ثقافة

فنان اللجوء خليل غيث: لا أرسم إلا وأنا مستفز والمخيم مليء بزوايا الرسم

مبدعون

 

اتخذ خليل غيث من ريشته مسارا إبداعيا للمقاومة لينحت من خلالها معاناة كل فلسطيني دفعته آلة الحرب نحو الشتات، فأرخ حياته بلوحات واقعية ذات منحى حزين من لحظة الخروج عام 1948 إلى الحلم بالعودة الذي لم يتحقق بعد.

كما نجح في إضفاء البهجة على المخيم الذي استغرق في تزيين حيطانه حوالي 3 سنوات، ليتمكن الأطفال من اللعب داخل أسواره.

 

 

وقد أكد لمجلة “ميم” أنه برفض تجريد القضية الفلسطينية من واقعها بقدر ما يسعى لنبش الذاكرة الحزينة واحتوائها وتخزينها لأجيال ستحمل المشعل ذاته.

  • خليل غيث. لماذا فنان اللجوء؟

أنا فنان لاجئ من فلسطين من قرية اسمها عنابة هاجر أهلي إلى الأردن سنة 1948 ولدت في مخيمات اللجوء ومارست الرسم منذ الصغر.

يستفزني كفنان لاجئ، طفل يحمل خبزا في يده أو شيخا كبيرا يجلس في زقاق مخيم كان يعيش في زقاق القدس ويشتم هوائها، أو عندما أرى بحر يافا وبرتقالها وهذا ما جعلني أرسم باستمرار عن فلسطين وقضية فلسطين بالذات ولذلك أسمى في الأردن بفنان اللجوء.

 

لوحة اللاجئ

 

لأني اعتبر ان اللجوء جزء أصيل من المقاومة الفلسطينية، البندقية كانت مخفية بينما اللجوء والشتات والعيش خارج الوطن جزء من المقاومة في أن تستحمل عيشتها وتتعلم وتتحصل على شهادات وتمتلك أرض في بلاد أخرى وتبدع.

نحن شعب نخرج دائما من باب الجراح، نؤمن ان فلسطين تريد أن نكون أقوياء لا ضعفاء.

ارسم مشاهد من مخيم البقعة “عاصمة الشتات”، بوجوه حقيقية، تجد داخل مرسمي أمك وأختك وجدتك وأطفالك، لأن المخيم مليء بزوايا الرسم.

  • كيف اخترق ابداعك قضية اللجوء رغم الوضع الصعب الذي عشته؟

عشت حياة لاجئ منقوص الحقوق في الأردن الوطن الذي احتضننا، كنا في خيمة الريح أحيانا تقتلعها والشتاء يدخلها معاناة كان يجب أن تظهر للعالم من خلال لوحاتي بشكل احترافي.

فقد أدركت أنه ليس لدينا معركة في الشتات لنحارب فيها، وحتى لا أشعر بالفراغ النضالي وجب علي كفلسطيني أن أبتكر لنفسي معركة الشعر معركة وأنا اخترت طريقة الفن.

 

 

تدويلا وتوسيع القضية ونشرا لها لذلك حاولت أن أقدم لوحات جميلة وقد تعبت كثيرا للوصول إلى هذه المرحلة واطلعت على هذا المجال الذي لم أدرسه وتمعنت فيه، وكنت أرسم 10 ساعات في اليوم وأقرأ كتب واكتسبت ثقافة أستطيع من خلالها التأريخ لقضيتي من عام 1948 ونحن هائمين بلوحة اسمها الى أين مرورا بعيشة المخيمات والمعاناة بلباسنا داخلها بألعابنا بذهابنا للمدرسة ونحن حفاة عراة لغاية اليوم.

صورت المرأة الفلسطينية القوية الشامخة القديسة رغم الألم وعدد أطفالها واستشهاد زوجها الا أنها ربت أطفالا وصلوا لأعلى المراتب في العالم.

 

  • إلى أي مدرسة فنية تنتمي؟

أنا أنتمي للمدرسة الواقعية وضد تجريد القضية الفلسطينية، مع أن تكون ملامح القضية واضحة مع إضافة الألوان المناسبة لها حتى تعطيني العمق.

 

صورة غيث للحاجة صبحة البريشي مواليد اريحا، تبلغ من العمر 102 سنة وما زالت تعيش في قرية النويعمة قضاء اريحا.

 

أنا ابن قضية، أرسم معاناة ولوحات بمشاعر وعن ألم في الداخل وجب إبرازه لشخصيات حقيقية من خلال فكرة استثنائية.

