ثقافة

مأزق جــــــــــــــــــندرة الكــــــــــتابة: الكتابة النسوية نموذجا

إنّ تشجيع المرأة على الكتابة والاحتفاء ببعض النصوص الصادمة حتى وإن كانت فاقدة للقيمة والمعنى تحت مسمى الكتابة النسوية هو في حقيقة الأمر ترسيخ لسطوة الذكر على المجال الابداعي

 

 

منذ أن دخلت المرأة مجال الكتابة، وقع تصنيف نصها على أنّه “كتابة نسوية”،  نصّ حمل وسم الأنوثة منذ بدايات ولادته. ربّما  حمل في متونه جينات الأنوثة المقموعة والملاحقة أو جينات أنوثة الإغواء والفتنة الجنسية في المخيال الذكوري.

تعكس هذه التسمية “الكتابة النسوية ” في طياتها فرزا وتمييزا جنسيا ضدّ المرأة، ويمكن تبرير هذا القول  بحجة انتفاء وجود نقيض هذه الكتابة أي “الكتابة الذكورية”، وهو ما يحقق شرط كينونة الأولى فلا يمكن الحديث عن شيء في غياب نقيضه.

يمكننا الذهاب بعيدا مع مقولة ترسيخ جنس الكتابة والقبول بها إلى تقسيم جنس القرّاء أيضا فمن يقرأ للكتاب رجال ومن يقرأ للكاتبات نساء، تبدو هذه المقاربة مرعبة وملغومة للبعض الذي جاهد طويلا من أجل المحافظة على ظاهرة جندرة الكتابة في مجتمعاتنا العربية، الظاهرة التي تخلصت منها المجتمعات الأوروبية منذ عقود طويلة، ليصبح فيها فعل الكتابة فعل إنساني خالص لا يفرق بين قلم امرأة أو رجل طالما أنّه يحمل فكرة.

يعكس مصطلح “الكتابة النسوية” تقزيما لنص المرأة بشكل غير مباشر، فقد حمل نصها وصما لم تتخلص منه المرأة إلى اليوم رغم محاولاتها الجادّة في الكتابة. فهل الكتابة فعل ذكوري خالص حتى وإن لم يقع التصريح بهذا في مصطلح يحمل جينات الذكورة وهل أنّ تمرير هذا المصطلح بمثابة رشوة للمرأة للتنفيس  وتفريغ شحنات الغضب ؟.

منذ قرون تمّ حسم الأدوار الكبرى في التاريخ والسياسة والدين لصالح الرجل في المجتمعات البطريركية، بطريقة ناعمة أي عن طريق عملية “التكييف الاجتماعي” و التي تستمد أسسها من مقولات الفحولة والقوامة الذكورية ، وهو ما أثر بشكل مباشر على مسيرة تحرر المرأة والتي ما تزال مستمرة منذ قرون طويلة، فالمواجهة هنا ليست بينها وبين الرجل شريكها في الفضاء العام بل مواجهة بينها وبين سلطة المجتمع.

رسخت مقولات “الفحولة والقوامة ”  سلطة الذكورة لتصبح المرأة مجرّد ظل منعكس لجسد الرجل، أي أنّها في مرتبة أقلّ منه ويمكن وصفها بالتابع وهو ما حرمها لوقت طويل من لعب الأدوار الكبرى حتى وإن لعبتها فإنّها لا تستطيع المواصلة فيها فسلطة الرجل المعنوية أي الاحتماء به تمنعها من المواصلة حتى النهاية.

 

من الضروري أن ننتبه إلى ظاهرة خطورة جندرة الكتابة.. هذه التقسيمات الجنسية والفئوية لا تخدم الإنسان بل تؤبد انقساماته وصراعاته وتوظفها لصالح أطراف مازالت ترغب في هيمنة جنس على جنس وعرق على عرق ودين على دين ولون على لون

 

ومع دخول المرأة حقل الكتابة والإبداع ابتدعت السلطة الذكورية بعض المفاهيم لتأبيد الانغلاق على المرأة ومحاصرتها بمرونة دون أن تحسّ هي بهذا الحصار الذكوري المفروض عليها، ومنها مفهوم ” الكتابة النسوية ” رغم وجود بعض الكاتبات اللواتي يحاولن المحافظة عليه في خلط غير مفهوم مع الحركة النسوية والتي نشأت في القرن التاسع عشر (1892 مؤتمر باريس)  دون الوعي بمدى خطورة مصطلح الكتابة النسوية على المنجز الأدبي الذي يقدمنه.

