مجتمعالرئيسيغير مصنف

11 مليون جزائرية بين زوج لا يأتي ومجتمع لا يرحم

مجتمع

 

الجزائر- ربيعة خريس-  مجلة ميم

 

   أصبح تأخر الزواج ظاهرة مخيفة في المجتمع الجزائري، وتحول إلى هاجس يطارد 11 مليون امرأة في الجزائر، ومشكلة من الصعب إيجاد حلول لها من طرف الأسرة ومنظمات المجتمع المدني وحتى من طرف السلطات العليا في البلاد.

وللأسف تواجه الفتاة التي لم يعسفها الحظ في دخول القفص الذهبي في المجتمع الجزائري ضغوطات كبيرة خاصة في محيطها العائلي، تحاصرها النظرات الساخرة ويطاردها الكلام الجارح أينما حلت وكأنما ارتكبت خطيئة لا تغتفر، وعادة ما تلصق بها جميع العيوب والتقائص لتبرير عدم زواجها..

 

“أصبحت عانسا بعد أن رفضت الزواج لأسباب شكلية”

” رزيقة . ط ” امرأة بلغت من العمر أربعين عاما, فاتها قطار الزواج, وبقيت في بيت أهلها تتحسر على العمر الذي ذهب سدى, ولم تجد شريك حياتها..

تقول رزيقة لمجلة ” ميم ” إنها رفضت فيما سبق عروض زواج من شباب تقدموا لخطبتها, لأسباب تافهة, وهي اليوم تعيش رفقة أمها وأخويها, وتشتغل كخياطة لتعيل نفسها وأمها.

وتروي رزيقة المعاناة النفسية وحالة الاكتئاب التي تطاردها يوميا, قائلة إن نظرة المجتمع الجزائري لمن لم تتزوج لا ترحم  وتتجلى في النعوت التي تطلق عليها، بين من يلقبها بـ ” البايرة ” و من يصمها ب”العانس”..  وتقول رزيقة إن هذا يخلف في نفسها جراحا غائرة, وأنها لذلك تفضل العزلة الاجتماعية وباتت ترفض الذهاب إلى المناسبات العائلية والأفراح تفاديا لنظرات من حولها وهمساتهم وأسئلتهم المحرجة..

وتضيف المتحدثة أن النظرة إلى من لم تتزوج وتقدم بها السن في المحيط العائلي تهكمية ساخرة، فهي في نظرهم إما “دميمة” أو “بلهاء”، بل إنهم يذهبون حد نسب عيوب وعاهات وهمية لها، كي يبرروا عدم زواجها.

 

صورة تعبيرية

تزوجت بشيخ بعد أن فاتها قطار الزواج

” نورة . خ ” امرأة أخرى، تزوجت بشيخ طاعن في السن يعاني من الألم والإجهاد في نهاية كل يوم، بعد أن تخطت الـ 50 عاما.. وتروي نورة لمجلة ” ميم ” قصتها بمرارة قائلة إنها عانت الأمرين بحيث كانت الأخت الصغرى في العائلة, وكانت أمها ترفض تزويجها بسبب مرضها, فكل أخواتها تزوجن ورزقن ببنات وأولاد إلا هي، بقيت حبيسة جدران البيت إلى أن بلغت الـ 50.. حينها تقدم لخطبتها شيخ طاعن في السن, يبحث عن من يعتني به في كبره، لتنتقل من رعاية والدتها إلى رعاية من هو أقرب إلى عمر أبويها..  لم تكن ترغب في الإرتباط به أو الزواج منه، لكنها رضخت لذلك وقبلت به “زوجا” بعد الضغوطات الهائلة التي سلطها عليها أشقاؤها الذكور.. وتقول نورة إن هذا الزواج كان بمثابة لعنة حلت عليها ولن تتخلص منه إلا بالموت، موتها أو موت الشيخ الذي زوجت به.

أرقام مفزعة

وكشفت أخر الإحصائيات عن ارتفاع عدد النساء غير المتزوجات في الجزائر بنحو 200 ألف امرأة سنويا, أي أن عددهن قد ارتفع إلى ال11 مليون، وهو الرقم الذي يفوق عدد سكان 5 دول عربية.

