ثقافةغير مصنف

“ابق حيث الغناء، فالأشرار لا يغنّون”‎

هنالك لغز يطرح نفسه في التاريخ البشري الطويل والمتقلّب، لغز القبائل الغجريّة الّتي ظلّت حتّى الآن ترتحل من مكان إلى آخر، وترفض فكرة الانتماء إلى حدود جغرافيّة معيّنة، ورغم وجود بعض القبائل الرحّالة بين أكثر من دولة، كما هو الحال مع الطوارق الآن، إلّا أنّها تظلّ قبائل تتجوّل في رقعة جغرافيّة محدّدة تعتبرها وطنًا، ألا وهي منطقة الصحراء الكبرى في إفريقيا.

لكنّ الأمر مختلف مع المجتمعات الغجريّة الّتي انتشرت في مختلف أصقاع الأرض من شرق آسيا حتّى غرب أوروبّا، أثّرت في الحضارات والثقافات الأخرى وتأثّرت بها، لكنّها حافظت على بعض الخاصيّات المشتركة فيما بينها، كالترحال الدائم، والعيش ضمن مجموعات صغيرة على هامش المجتمعات الأخرى، والأساليب المتشابهة في كسب القوت، إضافة إلى الحفاظ على لغة شفويّة غير مكتوبة، وهو ما ساهم في صعوبة تقصّي تاريخهم لأنّهم لم يدوّنوه.

 

12 مليون إنسان ينتشرون في العالم الآن، يجمعهم أصل وهويّة وثقافة مشتركة، تمنعنهم من الانصهار تمامًا في المجتمعات الحديثة. لكن في تيههم اللانهائي، كانت الموسيقى وطنهم ولغتهم الّتي دوّنوا بها التراجيديا الخاصّة بهم على مرّ التاريخ.

 

الوطن هو المنفى

أصل كلمة “غجر” (Gypsy) في اللغات الأوروبية يرجع إلى أسطورة تقول إنهم جاؤوا من مصر (Egypt)، وتشتتوا في الأرض بعد عقاب الله لهم بالتيه جزاءً لمساعدة حدّاد منهم في “صلب المسيح”، لكنّ الصحيح هو أنّهم من أصول هنديّة. وترتبط الكلمتان العربيّة والإنجليزيّة بدلالات سيئة؛ لذا فالوصف السليم تاريخيًّا لهم هو بالعودة إلى أصولهم العرقية التي تنقسم إلى مجموعتين: الرّوما ( Romaأو Romani) في أوروبا، والدومر في إفريقيا وآسيا.

وتقول أغلب الدراسات والأبحاث أنّ هجرة الغجر الأولى انطلقت من شمال الهند، إلى أفغانستان مرورا بإيران والعراق وبلاد الشام ومصر وإسبانيا ومعظم دول أوروبا الشماليّة والوسطى وصولا إلى فرنسا والمملكة المتّحدة عبورا بالأطلسي في اتّجاه الولايات المتّحدة ودول أميركا الجنوبيّة.

خلال هذه الرحلة انقسم الغجر إلى مجموعتين: مجموعة سافرت في اتّجاه القارّة الأوروبيّة، ويعرفون بـ “الروما”، وتعني المتسكّعين أو أبناء الليل، أمّا المجموعة الثانية فسافرت في اتّجاه الجنوب وأصبحوا يُعرفون بـ “الدومر”، وتعني القبائل غير المعروفة. ويبلغ التعداد الكلّي للغجر الآن، حواليْ 12 مليون نسمة، ثلاثة أرباعهم رومن والباقي دومر.

 

يُوجَد أكثر من نصف “الروما” في أوروبا الشرقيّة. وينقسمون إلى عدّة مجموعات أهمّها:

الفلاكسيتركّزون بالأساس في رومانيا والبرازيل والبوسنة والهرسك والولايات المتّحدة الأمريكيّة، أمّا لغتهم الأساسيّة فهي الرومنيّة بلهجتهم الفلاكسّية.

رومن البلقان: وهم منتشرون في مناطق عديدة من قارّة أوروبا، خاصّة في أوكرانيا وصربيا وبلغاريا، أمّا لغتهم الأساسية فهي الرومنيّة بلهجتهم البلقانيّة في تركيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك ورومانيا.

