الرئيسيثقافةغير مصنف

رواية حجر الصبر لعتيق رحيمي: لعنة المرأة الأفغانية في بلد الوحشية والتطرف

"تبدو هذه المرأة غاضبة من أنوثتها ومن واقعها ومن مجتمعها الذي يراها كائنا دونيا ويلصق بها شتى التهم وكأن الأنوثة في المجتمعات المنغلقة لعنة تحملها المرأة حتى القبر"

 

الإبداع ليس متعة  خالصة وهو ليس من قبيل الترف بل هو حاجة للتعبير عن القضايا التي تعيشها المجتمعات وهو محمل لرسائل تتنوع وتتعدد وفق قناعات صاحبها وذائقة متلقيها.

وفي هذا الإطار يمكن تنزيل رواية حجر الصبر لعتيق رحيمي الذي كان احد ابرز الضيوف الذي زاروا معرض تونس الدولي للكتاب ذات ربيع.

هل يصنع الرجال الحروب عندما يفشلون في الحب؟

لماذا ينسى الرجال نساءهم عندما يخوضون الحروب؟

هل يمتلك الرجل حقا جسد المومس أو هو يتبادل معها اللذة مقابل المال؟

هذه الأسئلة تنطلق من أعماق امرأة حاقدة بلا ملامح ولا هوية تنتمي لبلد قدره الحرب المتوحشة والتدين المتطرف.

هي امرأة أرادها عتيق رحيمي تعيش أتون الحروب التي يكتوي بها وطنها.

 

 

ورواية حجر الصبر التي حازت على جائزة الغونكور في فرنسا هي حكاية الذات الأنثوية بامتياز فنحن أمام امرأة بلا هوية تغرق في مونولوج لامتناهي أمام زوجها الذي يرقد جثة لولا بقايا نفس لعد من الأموات وهو الذي أصابته رصاصة في عنقه جعلته معلقا بين الحياة والموت.

وتنخرط الشخصية الرئيسية التي لا نعرف لها اسما في بوح  يشبه الهذيان متحدثة إلى زوجها وهي تتجاوز كل التابوهات من خلال ما تشعر به من رغبات وصبوات وأفكار حول ما يحدث في واقعها

وتبدو هذه المرأة غاضبة من أنوثتها ومن واقعها ومن مجتمعها الذي يراها كائنا دونيا ويلصق بها شتى التهم وكأن الأنوثة في المجتمعات المنغلقة لعنة تحملها المرأة حتى القبر.

وفي اللحظات التي يتقاطع فيها البوح مع الهذيان تسمي هذه المرأة زوجها ” حجر صبرها” وتسرد كل أسرارها دفعة واحدة دونما خوف أو خجل وكأن عجزه عن التفاعل يحررها من الأسر الذي فرضه عليها المجتمع.

وفي البوح المتقطع تعبر هذه المرأة عن شهوتها كأنثى تصطدم بواقع يجردها من كينونتها الإنسانية فتستحضر ليلة زفافها وشبقها الأولى وتروي تفاصيل عن بكارتها وإحساسها الدفين في تلك اللحظات.

وقد نجح الكاتب الأفغاني الفرنسي عتيق رحيمي في ان يعري التفاصيل الحميمية للأنثى وكتبها بشغف وعمق يضاهى ما تكتب به المرأة عن حديقتها السرية.

وقد بدا منحازا لهذه المرأة التي أضناها الواقع في بلاد تخوض حروب دامية تحت ستار الدين.

 

الروائي الأفغاني عتيق رحيمي

 

وفي هذه الرواية نكتشف الكثير عن بلد لا نعرفه سوى من خلال أخبار الحرب فيه ونعني أفغانستان مسقط رأس الكاتب عتيق رحيمي.

ويختزل الكاتب ضحايا الحرب الضروس هناك في شخصية المرأة التي هي في النهاية صورة عن الوطن المختفي خلف صمت مطبق والذي يستبطن كل الأسرار.

وكما في ألف ليلة وليلة تتحدى شهرزاد المعاصرة التي قدر لها ان تكون أفغانية كل الخراب الذي يحيط بها لتبوح بكل ما يعتلج في النفس على مسمع جثة بلا حراك.

وإذا كانت البطلة امرأة تنسى خوفها وخضوعها في لحظة تمتلك فيها جرأة استثنائية فإن بقية الشخصيات هي وجوه للمجتمع الأفغاني الذي يكبله التعصب والوحشية وينتج بالتالي شخصيات مريضة من بينها شخصية الملا  واللصوص والمرأة المومس ومن يطفئ شهوته في صبي.

 

 

تلك هي أفغانستان بلد النشأة لعتيق رحيمي كما يراها اليوم من زاوية نظر المبدع سرديا وسينمائيا.تبدو مدمرة وخالية من المعنى والرمز تلفها القسوة والوحشية من كل اتجاه.

وتبدو الحرية هي التوق الوحيدة لهذه المرأة التي تهذي أمام حجر صبرها تماما كما يهذي هذا البلد المدمر امام انظار العالم الذي لا يصغي ولا يشعر.

هذا عن الحكاية أما التقنيات المعتمدة فهي تتسق تماما مع موضوع الرواية إذ طغى اللون الرمادي الشاحب على الوصف كما تبدو الحركة بطيئة النسق حتى التبلد والشخوص باهتة ولا تترك أثرا في النفس كما إنها بلا ملامح ولا هوية ولا روح أيضا.

وقد نجح الكاتب في توظيف التقنيات السينمائية التي يمتلكه أفضل توظيف  فهو مخرج سينمائي وكاتب سيناريو  إلى جانب كونه كاتب رواية باللغتين الفارسية والفرنسية ولد في كابول يوم 26 فيفري 1962 غادر بلده بعد الاجتياح السوفياتي له وفي باريس أتم دارسته حتى نال شهادة الدكتوراه في مجال الاتصالات البصرية ونال جائزة الغونكور عن رواية حجر الصبر وجائزة الأدب الفارسي  في إيران عن رواية الأرض والرماد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.