وحسب الدراسة ذاتها فإن معدل تأخر سن الزواج في البلاد على النحو التالي: 11 مليون امرأة فوق سن 25 عاما، بينهن 5 ملايين فوق سن 35 ، وتسجيل 200 ألف عزباء تأخر بها الزواج سنويا, وحسب الأرقام الرسمية المعلنة من طرف الديوان الوطني للإحصاء الجزائري قبل ثلاث سنوات, تم تسجيل 4 ملايين فتاة لم تتزوج بعد رغم تجاوزهن سن الـ 34, وكشف إحصاء آخر عن تسجيل 56 ألف حالة طلاق في الجزائر عام 2016، كما جرى إحصاء نحو 41 ألف سيدة مطلقة, وتسجيل أعلى حالات الطلاق لدى المتزوجين في الفئة العمرية من 20 إلى 30 عاما.

 

“العانس” والضغوط الاجتماعية والأسرية

وتقول في هذا السياق رئيسة فرع جمعية حورية للمرأة الجزائرية, دليلة حسين, في تصريح لمجلة ” ميم ” إنه ومن خلال برنامج الفضفضة الذي فتحته الجمعية السنة الماضية و الذي كانت فيه عينة من 20 امرأة, 12 امرأة كلهن بين الخمسين والستين سنة, وأغلب العينات يقطن بحي فقير, ليس لديهن مستوى دراسي أو حرفة تمارسنها ومعظمهن يتيمات الأب, يعني أنهن يعشن ظروفا مزرية مع أشقائهم ويعانين الأمرين مع زوجات أشقائهن.

وتؤكد دليلة حسين أن معظمهن لم يتزوجن لأنهن كن ممنوعات من الخروج وبقين حبيسات بين أربعة جدران لا يسمع بهن أحد و لا يعلم عنهن شيئا حتى فاتهن قطار الزواج.

وتشير المتحدثة إلى وجود عينة أخرى من النساء اللواتي أكملن مشوارهن الجامعي وتخرجن طبيبات, معلمات ومهندسات ولم يجدن من يعتقدن انه كفؤ، فبقين يرفضن كل من تقدم حتى يجدن فارس الأحلام و فاتهن القطار وتزوج كل من تقدم إليهن و هن كلما تذكرن أنهن كن مرغوبات فتأبين ندمن ايما ندم..

وتؤكد دليلة حسين وجود ظاهرة أخرى وهي العزوف عن الزواج عند الرجال لعدة أسباب أبرزها الفقر وعدم توفر فرص عمل وأزمة السكن وغلاء المهور وكل التكاليف المادية الباهظة.

جزائريات ينتفضن ويطالبن بالتعدد

ونظمت مؤخرا مجموعة من الفتيات وقفة احتجاجية, طالبن فيها بضرورة ” تعدد الزوجات ” للقضاء على ظاهرة العنوسة, وحسب الصور التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي, عبرت مجموعة من النساء عن تخوفهن من ظاهرة “العنوسة” على حد تعبيرهن،  قائلات باللغة العامية الجزائرية “ولينا بايرات يا عباد الله” أي  “أصبحنا عانسات, عندي 31 سنة وأريد أن أتزوج”, وغيرها من الشعارات الجريئة..

 

ولاقت هذه الشعارات سخرية عارمة من قبل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي, وتزامنت هذه الوقفة مع تعالي الأصوات المطالبة بتعدد الزوجات للقضاء على مشكلة تأخر سن الزواج , وأطلقت نعيمة صالحي، زعيمة حزب العدل والبيان في الجزائر, مبادرة دعم تعدد الزوجات في المجتمع الجزائري, على مواقع التواصل الاجتماعي.  وقد فجرت هذه المبادرة ردود أفعال مؤيدة ومستنكرة, لموضوع يصنف في خانة المحظور عند المرأة الجزائرية, في وقت يقيد القانون الجزائري مسألة تعدد الزوجات حيث يحظر الزواج أو التعدد دون إذن الزوجة الأولى.

 

نعيمة صالحي

 

 

ومباشرة بعد هذه الحملة, أطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي حملة لمقاطعة غلاء المهور التي بلغت حدودا قياسية في بعض الولايات, وجاءت هذه الحملة تحت شعار ” خليها تبور “, ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي والاجتماعي في البلاد أن الوضع المزرى الذي يعيشه بعض الشباب الجزائري كانتشار البطالة في أوساط الشباب، وغلاء المهور بسبب الشروط الخيالية التي تفرضها العائلات لتزويج بناتها وغيرها من الأسباب.