رومن الكاربات: يتركّزون في تشيكيا وسلوفاكيا، ولغتهم الأساسيّة هي الرومنية بلهجتهم الكارباتيّة.

غجر الكالو: يتركّزون في وسط إسبانيا وجنوبها، وفي جزر الكناري والبرازيل؛ ويتحدّثون لغة المناطق الّتي يقيمون فيها، إضافة إلى لغة الكالو.

 

 

بالنسبة إلى غجر “الدومر”، فينتشرون في المجال الجغرافي الّذي يشمل الشرق الأوسط وشرق آسيا وشمال إفريقيا والسودان. وقد قدمت مجموعات الغجر الّتي أصبحت تسمّى غجر “الدومر” الآن، من الهند إلى بلاد فارس، ليستقرّ جزء منهم في جنوب العراق، ومن ثمَّ بدؤوا بالانتشار في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا بادية الشام، حسب دراسة للباحث الغربي “كيفن هولمز”.

 

 

كما اتّجهت مجموعات كبيرة إلى منطقة شمال إفريقيا، خاصّة مصر، إضافة إلى انتشار بعضهم في السودان. وينقسم غجر “الدومر” إلى عدّة مجموعات أهمّها:

الهَلَب: يتركّزون في مصر وليبيا والسودان.

النَوَر: يتركّزون في مصر وفلسطين والأردن وسوريا وإيران.

الغُربَتي: يُوجَدون في غرب إيران وفي سوريا والأردن.

الزُطّ: يُوجَدون في سوريا والعراق.

البراكي: يُوجَدون في سوريا والأردن.

 

 

وقد شهد تاريخ الروما، منذ 1500 عام تقريبًا تاريخ بداية وجودهم في أوروبا، فترات شديدة القسوة، كان أبرزها قوانين أصدرها الملك فرديناند في القرن الخامس عشر في إسبانيا بملاحقة الغجر والموريسكيّين واليهود في كامل أنحاء إسبانيا، وطردهم منها أو قتلهم، هذا بالإضافة إلى القوانين الّتي أصدرها الملك هنري الثامن في إنجلترا في عام 1580، والّتي تُبيح قتلهم بتهمة ممارستهم للسحر وقطع الطريق؛ وفي القرن التاسع عشر، أصدر ملك “بروسيا” (ألمانيا) قرارًا يقضي بقتل كلّ من تجاوز الثامنة عشرة من الغجر في مملكته، وفي القرن العشرين، تمّ الحديث عن الاضطهاد النازي لليهود بإسهاب، لكن لا نكاد نعلم أنّ الغجر في ألمانيا في فترة الحرب العالميّة الثانية قد تمّ إبادتهم تقريبًا.

 

 

أمّا بالنسبة إلى غجر الدومر، فقد تمّ اضطهادهم في فلسطين عند الاحتلال الصهيوني في 1948، وتمّ ترحيلهم إلى الأردن؛ وفي العراق قتل منهم الأمريكيّون الكثيرين بعد إسقاطهم لنظام صدّام حسين، وفي مرحلة أخرى لاحقتهم المليشيات الإرهابيّة الشيعيّة منها والسنيّة.

وإضافة إلى كلّ هذا التاريخ الحافل بالاضطهاد، عاش الغجر مأساة مشتركة، مأساة النبذ والتشويه والإقصاء، فعاشوا على هامش المجتمعات التقليديّة، بعادات وتقاليد وثقافة مختلفة عمّا حولهم، وبطريقة حياة ومهن خاصّة بهم. وإلى الآن، لا تزال المجتمعات الّتي يعيشون على هامشها تنظر إليهم نظرة خوفٍ وشكٍّ، وتعتبرهم عبئًا يجب التخلّص منه.

 

 

الموسيقى هي الوطن

اشتهر الغجر لزمنٍ طويل بوصفهم موسيقيّين وراقصين، وقد تأثّروا بموسيقى الشعوب الّتي عاشوا على هامش مدنها، وأثّروا فيها.

فرغم قلّة عددهم، يملك الغجر إرثًا فنّيًا كبيرًا، ولهم بصمتهم الخاصّة في الموسيقى على وجه التحديد. وقد لخّص الشاعر الروسي الكبير بوشكين هويّتهم بقوله: “إنّ ثقافة الغجر هي ثقافة موسيقيّة راقصة”.