 

 

ومع بروز جيل كامل من الكاتبات العربيات اللواتي خضن مغامرة الكتابة برز مفهوم ” الكتابة النسوية” وذلك لجرأة الكاتبات في اختراق المحظورات ووعيهن بمدى القهر الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتهن.

تناولت الكاتبة العربية في نصها هموم النساء ومشاغلهن ورسمن بلغة ربّما يصنفها البعض بالجريئة أو بالايروتيكية مأساة المرأة في مجتمعها، مأساتها التي تبدأ من وأد جسدها ومحاولة قبره القضيّة المسكوت عنها، إنّها تنفض الأغبرة  عن أعين لا ترغب في النظر إلى المرأة كما تنظر هي لنفسها.

 

من أجل التخلص من تهمة الذكورية تمّ الاحتفاء بعشرات النصوص التي كتبتها نساء، نصوص لم ترتق إلى الدرجة الأولى من الإبداع، نصوص شغلت نفسها بالجرأة ومن أجل تحصيل الشهرة في ظلّ مجتمعات تعاني الكبت الجنسي وتبحث عن الإثارة دون أن تقدّم هذه النصوص مضمونا فلسفيا أو فكريا

 

لم يتفطن الكاتب الرجل إلى مشاكل النساء  بنفس تلك الدقة التي صورتها المرأة الكاتبة  مخترقة بذلك حاجز المحاذير والمعايير الأخلاقية والتي مازالت تتعامل مع الأنثى بنظرة تقديسية، ” الجسد- الشرف”، وهو ما يجعلنا نتفهم محاولة البعض المحافظة على مصطلح الكتابة الأنثوية، لقد خرجت الكاتبة عن سلطة القبيلة والأعراف فكان نصّها بمثابة الصرخة في ذلك الفراغ الموحش وهو ما أفزع الذكر الحامي والمهيمن.

لقد كسرت نصوص المرأة الصمت الذي اختفى وراءه صفوف من النساء المضطهدات فكان هذا النص صوت من لا صوت لها، إنّه يستعيد في لحظة الوعي بوجودها المغيّب والوعي بذاتها الفاعلة والقادرة على النضال من أجل الحرية إلى جانب الرجل والمشاركة معه في بناء المجتمع وإصلاحه.

من جهة أخرى ومع ظهور أجيال جديدة من الكاتبات لا سيّما على فضاء التواصل الاجتماعي، تحاول “بعض الأطراف” ترسيخ مصطلح الكتابة النسوية والاحتفاء بها كأداة نضال ضدّ هيمنة الرجل والتحرر من سلطة المجتمعات الأبوية وهو ما انعكس سلبا على النصّ الذي تقدّمه المرأة.

من أجل التخلص من تهمة الذكورية تمّ الاحتفاء بعشرات النصوص التي كتبتها نساء، نصوص لم ترتق إلى الدرجة الأولى من الإبداع، نصوص شغلت نفسها بالجرأة ومن أجل تحصيل الشهرة في ظلّ مجتمعات تعاني الكبت الجنسي وتبحث عن الإثارة دون أن تقدّم هذه النصوص مضمونا فلسفيا أو فكريا  ربّما هي محاولة تقزيم مدروسة جيّدا لنص المرأة ، أرغب فعلا في تقديم بعض النماذج ولكنّي أكتفي بذكاء القارئ الذي سيستحضر بعض الأسماء.

إنّ تشجيع المرأة على الكتابة والاحتفاء ببعض النصوص الصادمة حتى وإن كانت فاقدة للقيمة والمعنى تحت مسمى الكتابة النسوية هو في حقيقة الأمر ترسيخ لسطوة الذكر على المجال الابداعي حتى وإن كانت النيّة سليمة، فهو يحشرها في خندق لوحدها، عدم الرغبة في التساوي مع الرجل من خلال فعل تجنيس الكتابة.

من الضروري أن ننتبه إلى ظاهرة خطورة جندرة الكتابة فمع بروز هذا المصطلح  وترسيخه في الأذهان، ربّما سنجد في القريب تجارب أخرى ربّما  ستحمل مسمّى أدب المثلية على سبيل المثال، وهو ما يهدد فعل الكتابة ووظيفتها الثقافية، فهذه التقسيمات الجنسية والفئوية لا تخدم الإنسان بل تؤبد انقساماته وصراعاته وتوظفها لصالح أطراف مازالت ترغب في هيمنة جنس على جنس وعرق على عرق ودين على دين ولون على لون والكتابة هي الخروج من كلّ هذا العبث الانتقائي نحو الانتصار  للإنسان في كل تجلياته وألوانه وأعراقه سواء كان النصّ لرجل أو لامرأة المهمّ أن ينتصر للإنسان

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.