 

 

البطالة وراء تأخر سن الزواج

ويقول في هذا الموضوع بن شيخ الحسين ضياء الدين, الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن من بين أهم أسباب تفاقم ظاهرة تأخر سن الزواج في الجزائر العادات والتقاليد الجديدة الدخيلة على المجتمع الجزائري كالتباهي والمصاريف الخيالية.

فقد أصبح الحد الأدنى لتكاليف عرس متوسط يفوق 100 مليون سنتيم، دون احتساب الشروط المادية الأخرى كالسكن المستقل الذي أصبح يمثل كابوسا يطارد الشاب الجزائري وأيضا ارتفاع نسبة البطالة.

 

 

ويشير المتحدث أيضا إلى البعد عن الدين وتحويل الزواج من ميثاق غليظ وعقد مقدس إلى اتفاق مبني على الماديات والمظاهر فقط, وأيضا ارتفاع نسبة الطلاق، فهي تشكل نقطة سلبية في هذه الحلقة المتعلقة بشح فرص الزواج, فبغض النظر عن العزباوات المتقدمات في السن من دون زواج, تضاف المرأة المطلقة إلى القائمة ولو بصيغة أخرى.

ومن بين الأسباب الأخرى التي ذكرها محدثنا كثرة المواليد من البنات مقارنة بالذكور, أي أن هناك فرقا عدديا كبيرا بين الذكور والإناث, ويرجع بن شيخ الحسين ضياء الدين, أسباب تفاقمالظاهرة إلى احجام بعض النساء عن الزواج للتحلل من القيود والتهرب من الالتزامات, وأيضا إلى التسيب الدي يعيشه المجتمع الجزائري والظواهر الغريبة التي لا تشجع على الارتباط كالعلاقات الحرة خارج إطار الزواج و”محاولة تغريب المجتمع الجزائري والتشبه بالمجتمعات الأوروبية” على حد قوله.

وبخصوص غلاء المهور في المجتمع الجزائري, يقول الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان إن هذا السبب يصنف في مؤخرة الأسباب التي أدت إلى تفاقم الظاهرة, فارتفاع نسبة البطالة وراء عزوف الكثير من الشباب عن الزواج، إضافة إلى أزمة السكن.

وعن الحملات التي أطلقت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي, يرى المتحدث أنه لا تأثير لها كما لا يمكن تجاهلها لأنها نابعة من الواقع ولذلك يجب تدخل كل الجهات المختصة لدراسة الظاهرة.

 

 شباب يفضلن الزواج بأوروبيات

واقترح الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان مجموعة من الحلول على السلطات العليا, أبرزها “الدعوة للأولياء بتيسير الزواج كما قال صلى الله عليه وسلم: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير “، والعمل على حل أزمة المساكن، وضيق فرص العمل: وذلك من خلال إيجاد فرص العمل المباحة، وتنمية مهارات وقدرات الشباب، وهذا من واجبات الدول والحكومات، وأضاف محدثنا بأنه “ينبغي للمؤسسات والجمعيات الخيرية أن تساهم في ذلك، وأن تقيم المشاريع الخيرية التي تسهم في زواج الشباب، وتخفف من معاناة الشباب, حيث تبذل بعض الجمعيات الخيرية والدينية جهودا كبيرة لتنظيم زواجا جماعيا للشباب تدفع تكاليفه من التبرعات التي تجمعه”.

ومن جهة أخرى يرى المتحدث أن المدرسة والجمعيات يلعبان دورا كبيرا في محاربة الفساد الأخلاقي الذي يعيشه الشباب الجزائري.

ويلفت بن شيخ الحسين ضياء الدين إلى تغير عقلية الشباب الجزائري اليوم, فمعظمهم أصبحوا يفضلون العيش في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط والزواج من الأوروبيات, معرضين عن بنات بلادهم, لعدة أسباب أبرزها ترتيب اوضاع الهجرة وتسوية الوضعيات القانونية والحصول على الإقامة والإندماج في المجتمع المضيف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.