فحتّى عندما كان الغجر مضطهَدين،‏ منحتهم الفنون التي مارسوها نوعا من السعادة والاكتفاء، فأدّى اندماجهم بالحضارات الأخرى في إسبانيا الى ولادة موسيقى الفلامنكو ورقصتها، وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ساهموا في الحفاظ على الموسيقى البدويّة من الاندثار وتجديدها بإضفاء بصمتهم الخاصّة عليها، أمّا في أوروبا الشرقيّة،‏ فقد أعطى الغجر للموسيقى الشعبيّة هناك مسحة من روح الشرق، وكانوا جسر تواصل بين قارّتين وثقافات عديدة.

 

 

وقد تحدّثت الباحثة المتخصّصة في تاريخ الغجر، إيلينا بيتروفيتش: “إنّ الموسيقى هي روح الغجر الخلّاقة الّتي يتغلّبون بها على أحزانهم”.

تنتقل الأغاني الغجريّة بين الأجيال شفويًّا، وتُؤدّى الأغاني الجديدة بطريقة ارتجاليّة دون أن يسعى الغجريُّ لتدوينها لأنّ هدفه الأساسي هو اللهو والمتعة؛ كما تُؤدّى هذه الأغاني باللهجة العاميّة للمنطقة الّتي يقيمون فيها، مع تطعيمها بمفردات من عدّة لهجات أخرى. ولا تتميّز الأغاني الغجريّة بالطابع الملحميّ ولا بالتعقيد في بنيتها الموسيقيّة، بل تتميّز بقِصرها النسبي ومواويلها الحزينة وإيقاعاتها الراقصة الّذي يسم بعض المقاطع من الأغنية، فالأغنية الغجريّة هي انتقال سلس وسريع بين حالة الحزن والفرح؛ كأنّها قفزات متواصلة بين ضفّتين، إحداها مفروشة بالجمر وأخرى يغمرها الماء، تمامًا كما نشعر من خلال حركات راقص الفلامنكو.

 

 

هنالك عدّة أشكال للموسيقى الغجريّة، تتنوّع حسب الأمكنة الّتي يقيمون فيها والمجال الثقافي الجغرافي الّذين يرتحلون فيه، ولعلّ أبرزها:

الموسيقى الغجريّة البلقانيّة

 تنتشر في شرق أوروبا وإقليم البلقان، وخاصّة في رومانيا وبلغاريا والمجر، إضافة إلى بلدان شبه جزيرة البلقان… وتتميّز هذه الموسيقى الّتي تُعرف باسم الـ “Romani music”، أي موسيقى غجر البلقان، باعتمادها على أسلوب الـ “Glissando”، وهو الانتقال الممتدّ بين نوتة وأخرى بشكل سريع، سواءً صعودًا أو هبوطًا.

 

 

موسيقى غجر الأقاليم الروسيّة

وهي مزيج -تكوّن بمرور الزمن- بين الموسيقى الشعبيّة الغجريّة والموسيقى الكلاسيكيّة الروسيّة، وبما أنّ الموسيقى الكلاسيكيّة الحديثة في روسيا هي موسيقى المؤسّسة الرسميّة، فغالبًا ما يتمّ إغفال أنّ الموسيقى الغجريّة في روسيا هي الّتي أثرّت في الموسيقى الكلاسيكيّة الروسيّة الحديثة، فهي استخدمت القوالب الموسيقيّة الغجريّة وأدخلت عليها الألحان الكلاسيكيّة. وكمثال على ذلك، أغنية “Karobushka”، الّتي اشتهرت بصوت الفنّان الروسي تيودور باكيل، إضافة إلى اشتهاره بأداء أغنية “غيتارتان”، الّتي أدّتها أيضًا المطربة الغجريّة إيرينا موروزوفا، واشتهر بأدائها في نسختها الفرنسيّة، الفنّان شارل أزنافور.

