مجتمعغير مصنف

” قبر الحياة”: حلم تونسيين تبدده الأسعار

 

في حي النصر أحد أكبر حظائر البناء والتطوير العقاري في العاصمة تبدو أغلب البنايات الحديثة مقفرة رغم أنها تمثل حلما لكل من تقع عيناه على تلك البنايات العصرية والفاخرة .

لكن بين الحلم والحقيقة مسافة طويلة يحتاج التونسي الذي يحلم بامتلاك شقة إلى قطعها لهثا وراء قروض مصرفية قد ينقضى العمر ولا يسطيع تسديدها ، فارتفاع أسعار العقارات في السنوات الأخيرة يبدد من عام إلى أخر طموح التونسيين بامتلاك منازلهم  أو ما يسمونه بـ”بقبر الحياة” .

ويعرف التونسيون عموما بحبهم لامتلاك منازلهم وإيلاء هذا الشأن الأولية في المدخرات الأسرية غير أن احصائيات معهد الاستهلاك الحكومي تشير إلى أن 30 بالمائة من التونسيين لم يحققوا هذا الحلم رغم وجود فائض عقاري يفوق ال430 ألف شقة لم تلق طريقها بعد للتسويق .

 

 

السكن في علب الكبريت

ويقول الشاب سليم زريبة أنه يتردد على حظائر البناء والأشغال  في مختلف ضواحي العاصمة شمالا وجنوبا بحثا عن شقة رصد لها 150 الف دينار أي نحو 62 ألف دولار  مشيرا أنه في رحلة البحث وجد أنواعا وأصنافا عديدة من الشقق بمختلف الأحجام غير أنه استخلص في نهاية رحلة البحث أن المبلغ الذي رصده لا يوفر له إلا علبة كبريت .

ويضيف سليم في حديثه لمجلة “ميم”  ال150 الف دينار لايمكن أن توفر له إلا شقة  تتكون من غرفتين وصالون لا تتجاوز مساحتها الجملية ال80 مترا ولا تحتوى حتى على شرفة أو فضاء خارجي يسمح بنشر الغسيل ما أصابه بشبه الصدمة بسبب الغلاء المفرط لأسعار العقارات وعدم ملائمتها ومستوى أجور حتى كبار الموظفين.

وبين خياري  السكن في علبة الكبريت أوالسكن في بيت مؤجر بمساحة محترمة ويتوفر فيه الحد الأدنى من الكماليا يقول سليم أنه خير الاستمرار في تأجير شقة ب750 دينارا شهريا مؤجلا حلم امتلاك شقة إلى أجل غير مسمى حسب قوله.

قوانين متكلسة

وتسبب ارتفاع أسعار العقارات بأكثر من 40 بالمائة في السنوات السبع الماضية في حالة ركود غير مسبوقة في القطاع بحسب رئيس غرفة الباعثين العقاريين فهمي شعبان الذي أكد أن  نسبة المبيعات هذا العام تقارب الصفر.

السيد فهمي شعبان

بسبب إدراك غرفة المطورين للمخاطر الحقيقية التي تهدد قطاعهم، قال رئيسها فهمي شعبان

إن المهنيين تقدموا بحزمة حلول إلى محافظ البنك المركزي مروان العباسي، من أجل دعوة المصارف التجارية إلى تنفيذها، وتتعلق أساساً بتمديد فترة سداد القروض العقارية وخفض حصة التمويل الذاتي من 30% حالياً إلى 10%.

وقال شعبان  في حديث لمجلة “ميم” إن المصارف في جميع دول العالم تخلت عن الشروط المجحفة والقوانين المتكلسة التي تعتمدها البنوك التونسية في توفير القروض السكنية، مشيراً إلى أن شروط التأجير حالياً لا تسمح لنحو 80% من التونسيين الذين يمثلون الطبقة الوسطى، بسداد أقساط تفوق 700 دينار شهرياً، أي نحو 300 دولار.

وأضاف أن معدل أجور كبار موظفي القطاع الحكومي لا يتجاوز 1800 دينار ( 750 دولاراً)، متسائلاً كيف لموظف أن يتحمل بقية مصاريف المعيشة إذا تخلى عن ثُلثي راتبه لسداد قسط اقتناء شقة سعرها 250 ألف دينار.

 

ولفت رئيس الغرفة إلى أن سعر المتر المربع الواحد يراوح حالياً بين 1400 و3500 دينار (583 دولاراً و1450 دولاراً)، بحسب المنطقة  مؤكداً أنه لا يوجد أي مؤشر إلى تراجع أسعار العقارات ما يستوجب البحث عن حلول لمصلحة المشترين قبل أن يغلق أمامهم أفق امتلاك مساكن نهائياً.

واعتبر أن ارتفاع أسعار الشقق مردّه زيادة أسعار كل مدخلات البناء من حديد وإسمنت وأجر ومواد منشئية، بنسبة بين 7% و10% سنوياً  فضلاً عن تأثير المواد المورّدة في تراجع سعر الدينار مقابل اليورو والدولار.

 

تدخل حكومي لكن ….

وتؤكد الإحصائيات الرسمية لوزارة التجهيز والإسكان التونسية، أن نحو 23% من التونسيين لا يملكون مساكن، فيما ترتفع نسبة البناء الذاتي للمساكن إلى ما يقارب 77% مقابل 20% ينجزها المطورون العقاريون المرخص لهم، و1.7% من بقية المساكن سيتم إنجازها عن طريق المطورين العقاريين العموميين.

وتستحوذ تجارة الشقق السكنية على نحو 700 مليون دولار من معاملات القطاع العقاري، خاصة في منطقة تونس الكبرى (محافظات تونس ومنوبة وبن عروس وأريانة) والمناطق الشرقية ومدينة صفاقس

وسعت الحكومة خلال طرح برنامجها لدعم شراء السكن الأول إلى مساعدة الأسر التونسية إلى تحقيق حلم إمتلاك المسكن غير أن تقدم هذا البرنامج الحكومي يسير ببطء بسبب صعوبات المالية العمومية  وعدم قدرة الدولة على توفير اعتمادات ب500 مليون دينارأي نحو 208 مليون دولار لتمويل هذا البرنامج الذي يمكن الأسر ذات الدخل المحدود من الحصول على منحة حكومية وقروض ميسرة لتمويل السكن الأول .

اقتصاد مهدد

حسب الخبير العقاري نور الدين شيحة، فإن قطاع التطوير يمر بأسوأ فتراته بالرغم من تواصل مشاريع البناء، مشيرا إلى أن توقف التطوير يعني توقف عجلة مهمة في الاقتصاد، وهو ما قد يتسبب في أزمة بطالة اليد العاملة في البناء والكهرباء وغيرها من اختصاصات الإنشاء والتطوير.

واعتبر شيحة، وفق تصريحه لمجلة “ميم”  أن التطوير العقاري يحتاج إلى ميلاد جديد في تونس انطلاقا من مراجعة التشريعات وصولا إلى إعادة النظر في شروط التمويل عبر المصارف فضلا عن مراجعة الإتاوات المفروضة عليه والتي وصفها بالمبالغ فيها.

ويحتاج القطاع ضخ دماء جديدة في السوق، وفق الخبير نور الدين شيحة، الذي أكد على ضرورة خلق شريحة جديدة من المشترين للمساكن وهم الشباب ومتوسطو وكبار موظفي الدولة، لافتا إلى أن الأجور التي تتقاضاها هذه الشرائح لا تمكّنها من اقتناء مساكن بالنظر لمحدودية التمويلات التي تمنحها المصارف والتي لا تتجاوز في أقصى الحالات 40% من المرتب.

تشير الإحصائيات الرسميّة إلى تراجع إقبال التونسيّين على شراء المساكن بنسبة 8% خلال السنوات الأخيرة.

ويثير الركود العقاري الذي تشهده تونس منذ نحو عامين قلقاً متزايداً لدى العديد من المستثمرين العقاريين، الذين باتوا في مرمى المصارف التجارية التي بدأت بملاحقتهم من أجل سداد القروض الممنوحة لهم من أجل تنفيذ مشروعاتهم، وزادت المعاناة خلال الفترة الأخيرة بعد رفع سعر الفائدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد