الرئيسيثقافة

سيد مكاوي: فنان متأصل في بيئته… منفتح على عصره

 

بنظاراته السوداء التي تخفي عجب البصيرة في غياب النظر، أطلّ الملحن البشوش والمحب، سيد مكاوي على محبيه فاستلهم منهم الموسيقى وتفاعل مع أذواقهم الفنية حتى صادفها اللحن.

لم يبصر الناس ولكن ألحانه العجيبة اخترقت قلوبهم في الفرح بالأوبريت المشهورة وفي الأزمات بأغانيه الوطنية، وكان شيخهم الأخير.

 

ولد في حي عابدين أو ما يعرف بحي الفنانين فكل ما فيه يغني، البياع بصوته يشدو والأطفال يغمرون أزقته بصياحهم العذب والعربات والأهازيج وصوت القهقهات التي تنبعث من بيوت المصريين، حيث يعبّر كل صوت عن رنة أشبه بالآلة الموسيقية.

 

سيد مكاوي مع والدته

 

كما عرف هذا الحي، نشأة أمير الشعراء احمد شوقي والشاعر الكبير أحمد رامي والمغني صالح عبد الحي والكثير من الطاقات الإبداعية التي وجدت نفسها في طريق الفن بموهبة وحس عال.

ويعد سيد مكاوي أحد أبرز الموسيقيين العرب، الذين برعوا في حفظ القرآن منذ صغرهم وأضحى أبرز المنشدين ليصبح أهم الملحنين في عصره.

 

 

 

من تجويد القرآن إلى مدرسة سيد درويش

بدأ في تجويد القران والمولد في سن الثانية من عمره وأضحى دخله الذي يعيش منه بعد وفاة والده عندما كان في عمرالـ7 سنوات.

انبعثت فيه روح الفن في فترة لاحقة فانشدّ إلى عوده الذي لم يفارقه طيلة مسيرته الفنية.

تعرف على الموسيقار المصري زكرياء احمد في بداياته عندما كان بصدد دراسة اتجاهات موسيقية متعددة عن طريق الأسطوانات لأنه يحب التعرف على الأعمال بشكل مباشر.

 

 

ووجهه هذا الأخير الى مدرسة سيد درويش ليجد فيها الطابع الشعبي الذي بحث عنه فكان يستلهم من الشعب المصري أعماله ويقدمها له بشكل صادق، فقد نجح درويش، حسب مكاوي، في تحويل المقولات البسيطة الى موسيقى بصفة تدبيرية فأبدع فيها قولا ولحنا ولاقت شهرة على مستوى المسرح.

وتأثرت أعمال مكاوي الأكثر شهرة بهذا النمط الشعبي من خلال أوبريت الليلة الكبيرة وأوبريت المسحراتي للمبدع المصري “فؤاد حداد”، التي انطبعت في ذاكرة المصريين ورافقتهم لسنوات طيلة شهر رمضان لانغماسها في الطابع الشعبي المحبب لقلوبهم في أحياء السيدة زينب والحسين.

 

 

إلا أن مكاوي يرى أن مدرسة درويش هي لبنة من لبنات تشكل الموسيقى المصرية والعربية التي لا يمكن اختصارها في فنه ‘كلنا نضع حجرا ونكمل بعضنا دون أن نحسّ بذلك”، وفق قوله.

وتجاوز آخر شيوخ مصر هذه المدرسة وكان مجددا ومواكبا لعصره دون تقليد لغيره أو الانغلاق على توجه معين مع المحافظة على جمالية اللحن العربي.

 

الأرض بتتكلم عربي

تحتل أغنية “الأرض تتكلم عربي” مكانة خاصة لارتباطها بحرب 1967 التي اختلفت عن النشيد الحماسي المعروف زمن المقاومة الفنية، وكانت أغنية ملحمية هادئة وهادفة في الآن ذاته، على عكس أغنية “حتحارب” أيام العدوان الثلاثي على مصر، التي قال إنها كانت انفعالا حقيقيا وصيحة فنية.

 

 

ويعود ذلك إلى طبيعة مكاوي الإنسانية والمبتسمة في مواجهة الواقع المر، لأن التعبير الصادق والبسيط اقوى وأعمق من “الزعق” وفق قوله، مضيفا “وانا طلعت في وسط الضوضاء بالأرض بتتكلم عربي”.

وقد ذكرت رضوى عاشور في كتاب “صيادو الذاكرة” أن قصيدة فؤاد حداد “الأرض بتتكلم عربي” كسبت شعبية واسعة بعد أن غنى الشيخ سيد مكاوي بعض مقاطعها.

وذكرت أن حدّاد في مقدمة ديوان نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة قال “هذا الديوان كتب ردًا على النكسة”. وكان أول بيت كتب في الديوان” الأرض بتتكلم عربي”. وأكدت رضوى أن تفصيل هذا البيت لم يتأتى فقط في القصيدة التي تحمله عنوانا بل في ديوان كامل حشد فيه الشاعر الملامح الثقافية للقاهرة المعاصرة، والقاهرة المملوكية”.

 

فنان يفضل التلحين على الغناء

كان لأعمال مكاوي، متفتنيش أنا وحدي، حلوين من يومنا والله، التي جمع فيها بين الأداء والتلحين صدى واسع في الأوساط الفنية العربية علاوة على رباعيات صلاح جاهين.

 

 

ورغم تميزه بجمال صوته فقد فضل التلحين وتمسك بالعود الذي وجد فيه توجها يجمع بين المدارس الفنية على تنوعها، فقدم لأم كلثوم جملة من الألحان من أبرزها “يا مسهرني” و”أوقاتي بتحلو” التي توفيت قبل أدائها فكانت من نصيب وردة الجزائرية صاحبة الصدارة في الألحان التي قدمها مكاوي للمطربين.

 

 

وتعامل مكاوي مع ليلى مراد ونجاة الصغيرة وميادة الحناوي وهدى سلطان ولم يلحن لعبد الحليم حافظ رغم أن العندليب الأسمر طلب منه ذلك مرات.

إذ يعتبر الشيخ مكاوي أنه ملحن حر لا يجيد الارتباط مع فنان واحد لمدة طويلة فيقول “إذا عملت مع عبد الحليم” سأبقى معه على الأقل لمدة سنة وأنا أحب التنوع والاختلاف”.

 

 

تقوم ألحانه على وصفة استثنائية تضمّ روح الكاتب وشخصية الملحن وإضافة المطرب، مع الحرص على ملامسة هذا المزيج من التفاعلات الإبدعية مع الجمهور.

 

 

كما تتميز ألحانه بملامح تستقطب المطرب إلى سياقها دون التجني على قدراته للحفاظ على الاختلاف في زمن عرفت فيه الألحان تقاربا إبداعيا.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.