اختيار المحررينثقافة

“نهلة” فاروق بلوفة: رؤية جزائرية لحرب لبنان

سنيما

This post has already been read 1 times!

 

هو فيلم الذاكرة الشعبية العربية، حيث جمعت لبنان مختلف التيارات السياسية على أرضها وكان جنوبها أرض الصراع الحقيقي وصوت “نهلة” يصدح في الأرجاء ليضيف جمالية على الدمار، الغابة والشجر، الشتاء والأبواب المفتوحة، ورد الليل المضوى، عبارات تؤديها لتمنح الأمل والثقة زمن الخراب.

 

 

أو هو زمن الخيانة الكبرى للقضية الفلسطينية، حيث اشتد الصراع اللبناني الفلسطيني الذي أدى إلى حرب أهلية استمرت لسنوات، ومثلت  (ياسمين خلاط)، صوت المرأة الفنانة الحزينة التي تبحث عن الحب والاستقرار وتعيش أوضاعا نفسية صعبة، فتغني “خذني معك يا حب شي مشوار”، وتبدع في “طلعوا من صوركن”.

يضمّ الفيلم مجموعة من الأحداث الدامية وعينا على المفاوضات السياسية والقضايا الاجتماعية، وعلاقات الحب الفاشلة في أغلبها.

ولم يخبرنا صاحب العمل فاروق بيلوفة الجزائري الذي تركنا منذ أيام عن سن يناهز الـ71 عاما،  عن مكان نهلة التي استسلمت وعجزت عن التحمل أكثر فرضخت للواقع وسافرت.

 

 

السياق السياسي للفيلم

لا يمكن الحديث عن فيلم سياسي دون التطرق إلى السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي كان يخيم على المنطقة أواسط السبعينات.

فقد هجر المبدع الجزائري السينما المصرية في فترة أوجها مع يوسف شاهين، وتوجه إلى بيروت عام 1976، في السنوات الأولى من الحرب الأهلية، التي عرفت بالمواجهات المسلحة بين الكتائب اللبنانية ومنظمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وحلفائهم.

 

 

يأتي ذلك إثر العمليات المتبادلة بين اليمين المسيحي بقيادة سعد حداد وبين الفصائل الفلسطينية في لبنان، غذته أحداث كانت السبب المباشر في اندلاعها، تتمثل في اتهام كتائب القوات اللبنانية للقوات الفلسطينية بالهجوم على كنيسة في عين الرمانة ومحاولة اغتيال الزعيم الماروني بيار جميل، الذي ردت عليه الكتائب بكمين نصبه جنودها على حافلة تقل غالبية فلسطينية في نفس المنطقة ببيروت قتل فيها 27 شخصا.

تداخلت الأطراف في الصراع من سوريا وإسرائيل وانقسمت اللبنانيون بين يسار مساند للفلسطينيين ويمين في الجبهة المقابلة. وعرفت هذه الفترة بتعدد التحالفات وتغيرها حسب الأحداث.

وتواصل القتال بعد أن رفضت الكتائب اللبنانية الهدنة التي تم الاتفاق عليها في الجامعة العربية بعد إرسالها لقوات ردع عربية بقيادة سورية تضمّ 20 ألف جندي.

 

 

وتدور أحداث الفيلم خلال السنة الأولى من الحرب التي اغتيل خلالها الملك فيصل بن عبد العزيز على يد ابن أخيه في مارس/آذار 1975 ووقع فيها الرئيس المصري أنور السادات اتفاق سيناء مع إسرائيل في سبتمبر/ أيلول من نفس السنة بجنيف.

إضافة إلى استشهاد النائب معروف سعد خلال إطلاق النار بين الجيش ومتظاهرين فلسطينيين في مظاهرة لصيادي السمك.

وقد حرص الكاتب والمخرج على التنصيص على هذه الأحداث في ظل الصراع الفلسطيني اللبناني.

فيلم التراجيديا الكلاسيكية

نهلة شابة لبنانية فنانة صاحبة صوت ساحر، فنها ملتزم، تعود في تصنيفها للمدرسة الفيروزية التي يغلب عليها الطابع الكلاسيكي الحزين، فكانت الوردة البيضاء وسط الدمار الذي عاشته لبنان. ومثلت، صورة بيروت التي عجز الكثيرون عن رسمها وسط المآسي ووحشية القتل.

كما تعد إحدى رموز النسوية إلى جانب بطلات الفيلم على غرار مها الصحفية القوية التي كانت تمثل اليسار اللبناني، واتسمت بالمقاومة والرفض ولم تخضع يوما حتى لزوجها المصري الذي أفشل علاقتهما وقرر السفر إلى مصر فرفضت الذهاب معه.

 

 

ومن أبرز النسويات نجد شخصية هند الناشطة الفلسطينية التي عاشت في المخيمات وتنقلت بينها لتسترجع ذكريات الماضي وتحلم بمستقبل أفضل بعيدا عن الحرب، كما انضمت للمقاومة المسلحة.

ووجد الصحفي الجزائري “يوسف سياح”، بدور “العربي”، نفسه داخل هذا الفضاء المتداخل بين الحب والحرب والفن والمواجهات والخيانات، خلال عمله كمراسل لتغطية حرب لبنان الأهلية.

بدا “العربي” خائفا في البداية ووجد نفسه وسط الحرب فواجهها، ثم حان وقت رحيله بعد أن تعرض لإصابة على مستوى العين ولكن الظروف حالت دون ذلك مع تأجيله المستمر للذهاب للسفارة الجزائرية.

وان ينصت طوال الوقت لإذاعة مونت كارلو الدولية عبر موجاتها التي لا تتوقف عن بث الأخبار الآنية.

أما شوارع بيروت فمثلت مسرحا للحرب والفن واللقاءات الفكرية والاجتماعات النضالية، تسمع فيها صوت الرصاص من جانب وعبد الحليم حافظ من الجانب الآخر، وأغاني السيدة فيروز وأخرى أجنبية.

 

 

وحين فقدت نهلة صوتها خلال حفلة موسيقية، وعجزت عن المتابعة لخصت ألم لبنان بصورة مجازية، وتحدثت عن كل شيء دون أن تقول شيئا. فشكلت شخصيتها الحائرة نصا حرا صاغ فيه الكاتب حالة الضياع داخل الفوضى العارمة، في رحلة البحث عن “الأنا”.

شغل فيلم نهلة العديد من المتابعين منذ أكثر من 30 سنة ويصنف كأحد أفضل الأفلام الجزائرية، ووصفه بلوفة بـ”التقاطع الذي لم تنته مشاهده من فك رموز الكآبة”.

وبعد إعادة بثه للمرة الأولى في لبنان عام 2010، تحدث ربيع الخوري المشرف على العرض على” الحداثة الفنية والسياسية للفيلم”.

وقالت المخرجة الجزائرية صوفيا جاما لصحيفة لوموند الفرنسية “شعرت بالفخر تجاه القوة الخلاقة التي نملكها نحن الجزائريون وقدرتنا على النظر إلى أشياء تهم الآخر ولا تهمنا مباشرة… وبالنسبة للعالم العربي، فإن فيلمه يشبه صورة مفقودة، ويذكرنا بأن الثورة لا تنتمي إلى المتابع السياسي فقط، بل إنها ضرورة ملحة لكل واحد منا”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.