أنا لا أرسم الجماليات وأجرد لوحاتي مع احترامي له بل أركز على الحدقات وقسمات الوجه وتقنية الألوان والاضافة، ولا أرسم الدمعة بقدر ما أرسم الحزن.

لا أستطيع أن أرسم القضية الفلسطينية مثل “باربي”، بل أرسمها بجمالها الطبيعي بشعرها الخيلي ودون أي إضافات تجميلية لكن تظل هذه المرأة الجميلة.

 

 

  • تتحدث كثيرا عن المرأة وحتى أغلب رسوماتك عنها. اين الرجل في أعمالك؟

المرأة في القضية الفلسطينية بالذات تحملت العبئ، أنت لم تدرك عيشة المخيمات وأن تذهب أمك في اليوم 10 مرات إلى منطقة فيها نبع لتملئ المياه وتقضي به مختلف حاجياتنا.

 

 

كما حملت النضال معها، وولدت أبنائها تحت الشجر أثناء الهجرة في عز البرد والشتاء ودون أبسط المقومات الصحية وعاشت في مغارة تحت صخرة.

المرأة الفلسطينية فقدت إبنها وفقدت زوجها وهي أكثر حساسية وهي رمز عندنا وهي الأكثر حزنا وبكاء، أما الرجل فهو قوي.

المرأة الفلسطينية الوحيدة التي فجرت نفسها وقاومت وأسرت ولدينا مثال عهد التميمي وغيرها، حتى أنا عندما أنظر إلى والدي أمي هي التي تتعذب وتحمل همي أكبر وتخاف علي لأني أحمل القضية، واليهود يغتالون اليوم أي شخص مؤمن بها من كتاب وصحفيين.

 

  • هل رسمت والدتك؟

لم أفعل، أخشى عليها لأنها فقدت 3 من أخوتي ودائما يخيم الحزن عليها، أريد أن أرسمها بفرح ولكن لا أستطيع. أمي جميلة جدا أرغب في رسمها.

 

  • 70 سنة على النكبة وأنت أرّخت لها. أي الأعمال أقرب إلى خليل غيث؟

أجمل لوحة رسمتها وأعجبت كل الناس هي حلم العودة، تخيلت أننا عدنا بنفس ملابسنا التقليدية قبل 70 سنة وطريق مليء بالدحنون تركنا للهود شجرة الصبار وعلمهم ملقى على شجرة ناشفة ميتة وعدنا الى القدس.

 

 

من حقي كفلسطيني أن أحلم ولا بد أن يتكرر هذا الحلم، نحن نؤمن بالعودة مهما طال لأن هذا الإسرائيلي هو كيان افتراضي وليس حقيقي لابد أن يزول.

 

  • هناك محاولة لاجتثاث التراث الفلسطيني وتصفية من بدافع عنه وأنت تحمل بريشتك عبق المقاومة ألا تخاف على نفسك؟

أكيد ولكن فلسطين ولادة، يذهب كاتب ويأتي اخر لدينا نسبة مبدعين ونحن نهتم بالثقافة، الجندي يموت في المعركة وناجي علي مات من ريشته وغسان كنفاني مات من قلمه وجاء بعدهم أخرون.

هذه حياتنا وربنا اصطفانا ونحن “شعب الجبارين” سنقاوم وأرجوا أن نكون حملنا العبء على أكمل وجه.

 

  • تحدثت عن الأردن، لكن هناك العديد من المؤاخذات من قبل مثقفين فلسطينيين من التضييقات عليكم داخلها أم أنك لم تتعرض لذلك؟

عشنا في الأردن في فترة ما قبل الـ89 وهي فترة الأحكام العرفية وكان هنالك مشاكل مع الأردن، إذ يمكننا حيازة الوظائف العادية فقط ومن حقنا التعلم دون ممارسة نشاطات سياسية وكنا نعتقل ونتعرض لضغوطات.

ولكن انسجمنا، بسبب فشل برنامج لإقامة وطن بديل على أرضها لأننا حافظنا على تراثنا وثقافتنا والأردن في مأزق ونحن نساعده لأنه لا يرغب في هذا التمشي ونحن متمسكون بهويتنا الفلسطينية.

  • مع ذلك انتقدت العديد من الشخصيات في البلاد ولديك أسلوب ساخر؟

 

 

لا أرسم إلا وأنا مستفز، صورت العم الماضي نائبا أردنيا كان قد جلس مع اليهود في روما، ونزلتها على مواقع التواصل الاجتماعي وقد رفع علي قضايا وقد شغلت الأردن بقصتنا إلى اليوم .

فقد أسقط الرسم صورته في الأردن، وطلب مني  الاعتذار منه ولكني رفضت، فأنا لا اعتذر عن ريشتي التي ضحيت من أجلها.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.