مدوناتالرئيسيغير مصنف

بين القدس واسطنبول

لم يكن الطريق إلى القسطنطينية سهلاً.. وكذلك هي القدس، لا نعرف لها طريقاً معبّداً بالوردِ أبداً

يكثرُ الناس في اسطنبول من كلِّ حدبٍ وصوب، يُسرِعُ كلٌّ منهم لشأنه وعمله، ما بين سائحٍ يستعجل الخطى بحثاً عن زاويةٍ لم يرها من قبل، وما بينَ مقيمٍ يتعايش مع كثرة الزوار والقادمين.. وبينَ هذا وذاك كنتُ أرى القدس. جبال اسطنبول لا تطلّ على فلسطين كما في الأردن، ولا تجمعهما حدود مشتركة.. لكنّك ترى القدس في ثنايا المكان، في صوت الأذان، في تفاصيل الساحات والمعالم الأثرية.

كانت القسطنطينة حلماً تكاد تظنّه الأرواح سراباً. كان حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – واضحاً جليّاً: “لَتُفْتَحَنَّ القسطنطينية”، إلّا أنّ الحكم البيزنطيّ كانَ فيها أشدّ من أن يُهزَمَ أو يُبعَد. كانَ الوصف في الحديث يحرّكُ القلوب شعوراً ولهفة “لِنعمَ الأمير أميرها، ولَنِعمَ الجيشُ جيشها” فتشتاق الأرواح أن تغدو طرفاً من أطراف الجند؛ إلّا أنّ توالي محاولات الفتح التي لا تبوء بالنّصر كانت تودي بالقلوب إلى الضعف وفقد العزيمة ربّما.  

تمشي في شوارع اسطنبول، فتسمعُ صوتَ الأذان وترى قُبَبَ المساجد وتُتَمْتِمُ في قلبِكَ مُصليّاً على رسول الله ولكأنّك تريدُ أن توصلَ إليهِ صلاةً وسلاماً من الأرضِ التي أنبأَ الناس عنها، وتودّ لو أنّكَ تقول له: إنّى أرى الفتح الذي أخبرتَ عنه، وأسيرُ في شوارع المدينةِ التي استعصت أعواماً طوال، وأرى البشارةً واقعاً يأتيه الناس.  وإنّك تتلمّسُ في ذلك كله شيئاً في الروح يخبرك: كذلك هي القدس؛ عقيدةٌ راسخة الإيمان بأنّ النصر قادمٌ بلا شكٍ أبداً، رغمَ ضعف المؤمنين ورغم عدّةِ المُعتدين.. إلّا أنّه الإيمان الذي لا نعرفُ فيهِ شكاً أبداً.

في اسطنبول، تقدمُ على قبر أبي أيوب الأنصاريّ، وتغيبُ عن وجوهِ كلّ الحاضرين حولك مكتظين، لتنظر في عينيِّ إيمانه الذي قاده من بلادٍ بعيدة المدى ليمدّ في هذا الفتح يداً. قد اسٌتشهدَتَ يا أبا أيوب قبل أن ترى رايات النصر، استُشهِدتَ قبل موعد الفتح بكثير؛ بثمانمئة عامٍ تقريباً.. لكنكَ استُشهدتَ وأنتَ على عهدكَ ووعدكَ فلكأنّكَ رأيتَ النصر وسمعت التكبير.

 

لم يكن الطريق إلى القسطنطينية سهلاً، ولا مختصراً، ولم يكن واضح المعالم حتّى، وكاد الحلم أن يندثر في قلوب كثيرين ظنّوا أنّ أسوار المدينة أعلى من جيوشهم، وقوة البيزنطي تفوق طاقة المؤمن.. لكنّها باتت اليوم “اسطنبول” أو “إسلام بول” أي مدينة الإسلام..  وكذلك هي القدس، لا نعرف لها طريقاً معبّداً بالوردِ أبداً

 

وهكذا هي القدس، نسيرُ على دربها مؤمنين بأنّ علينا حفظَ الثغور حتى وإن كثر المثبّطون، مدركين بأنّ الله سيسألنا عن البذل لا عن النتائج، وعن السعي لا عن التحقيق، مدركين أنّنا نرى الفتح في كلّ خطوةٍ نخطوها، حتى وإن بعُدَ وطال.