 

 

وقد أثّرت موسيقى الغجر في بعض مؤلّفي الموسيقى الكلاسيكيّة العظماء مثل:‏ بتهوفن و‏لِيسْت وموزار وهايْدن.‏

 

 

الغجر والفلامنكو

على الرغم من التخمينات المتنوّعة المتعلّقة بأصل الفلامنكو، فإنّ هناك شبه إجماع بين المؤرّخين على أنّ الغجر هم الّذين نشروه في مختلف مناطق إسبانيا ووسموه بطابع الشجن الّذي يميّزه وبمواضيع الهجر والغربة والفقر الّتي يتحدّث عنها: لقد جعلوا منه صورة حيّة للمحن الّتي لازمت وجودهم.

 

 

ولذلك، ظلّ الفلامنكو مرفوضًا لمدّة طويلة عند الطبقات الراقية في المجتمع الإسباني، لكنّ الغجر قاموا بإحيائه عبر اقتباس الأشعار من الآثار المسرحيّة والشعريّة الكبرى، وعبر ألحانهم الّتي تجمع بين الشجن والدعوة إلى الفرح والرقص، فكانت رقصة الفلامنكو الشهيرة.

كما أنّهم وباطّلاعهم على أجناس موسيقيّة عديدة أثناء ترحالهم الدائم، قاموا بالتأليف -بصفة عفويّة- بين الموسيقى ذات الأصول الهنديّة والفارسيّة والعربيّة مع التراث الموسيقي القوطي لتجديد روح الفلامنكو عبر العصور.

 

الغجر في التراث الفنّي العربي

لقد انتشر الغجر في العالم العربي في البوادي بصفة خاصّة، ولذلك كان تأثيرهم خفيًّا نوعًا ما. لكنّهم كانوا فاعلين بارزين في صياغة الموروث الموسيقي الشعبي والبدوي في العالم العربي، وللذكر لا للحصر يمكن الإشارة إلى دورهم في نشر الموسيقى البدويّة والرقص الشعبي في بلاد الشام والعراق ومصر والسودان، هذا بالإضافة إلى تخصّصهم في غناء السير الشعبيّة مثل “السيرة الهلاليّة” و”الزير سالم” وغيرها من السير الشعبيّة، ففي العراق يُطلق على الغجري الّذي يتغنّى بالسيرة الشعبيّة “قوّالي” وفي الصعيد المصري يسمّى “الشاعر”، إلخ… وعادة ما تكون السيرة مغنّاةً ومصحوبة بآلة الربابة أحيانًا، أو بفرقة موسيقيّة مكتملة. وحتّى إن كان الراوي أو المغنّي لا ينتمي للغجر فقد تمّ الاصطلاح على تسميته بـ “الغجريّ”، لالتصاق هذا الفعل الفنّي بالغجر أساسًا.

ورغم حالة النبذ والتهميش الّتي عاشها الغجر في العالم العربي، فقد كانوا يُضفون الحياة والبهجة والمتعة على المناسبات الاجتماعيّة كالأعراس والمناسبات الدينيّة كالموالد وحفلات الختان والسهرات الرمضانيّة.

وقد أثّر الغجر في الموسيقى البدويّة في العراق والشام ومصر، وكان لهم دور كبير في تطوير الموسيقى الجبليّة في لبنان وأغاني الدبكة في سوريا والغناء البدوي العراقي، كما كان لهم دور رئيس في صقل موسيقى الصعيد في مصر.

ولعلّ أبرز من الفنّانين العرب على إظهار هذا التأثير الغجري في الموسيقى الشعبيّة في الشرق الأوسط، هو الفنّان اللبناني طوني حنّا الّذي تعاون مع الفرق الغجريّة في لبنان، وقام بمشروع مشترك مع فرقة غجريّة يوغسلافيّة شهيرة “Brass Band”، لإعادة توزيع الأغاني الجبليّة اللبنانيّة وإبراز مدى التقارب بين موسيقى الغجر في منطقة البلقان وموسيقى البدو في منطقة الشام.

 

 

هذه نبذة عن تاريخ الغجر، وإسهاماتهم في نشر الموسيقى وتطويرها في مختلف أنحاء العالم، الموسيقى الّتي كانت لهم وطنًا خياليًّا يعوّضهم عن وحشة المنافي في مجتمعات نبذتهم واضطهدتهم وهمّشتهم، لكنّهم قدّموا إليها الفرحة والفنّ والمتعة. ولذلك يقول الغجر: “ابق حيث الغناء فالأشرار لا يغنّون”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.