! وعند ذلك يظهر انفكاك تعرية الواقع عن إصلاحه، فالتعرية طريق الاصلاح وليست هي الاصلاح نفسه.
ومن باب توفير الطاقة نقول: بأنه يجب المرور إلى الإصلاح مباشرة عوض هدر الجهود في التعرية وما قد يشوبها من منزلقات قد تقودنا إلى تعرية التعرية وهو ما نقوم به في هذه الأسطر!
ليست العبرة بالتعربة وتكرار واجترار الموجود، إنما العبرة بالاصلاح والتغيير! على الأقل لنجعل من وسائل الإبداع المتاحة عالما جميلا تسود فيه الافكار المتنورة، عوض أن ننقل السفه معنا أينما حللنا وارتحلنا….!
المستوى الثاني: وهو نتائج التعرية، والأشياء بثمارها تعرف! فمنذ جعل الفن وظيفته الأسمى هي التعرية، وجند جنوده لأجل هذا العمل الجبار، والواقع في تقهقر على كل المستويات!؟ وبوسع المتتبع أن يتتبع الإنتاجات الفنية سواء المرئية منها أو المكتوبة التي عرت سوءة الواقع وأن يسجل كم التغيير الذي أحدثته؟
أليست إعادة عرض سوءة الواقع من التطبيع مع فساده؟ والشيء إذا تكرر تقرر، هذا مع افتراض أن من يدعي إصلاح الواقع عبر تعريته يدعي ما يدعيه عن حسن نية!
قد نقول: إنها بالفعل أحدثت الأثر البليغ وساهمت في نقل هذا الواقع الفاسد! لكن ليس لذوي القرار لكي يكتشفوا فساده من أجل إصلاحه! وإنما نقلته إلى شرائح واسعة من المجتمع، فاتسعت دائرة الفساد، ونقلته إلى الأجيال اللاحقة فاختصرت عليهم الطريق. وبالتالي أحدثت قفزة نوعية في درجات الفساد، أي جعلت الأجيال تقفز من الفساد الموجود إلى الفساد المنشود!
إن من ينطلق من مقولة التعرية من أجل الإصلاح يغالط الناس أيما مغالطة! فالواقع الذي ساده الفساد، واقع بحاجة إلى نشر المقولات الإصلاحية، بحاجة إلى تنمية الذوق الرفيع، بحاجة إلى خلق خط إصلاحي مواز لخطوط الفساد، بحاجة إلى تعرية من نوع آخر!
أقصد تعرية القدوات المغمورة لتصبح ظاهرة بين الأجيال! بحاجة إلى تعرية المبادرات الإنسانية لتفشو بين الناس روح التضامن والتكافل! بحاجة إلى تعرية الجهود العلمية التي طالها غبار النسيان في أقبية الانحطاط! بحاجة إلى تعرية الجمال القابع في كل زوايا الكون …!
أيها الناس! ليست العبرة بالتعربة وتكرار واجترار الموجود، إنما العبرة بالاصلاح والتغيير! على الأقل لنجعل من وسائل الإبداع المتاحة عالما جميلا تسود فيه الافكار المتنورة، عوض أن ننقل السفه معنا أينما حللنا وارتحلنا….!
الوسوم

عمر السطي

مدون مغربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.