لم يكن فتح القسطنطينية محضَ صدفةٍ أبداً، ولم يكن تدافُعَ أمَمٍ فحسب، لكنّه كان نتاجَ محاولات استمرت مدى عهدٍ يقرب ال900 عامٍ، محاولاتٍ آمنت بوعدِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكنّها لم تنتظر معجزةً من السماء لتنفذها، بل كان الناس فيها هم المعجزة والزاد، فكان فيهم جنديُّ تعلّم أسُسَ القتال، وآخر فكّر بآليات حربية يصنعها، وثالثٌ بحث عن استراتيجيات وخطط للحصار، ورابعٌ خاضَ البحر مراراً فأفاد الناس من تجربته، وخامسٌ رجلُ دينٍ مربٍّ، وسادسٌ قائد، وسابعٌ يدعو، وثامن وعاشرٌ وألفٌ وغيرهم..

كلٌّ بحث عن موقعه فأحسن الأداء فيه، ونظرَ لحلمه فأوثقّ الإيمان به. كانت  محاولات الفتح التي لم تنجح أرشيفاً تاريخياً وعلمياً يعودُ إليه كلّ مَن سعى لفتحِ البلاد كي يتعلّم منها درساً ويبحث فيها عن الثغر الذي أُتِيَ الناس مِن قِبَله. وكذلك هي القدس، لا تنتظر معجزةً من السماء تحفظها، بل ترتقبُ قلوبَ مَن آمن بها، فوجدَ موقعه فأتقنه..

القدس تترقبُ أن تعمر ساحاتها بصلاةِ الفتح وسجدات الشكر وخطى القادمين، ولا يفعل ذلك إلّا أجيال تابعت المضيَّ والتربية والبناء، دونَ أن يصب قلوبها وهَنُ الطريق، وسلبيةُ الحديث، وانهزاميةُ المُنسحبين.. ترتقب مَن يدرس في التاريخ عن أسباب النصر، ويبحث في الأمة عن خلل الواقع.

عندما تقدُمُ إلى اسطنبول يوماً، لا تنظر لجمال الطبيعة فحسب، ولا تمضي في آثارها ومساجدها ومبانيها وتكتفي، بل ارفع رأسكَ ناظراً للسماء مُدركاً حجمَ ما أظلته من الأحداث التي عُدّت في يوماً خسائراً، بينما كانت إحدى منعطفات الطريق إلى النصر. اخفض رأسك بعدها، وانظر لموضع قديمك أنت، للأثر الذي تدعه في هذا العالم من خلفك، للبصمة التي تبحث في هذا الكون أن توجدها.

لم يكن الطريق إلى القسطنطينية سهلاً، ولا مختصراً، ولم يكن واضح المعالم حتّى، وكاد الحلم أن يندثر في قلوب كثيرين ظنّوا أنّ أسوار المدينة أعلى من جيوشهم، وقوة البيزنطي تفوق طاقة المؤمن.. لكنّها باتت اليوم “اسطنبول” أو “إسلام بول” أي مدينة الإسلام..

وكذلك هي القدس، لا نعرف لها طريقاً معبّداً بالوردِ أبداً، لكنّه درب الثورة الذي يحتاجُ ألّا يخفت في قلوبنا، وحلم العودة الذي نريدُ ألا ننساه من بين دروبنا، وعقيدة النصر التي تملكُ كلّ روحٍ منّا أن تُحدِثّ فيها فِعلاً وموضعاً وموقعا.

جبال اسطنبول لا تطلّ على فلسطين، ولا تجمعهما حدود مشتركة.. لكنّك ترى القدس في ثنايا المكان، في صوت الأذان، في تفاصيل الساحات والمعالم الأثرية.. فكذلك هي القدس

الوسوم

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك رد