ثقافة

حنا مينه: رائد الواقعية الاجتماعية في الأدب العربي

 

شاهدت حنا مينه في اخر حواراته الصحفية، كان رجلا حزينا ومتأسفا على ما مضى من حياته، عيناه غارقتان في دمعها واضعا يده على خده رافعا رأسه أحيانا، يعتذر عن إجاباته الغير مفهومة.

كان رجلا لا يهزم، ربما لاحقته مأساة ديمتريو أو سقط الشراع فغلبته العاصفة وهو الرجل الذي لا يغلب، هل أصبح الرجل الذي يكره نفسه؟ وهل ستكتب له الحياة نهاية رجل شجاع؟

 

رأيته يبكي صديقه العزيز والأديب السوري الكبير “محمد الماغوط” قال إنه الأحب إلى قلبه، ولكنه ذهب مع الريح ليعيش بعيدا عن هذا العالم.. بسلام.

نسمع في كل مرة نبأ وفاته وسرعان ما تنفى الإشاعة، ولكن إرادة حنا مينه أقوى من إرادة قتله وهو آخر الروائيين العظماء الذين واجهوا واقعهم واعترفوا لأنفسهم ولنا أنهم جاؤوا خطأ وكتبوا عن طريق الخطأ. وليت كل من جاء كان على منهجهم.

 

كاتب لم يهادن الحياة

هو ابن عائلة فقيرة، توقف عن الدراسة في سن مبكرة لمساعدة عائلته التي لا تملك من قوت يومها لتعيل دراسته.

يقول مينه إن الحياة لم تهادنه وهو لم يهادنها، بل واجهها وقاومها لأنها لا تخيفه، إذ يرى أن خلاصة تجربته في الحياة كلها هي الاّ يخافها.

جاء ذكرا لينتصر لنذر أمه التي أنجبت البنات في زمن تحقّر من لم تنجب فيه ولدا.

يقول “ولدت بالخطأ بعد 3 بنات، نتيجة نذر وأتيت عليلا وقاومت وتغلبت على الحياة فكانت الخطيئة الثانية وأخيرا كتبت فكانت الطامة الكبرى”.

لم يفكر الأديب السوري (94 عامل) في الكتابة يوما بل كانت نتاج تجربة عميقة عرف خلالها ما لم يعرفه طالب جامعي أنهى رسالته ببحث.

 

 

انطلق في كتابة الرسائل للجيران كخدمة اجتماعية لهم واستلهم من تجاربه اللاحقة ليجد في نفسه القدرة على الكتابة الروائية.

وجد أن ما كتبه في البداية متواضعا، واعتبرها قصصا فاشلة، ضاعت ولم يأسف عليها.

 

أدب البحر في كتابات مينة

عرف مينه بـ الكاتب المكافح، حيث امتهن أعمالا كثيرة ليواجه ما يسميه بـ”الفقر الأسود” ولم يترك عملا في الحياة إلا وجرّبه، في الميناء ومراكب البحر وكأجير صيدلي وحلاّق وصولا إلى صحفي.

يقول “وبعد ذلك وجدت نفسي كاتبا ولا أدري كيف”.

تميزت كتاباته بتوظيف فكرة العدالة الاجتماعية مدافعا عن حق كل إنسان في الحياة والرغيف والملبس… وقد فرضت طبيعة حياته وقسوة واقعه ذلك التوجه الذي لم يكن اختيارا منه. إذ يقول ” أنا فتى الميناء وهذا ليس باختياري”.

فقد انتمى الكاتب السوري الى طبقة الكادحين بمدينة اللاذقية في الساحل السوري وقربه من البحر وتجاربه التي خاضها في مواجهة أمواجه ساهمت في تمثله في رواياته التي علقت بها السفن والموانئ والرحلات، حتى أن البعض صنف أعماله في خانة “أدباء البحر” التي يفتقدها الأدب العربي الحديث.

 

وشبه بعض النقاد كتاباته بأعمال الكاتب الأمريكي “إرنست همنغواي” وخاصة رواية “العجوز والبحر”.

وبين من برى أن البحر لعنة كتاباته أو متلازمتها، نجح حنة في اختراق الجانب الإبداعي بواقعيته ليصبح أحد أهم رواد “الواقعية الاجتماعية”.

قال عنه الناقد غالي شكري “هو فنان واقعي بأرحب معاني الواقعية وأكثرصورها خصوبة وغنى، إنه يعاني الواقع بكل ذرات دمه”.

كما عرف مينه بنضاله ضد الانتداب الفرنسي وسجن 9 مرات ونفي 3 مرات منهم 10 سنوات قضى فترة منها في الصين.

 

مينه والمرأة الدجاجة

“انا لست قناصا أو صيادا ولا أحب امرأة لأجل أن أكتب قصة حب، أحب المرأة للمرأة “.

يعتبر الكاتب السوري أن المرأة رغم المكاسب التي حققتها تبقى مظلومة، لان المجتمع العربي هو مجتمع ذكوري سلطوي.

ويرى أن الرجل العربي يتمثل دور “عنتر” ومهما كانت مكانة المرأة وعلت حين تعود الى البيت تجد هذا العنتر في انتظارها لخدمته، رغم أنها الالية التي تصنع التقدم الاجتماعي.

 

يقول في أحد لقاءاته الإعلامية “أبيح لنفسي ان أكون حرا ولا ابيح لزوجتي وابنتي ذلك”.

عرف عنه تشبيهه للمرأة بالدجاجة حين قال “المرأة ام الوطن وهي أشبه بالدجاجة أمام زوجها الجبار ولكنها بهية حتى وهي ضحية”.

وقد عاب البعض عليه كتاباته الخادشة للحياء عن المرأة وردّ بأنه ليس كاتب إثارة ولكن السياق يفرض ذلك”.

يرى مينه أن المعرفة هدية السماء الى الأرض ولكن ما كتبته بالنسبة إليه لا يعوض جملة واحدة من اعز الناس اليه في ظل وحدته القاسية.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد