سياسة

الضربة العسكرية الأمريكية.. وموازنة الخيط الرفيع  في سوريا

 

لا تزال تداعيات الضربة العسكرية الثلاثية للولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا على الأراضي السورية تدوي في الاجواء الدولية، لكن تلاشي صوت الصواريخ “كروز” ومضادات الصواريخ الروسية “قديمة الطراز”، أفسح المجال لتحليل ابعاد هذه الضربة وتحديد الرسائل التي حملتها للاطراف المتواجدة جنبا إلى جنب في سوريا.

اختلفت التحليلات بين من يرى ان الامر لا يعدو كونه حفظا لماء وجه ترامب بعد ان هدد مرارا بقصف مواقع سورية، مستدلين على ذلك بضعف الخسائر وعدم حدوث أضرار ميدانية لنظام الأسد.

فيما فسرت اطراف اخرى موالية لمحور الشرق الإيراني السوري الروسي انها ضربة تافهة لم تستطع تحقيق المأمول منها للتصدي “العميق” والجاهزية العسكرية لقوات الاسد وبوتين في المنطقة احبطت العملية كلها.

 إعادة رسم الخطوط الحمراء

القوات الامريكية على الاراضي السورية

يجب قراءة العملية العسكرية الامريكية الاخيرة على ضوء توازنات القوى في منطقة الشرق الاوسط منذ السنة الاخيرة نظرا لتسارع الاحداث فيها، وتحديد المصالح ذات الأولوية القصوى لكل من الدول المتصارعة.

منذ قصفها لمطار الشعيرات السنة الماضية، في ريف حمص الشمالي العام الماضي، جراء اتهامات  لنظام الاسد باستهداف المدنيين بغازات الأعصاب السامة في خان شيخون بمحافظة إدلب.

هددت الإدارة الامريكية النظام السوري والروسي بمهاجمته إذا ما تم استخدام السلاح الكيماوي”مجددا” في الحرب الدائرة، لذا، ما ان راج نبأ وقوع هجوم  كيماوي في منطقة دوما المحاصرة حتى استنفرت القوى العالمية الغربية لاتهام روسيا والنظام السوري بتنظيم هجوم على المدنيين.

توالت ردود الأفعال العالمية سريعا بالإدانة، و رغم تحذيرات منظمة  الامم المتحدة من الدخول في مواجهة عسكرية، إلا ان الولايات المتحدة  نظمت للهجوم الجوي صباح السبت الماضي 14 آبريل/نيسان على مواقع محددة مرتبطة بمصانع لتصنيع السلاح الكيماوي  وهي مركز للأبحاث العلمية بالقرب من دمشق على صلة بإنتاج الأسلحة الكيميائية، ومنشأة لتخزين أسلحة كيميائية بالقرب من مدينة حمص، ومركز قيادة على مقربة من العاصمة.

لمدة ساعتين، سقط اكثر من 110 صاروخ امريكي / بريطاني /فرنسي على مناطق من دمشق، ورغم قوة وعنف القصف إلا انه لم يوقع اضرارا تذكر، إذ تصدت لها مضادات الصوريخ الروسية “القديمة” لتسقط لوحدها أكثر من 70 صاروخا.

الأسباب العميقة

يذهب محللون الى ان الاسباب العميقة للضربة الأمريكية تعود إلى الاختراقات “الأمنية” للمجال الجوي الاسرائيلي من الجانب السوري التي قامت بها إيران واسقاطها لطائرة دون طيار في فبراير الفارط.  هذا ما اعتبرته واشنطن إهانة لوجودها وعدم احترام لمناطق نفوذها، ناهيك عن التزايد المستمر للتهديدات الإيرانية على الحدود اللبنانية مع سوريا واختراق الخطوط الحمراء للنفوذ الامريكي الاسرائيلي، والتمدد الروسي في المنطقة.

ترامب كان قد صرح أن  الضربة رسالة للرئيس بوتين،  “وهجوم الأسد الكيمياوي والرد اليوم هما نتيجة مباشرة لفشل روسيا في الوفاء بوعودها”.

وقد تبنى وزير الخارجية الفرنسي بالتعبير عن نفس الموقف “لست متأكدا أن بشار يسمع كل شيء، لكنني أعتقد أن فلاديمير بوتين قادر على سماع هذه الرسائل”.

وضوح الرسائل السياسية عقب الضربة مباشرة يبرهن على ان المسالة تتعدى مسالة الهجوم كيماوي على دوما (من عدمه)، وترجح ان الهدف هو التاكيد على ان القوى الغربية لا زالت فاعلة في الساحة السورية، ومحاولة من أمريكا لاستعادة هيبتها أمام دافعي الضرائب الامريكيين.

من جهة أخرى، شكلت الضربة اختبارا لجاهزية الأرضية السورية في حال حصول مواجهة بين التحالف الغربي والحلف الشرقي، واختبار ردود الأفعال الدولية تجاه انتهاك الأراضي السورية بقصف جوي حتى ولو كانت أسبابه هي حماية المدنيين، عبر قصفهم من جديد.

ضربة محدودة

اقتضى الامر من امريكا أسبوعا كاملا كي ترد بضربة جوية كان من الممكن ان يتم ترتيبها في ساعات، وكان الهدف من ذلك إثارة ضجة دولية كبرى وحشد اكبر عدد من الإدانات ضد روسيا والنظام السوري، وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة لهما كي يؤمّنا على المواقع العسكرية الهامة في سوريا.

لذا فلم توقع 110 صاروخ “كروز” الذكية المتطورة سوى 6 جرحى و تدمر الا 3 مبان تابعة للنظام السوري..فقط.

الصراع على تصدر الساحة الدولية وتنامي النفوذ الروسي يدفعان واشنطن والدول الأوروبية إلى العمل لتحجيم  حضور موسكو الدولي المطرد في ملفات عدة.   انطلقت  عمليات الحشد ضد روسيا منذ حادثة الجاسوس البريطاني “ساكريبال”، تلتها الغوطة الشرقية واحداث دوما، وكلها تهدف الى كبح  جموح الدب الروسي.

لكن مع ذلك تبقى المواجهة المباشرة بين روسيا وامريكا على الأراضي السورية مستبعدة في الوقت الحاضر، إذا اخذنا بعين الاعتبار الاعلام الذي تقدمت به الدول الثلاث لروسيا قبل أيام من الهجوم بتنفيذ ضربة عسكرية دون تحديد مواقعها. وهو ما يؤكد ان التنسيق تم بين جميع الأطراف كي يبقى الوضع معلقا على خيط رفيع وهش من المصالح المشتركة والمحسوبة بدقة.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد