مجتمعالرئيسي

مع فتيحة…حارزة حمام تعيل أسرتها

مجتمع

 

فتيحة إمرأة أخذت على عاتقها مسؤولية عائلتها منذ أن أصيب زوجها بمرض القلب، الذي اجبره على البقاء في بيته وتجنب القيام بأي مجهود بدني كبير كي لا تتعقد وضعيته الصحية أكثر.

 

هي أم لأربعة أطفال عمر اكبرهم  12 سنة وأصغرهم أربع سنوات تروي لنا قصتها فتقول “دخلت معترك الحياة بعد أن أصيب زوجي بأزمة صحية وأصبح غير قادر على توفير حاجياتنا اليومية ومستلزمات البيت”.

بحسرة تحدثنا فتيحة على الوضع الذي ألم بعائلتها قائلة “بحثت طويلا عن عمل كمنظفة في احدى الإدارات إلا انني  لم أوفق في ذلك”.

 

بعرق جبيني أجمع قوت أبنائي

بعد أن تنهي فتيحة عملها المنزلي، وتطمئن على وصول أبنائها الأربعة إلى مدرستهم، تتجه إلى الحمام للعمل فيه ك”حارزة” بلهجة أهل تونس، اي عاملة في حمام عربي تدلك اجساد النسوة وتساعدهن على تخليصها مما علق بها من أدران.

استغلت فتيحة فرصة احداث حمام عمومي جديد بمسقط رأسها الكائن في محافظة القصرين، للعمل فيه كحارزة، “خدمة النهار ما فيها عار.. والخبزة صعيبة.. بدأت عملي في الحمام الشعبي منذ قرابة العام”.

منذ أن تطأ قدماك باب الحمام تداعبك رائحة البخور تعطر الأجواء.. الحركة لا تهدأ في البهو، وهو عبارة عن قاعة كبيرة، فُرشت بالوسائد والحصائر، أين تجلس النسوة وتضع فيها الأدباش الخاصة.

يخير التونسيون الذهاب إلى الحمامات الشعبية باعتبارها مكانا للاستجمام وعلاج آلام الجسد بالماء الساخن والتدليك.  كما يقصدون الحمامات المنتشرة في كل المدن منذ قرون رفقة اقربائهم وأصدقائهم للتسلية والترفيه عن النفس، والتسامر والتواصل الاجتماعي.

وتُعتبر الحمامات من الأماكن التي يستقصي زائرها عن أخبارها  وحكايات اَهلها. وهي الى ذلك مورد رزق لآلاف الأسر التونسية.

 

أشعر بالاختناق أحيانا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، فالحمام في فصل الصيف جحيم لا يطاق.. لكني لا املك التوقف عن العمل، وإلا بقيت بُطُون أفراد اسرتي خاوية

“خدمة النهار ما فيها عار”

 تبدأ فتيحة يومها بتنظيف بهو الحمام، وترتيب الحشايا والأماكن التي تجلس فيها النسوة لتغيير ملابسهن، فمن الضروري أن تتواجد في مكان عملها قبل مجيء هؤلاء إلى الحمام،

على الساعة السادسة  أنطلق في عملي وأنظف الحمام لاستقبال النسوة، اللاتي يشرعن في التوافد علينا منذ الثامنة صباحا. حينها أكون قد أتممت التنظيف لانطلق في العناية بهن” .

تخبرنا فتيحة وهي تواصل حركتها دون توقف فهي الحارزة الوحيدة في هذا الحمام كثير الزوار، فهاهي تحضر الماء الدافئ والساخن لهذه، وهاهي تنحني لتدلك جسد تلك المسترخي على المصطبة بواسطة خرقة قماش خشنة يطلق عليها التوانسة اسم “الحكاكة” التي تمرر على الجلد ذهابا وإيابا بعد تشربه بالبخار الحار فتزيل الأوساخ المتراكمة عن الجسد، ولا تترك جزءا منه الا وقد نقته من ادرانه.

هو عمل شاق، ففيما تتمدد الزبونات وتسترخي، تنكب فتيحة على خدمتهن بظهر منحن ويدين لا تتوقفان عن الحركة. وفيما تمضي النسوة ساعة او اثنتين يستمتعن بالبخار الساخن المتصاعد  الذي يملأ الارجاء فلا تكاد ترى ابعد من يدك ويغدو التنفس صعبا، تقضي فتيحة جل يومها في المكان، “حتى اشعر ان جلدي يكاد ينسلخ من بدني، مع أدران الأجسام التي ادلكها”..

تخبرني وهي تسير بخطوات ثقيلة حاملة في يديها دلوين حديدين ملأتهما بالماء الحار المتدفق: “أمضي أغلب أوقات اليوم في تدليك اجساد النساء مقابل دينارين وخمسمائة مليم، وهو مبلغ زهيد، مقارنة بمشقة العمل وصعوبته، خاصة في فصل الصيف”.

والصيف يفاقم من معاناة فتيحة ومثيلاتها، اذ ترتفع الحرارة في هذا البلد المتوسطي، ويغدو العمل اكثر مشقة.  

“أشعر بالاختناق أحيانا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، فالحمام في فصل الصيف جحيم لا يطاق.. لكني لا املك التوقف عن العمل، وإلا بقيت بُطُون أفراد اسرتي خاوية تتضور جوعا”.

تقول فتيحة “العمل في هذه المنطقة قليل والأرباح شحيحة فأغلب النسوة لا يدلكن أجسادهن عند الحارزات، حتى يوفرن المال في منطقتنا التي تنتشر فيها البطالة.. احيانا أمضي يومي في تنظيف ارجاء الحمام والذي عادة ما يكون دون مقابل وفق الاتفاق بيني وبين صاحبة الحمام”.

 

 

وتضيف بالقول :” الأستاذات والموظفات هن غالبا ما يكن زبوناتي، لذلك أجني بعض المال يوميا.. ورغم الجهد الكبير الذي أبذله لا اعود في اخر اليوم الا ببعض الدنانير في جيبي”.

 

أمضي أغلب أوقات اليوم في التنظيف وتدليك اجساد النساء مقابل 2500 مليم، وهو مبلغ زهيد، مقارنة بمشقة العمل وصعوبته خاصة في فصل الصيف

 

الحارزة والنظرة الدونية

وعن نظرة المجتمع إليها، تؤكد محدثتنا أنها لا تعير اهتماما لما يقوله الناس عن مهنتها، فهدفها الوحيد هو إعالة أبنائها وزوجها المريض. “انا هنا لكسب قوت أبنائي ولا يهمني احتقار الناس لمهنتي. انا مقتنعة ان عملي شريف وانا اتفانى في انجازه كي يبارك لي ربي في رزقي ويعينني على ابنائي الصغار ويشفي زوجي”.

ينظر المجتمع التونسي للحارزة نظرة دونية، فهي من بين المهن التي تعد وضيعة، رغم انها متجذرة في التراث التونسي العريق. وقد درج الناس على وصم من يودون الحط من شانها بالحارزة، عكس “الطياب”، اي العامل الذكر في حمامات الرجال.

حتى ان المصطلح بات يستخدم في المجال السياسي بعد الثورة من منتسبين لتيارات تنتسب للحداثة وتدعي الدفاع عن حقوق المراة، للتعريض بنائبات احزاب محافظة  يرتدين زيا محتشما  ويغطين شعورهن،  للتعريض بهن والتحقير من شانهن، في خطاب استعلائي طبقي يثير الاشمئزاز. 

وفي هذا السياق، تقول فتيحة “ليقل الناس ما يريدون، فعندما يجوع أبنائي لن يطعموهم معي.. لا أعير لما يقولون بالا، انا مستعدة للعمل في أي مكان لإطعام أبنائي مادمت أوفر لهم لقمة نظيفة بشرف”.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد