مجتمعثقافةغير مصنف

د. أماني صالح: النسويات الغربيات يخلطن بين فكرة المساواة والتشابه وثمة حاجة لدعم المشروع النسوي الإسلامي العربي

حوار مع د. أماني صالح عن النسويّة الإسلامية في مصر (1-2)

 

ثمّة العديد من الأسئلة التي يمكن طرحُها على تيار “نسويّ” يلتزم بالمرجعية الإسلامية، وفي الوقت ذاته يقدّم نفسه كتيار مستقل عن التيارات “النسوية” العلمانية\التغريبية التي لا يمثّل لها الإسلام مرجعية حاكمة، وعن التيارات “الإسلامية” التقليدية التي لم تستطع التفرقة في الدين بين ما هو مقدّس وما هو بشريّ قابل للنقد والتطوير، ومن ثمّ بقيت نظرة تلك التيارات لقضايا المرأة أسيرة آراء وأحكام تضع النساء كجنس في منزلة أدنى وتقيّدهن بأشكال شتى من الهيمنة الذكورية “المقدّسة”، وهي رؤية لا يمكن أن تُرضي بطبيعة الحال تيارا يؤمن بالمساواة الإنسانية الكاملة بين الجنسين، رغم الاختلاف.

 

بَدَت البداية مبشّرة لتيار النسوية الإسلامية في مصر على يد المفكرة د. منى أبو الفضل (1945-2008م) أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومؤسسة جمعية دراسات المرأة والحضارة بالقاهرة  في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حيث اهتمّت د. منى بتأسيس منظور إسلامي مختلف لقضايا المرأة يقوم على نقد للفكر الغربي وللتراث في الوقت نفسه، أطلقت عليه المنظور الحضاري المعرفي لدراسات المرأة“، وذلك في إطار اهتمامها الأشمل بالرؤية الإسلامية\التوحيدية في مقابل الرؤية الغربية، معتبرة الاشتغال على قضية المرأة “بمنزلة الوقوف على ثغر من ثغور الأمة”، وأن إصلاح واقع المرأة هو أحد الشروط الأساسية لإصلاح واقع الأمة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي لأي خطاب نسوي الانفلات عن مدار خطاب الأمة العام، إذ لا يمكن السعي لإصلاح حال المرأة  بمعزل عن تصحيح مسار الأمة.

 

وقد كان للجمعية نشاطها البحثي المعتبَر، الذي أنجزته مجموعة من الباحثات الأكاديميات، لا سيما من تلميذات د. منى، ونُشِر بدورية الجمعية. إلا أن صعوبات عديدة حالت دون التطوّر المنتظر للتيار طوال تلك السنوات، سواء من حيث إعداد كوادر بحثية، أو تحقيق التراكم المعرفي، لا سيّما بعد رحيل د. منى، المؤسِّسة والداعمة، وإن استمر التيار في الوجود بصور مختلفة رغم المعوّقات، بغضّ النظر عن مدى قوة هذا الوجود وانتشاره، ويبقى المستقبل دائما مفتوحا لكلّ الاحتمالات.

 

وإذا أردنا  الحديث الآن عن هذا التيار في مصر، حديثا مفصّلا يجمع بين التاريخ والحاضر وإمكانات المستقبل، من أجل المزيد من الفهم لفكر التيار ورؤاه وما يواجهه من معوّقات، فربما لن نجد من هو أكثر تخصّصا وحماسا من د. أماني صالح أستاذة العلوم السياسية بإحدى الجامعات المصرية الخاصة، والرئيسة الحاليّة لمجلس إدارة جمعية “دراسات المرأة والحضارة” بالقاهرة.

درست د. أماني العلوم السياسية في جامعة القاهرة وتخصّصت في نظم الحكم، وقادها اهتمامها بالفكر السياسي الإسلامي إلى إنجاز رسالتها للدكتوراه عن أزمة الشرعية في مؤسسة الخلافة الإسلامية. وقد جاء اهتمامها بالفكر النسوي من خلال علاقتها بأستاذتها الدكتورة منى أبو الفضل، وكانت فكرة “القوة” كميكانيزم اجتماعي مؤسس للتنظيم الاجتماعي ولصياغة العلاقات الاجتماعية هي الرابط الذي نقلها من الفكر السياسي إلى قضية المرأة. وهي تُعنى بقضية نقد التراث ونقد الفكر الغربي في نطاق الدراسات النسوية، وقد أنجزت في هذا السياق العديد من الأبحاث منها:

* “المرأة والمجال العام في الإسلام ..نقدُ للخطاب الأيديولوجي الذكوري حول قضية الحجاب وطرح لخطاب نسوي بديل”

* “المساواة: نحو التجديد في بناء أصول العلاقة بين المرأة والرجل”

*  ” الأبعاد المعرفية لنسوية إسلامية”

* “من النكاح الى الزواج .. نحو تعريف اجتماعي للزواج في الفقه الإسلامي”

* “المرأة العربية والمجتمع في قرن.. تحليل وبيبليوجرافيا للخطاب العربي حول المرأة في القرن العشرين” – تحرير

* “قضية النوع في القرآن: منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة”

* “المرأة المسلمة بين قرنين: الإنجازات والتحديات “

* “نحو منظور إسلامي للمعرفة النسوية”

 

كما تناولت في أبحاثها قضايا مثل القوامة كمفهوم أسيء فهمه وتطبيقه ولها في قضايا منهجية الفكر الإسلامي مجموعة من الأبحاث:

  • “التاريخية هل هي مدخل للاجتهاد في النص أم للخروج على النص: نموذج حامد أبو زيد”
  • توظيف المفاهيم الحضارية في التحليل السياسي: الأمة كمستوى للتحليل في العلاقات الدولية”
  • منهجية التجديد من خلال الاستفادة من بعض الاقترابات والمفاهيم والأدوات الغربية: نموذج لتوظيف الاقتراب البنائي- الوظيفي في المنهجية الاسلامية.

 

وقد كتبت  د. أماني مقالا بعنوان النسوية الإسلامية كحركة فكرية“، نُشِر قبل عام على موقع مركز خطوة للتوثيق والدراسات ( مارس 2017)، وهو المقال الذي يمكن اعتباره مقالا “تأسيسيا” فيما يتعلق بتوضيح فكر التيار. حول ما طُرِح في هذا المقال من أفكار لا بد أن تثير بطبيعة الحال السؤال والجدل، وحول مسائل أخرى، يدور حوارنا معها، وهو حوار مطوّل ننشره على جزءين.

 

  • عرّفْتِ النسوية الإسلامية بأنها “التيار الفكري والحركي الذي يسعى إلى تحرير وإنصاف وتمكين النساء على أسس مرجعية إسلامية قاعدتها القرآن والسنة الصحيحة والاجتهاد” ، على مَن تحديدا ينطبق هذا التعريف؟ فهناك اتجاهات مختلفة في العالم تندرج تحت اسم “النسوية الإسلامية”، فهل تقصدين التيار في مصر؟ وهل يمكن بالفعل اعتباره تيارا أو مدرسة أم هو مجرد جهود فردية ما زالت بحاجة إلى تشبيك وتطوير وبلورة؟ هل يقتصر وجوده على مصر أم يمتد لبلدان عربية أخرى؟ أين يتفق وأين يختلف هذا التيار مع تيارات النسوية الإسلامية الأخرى؟ ألا ترين أن عدم وجود معيار واضح للفصل يمكن أن يؤدي إلى خلط أو يعود بالسلب على قبول اجتهادات هذا التيار مع وجود اجتهادات نسوية “إسلامية” تبدو غير ملتزمة تماما بحدود هذا التعريف، إذ تلجأ للتأويل التعسّفي للنصوص أو القول بتاريخيتها بما يجعل أفكارها  مناقضة للثوابت الإسلامية التي يؤكد تعريفك الحرص على الالتزام بها؟

 

ينطبق التعريف من حيث المبدأ على كل من يدور في إطاره، أي كل من يسعى لإنصاف وتحرير ومساواة المرأة من داخل المنظور الإسلامي وبالالتزام بمعاييره الصحيحة والثابتة والمنزلة وليست القائمة على تأويلات وأهواء واجتهادات بشرية.. فإذا كانت هناك اجتهادات بشرية تدّعي أن المرأة كائن أدنى مكانة من الرجل فمن المشروع تماما ظهوراجتهادات أخرى مغايرة تنصف المرأة.. لها نفس الحق في الوجود والتعبير عن نفسها.

مشروع النسوية الإسلامية داخل العالم العربي يعاني بكلّ صراحة من غياب الدعم ومن تشوّه فكرة ” التنظيم” والتشبيك، خاصة مع المشكلات السياسية الراهنة التي اقترنت فيها فكرة التنظيم والدعم المادي بمخاطر التآمر الخارجي .. ونتيجة لذلك أصبح الذين يعنون بهذه الفكرة أفرادا متناثرين في شتى البلدان العربية..

عملية التشبيك والربط بينهم تعرضت للطمة شديدة نتيجة تسييس فكرة التنظيم الإسلامي مع ظهور وصعود تيار الإخوان في العمل السياسي، فأصبحت فكرة التنظيم والربط محلّ شبهة في ذاتها، فما بالك بتنظيم تيار فكري يحمل صفة الإسلامي دون تمحيص في كون هذا التيار ذا منحى تقدّمي يواجه كافة التيارات الإسلامية التي تصطبغ بسمة التقليدية والمحافظة ..

 

المهم في قضية المرأة والرجل هو تقرير مبدأ المساواة كقاعدة في العلاقة بين النوعين، يرتكز على أسس إنسانية ووجودية

 

ولعلّ أبرز مثال على ذلك حالة التجاهل التام التي تتخذها  بيروقراطيات تنظيمات المرأة الرسمية، سواء على المستوى المحلي أو العربي، والتي حتى لم تعنَ بمجرد التعرّف على أبعاد هذه الفكرة وما إذا كان من الممكن أن تستفيد منها جزئيّا أو كليًّا، وهذا ليس غريبا لأن البيروقراطيات دائما في حالة عداء مع الفكر.

يرتبط بما سبق ويضاف إليه تخلّي الجامعات والجهات الأكاديمية عن مساندة هذا التيار الفكري وتشجيعه وإن في إطار الدراسات الأكاديمية، وهذا أمر غريب بالنسبة إلى الدور العائل الذي تقوم به مثلا أكاديميات الغرب في تطوير الأفكار النسوية، لكنّها مسألة يمكن فهمها في ظل غياب روح المبادرة والإبداع عن الحالة الأكاديمية العربية والمصرية وزحف القواعد البيروقراطية إلى العمل الجامعي.

على أي حال فالتهميش والاغتراب هو قدَر الحركات الفكرية والاجتماعية خاصة في المجتمعات المحافظة التي لم تقتنع بعد بحتمية التطوّر.. ورغم الضعف الذي تشهده مثل تلك الأفكار في بدايتها فإنه لا بد من الاعتراف بأنه يرتهن بتطورها إحداثُ تغييرات حقيقية واستراتيجية في المجتمع، هذا في العموم سواء بالنسبة للنسوية الإسلامية أو غيرها .

ومع ذلك فسمة التيار أو المدرسة لا ترتهن فقط بالتنظيم بل قد يكون التنظيم والتشبيك ضدها لأنه غالبا ما يُسفر عن تحول الحركات الفكريّة الى أيديولوجيات منغلقة على ذاتها وذات طابع قطعي دوجمائي ..التحرر من التنظيم والتشبيك يثري الحركة الفكرية..

  • لكن أيضا التنظيم والتجمّع يعطي فرصا للتطور والتراكم المدروس وفق خطة ويمنع تناثر الجهود..

التنظيم عمل حزبي وسياسي ربما يكون مناسبا لتيار نسوي حركي ينظم حملات وفعاليات و تحركات ضغط لصالح المرأة وهذه مسألة أخرى خلاف المسألة الفكرية التي هي بطبيعتها فردية. والتفاعل الجماعي فيها قائم على الجدل والعصف الذهني وهذا ما أنا معنية به.

استكمالا لما سبق، ثمة مشكلة أخرى لا بد من الاعتراف بها تعود إلى عناصر النسوية الإسلامية ذاتها، بوصفهن نساء عاديات يعشن كل مشكلات وصعوبات وطنهن..فمن جملة الأسباب التي تعطّل تطور هذه الحركة الفكرية – في ظل غياب التبنّي والدعم من أية جهة- انغماس النسويات الإسلاميات في هموم وانشغالات الحياة.

 

بيروقراطيات تنظيمات المرأة الرسمية، سواء على المستوى المحلي أو العربي لم تعنَ بمجرد التعرّف على أبعاد هذه الفكرة وما إذا كان من الممكن أن تستفيد منها جزئيّا أو كليًّا، وهذا ليس غريبا لأن البيروقراطيات دائما في حالة عداء مع الفكر

 

أما بالنسبة لسؤالك المتعلّق بضمانات التزام المعنيات بالنسوية الإسلامية بالمرجعيات والثوابت فهذا سؤال لا محلّ له في الحديث عن تطور فكرة أو حركة فكرية.. هل كانت قوة المرجعية الإسلامية في صدر الإسلام أو حتى الدولة الإسلامية  ذاتها ضمانا لمنع تطور أفكار يعتبرها البعض انحرافا مثل فكر الخوارج والمعتزلة والشيعة.. إلخ؟ هناك نظريات عديدة تحكم تطوّر الحركات الفكرية، بعضها يعتمد على الرشادة المتضمَّنة في التطور البشري التلقائي مثل الانتخاب الطبيعي للأفكار والبقاء للأصلح أو للأقوى، والبعض الآخر يتبنّى فكرة التخطيط والمؤامرة ويرجّح ظهور وتسيُّد الأفكار التي تدعمها قوى اقتصادية أو سياسية معتبرة.. لا أدري على أي حال كما لا يعنيني مصير الفكرة أو بمعنى أصح أنا أومن بأن الله سبحانه وتعالى سيدعم تلك الأفكار التي تحقق الصلاح والإصلاح للإنسان وللمجتمع.

بالنسبة لموقفنا من أجل ضمان نقاء الفكرة وعدم انحرافها فهذه مسألة لا نملكها لأننا لسنا بقيّمين على الفكرة..لا أملك الحق ولا يصحّ لي تعسفا – كما فعلت بعض الكتابات التي أرّخت للحركة- أن أقول من يدخل فيها ومن يخرج منها، خاصة وأنني طرف، لكني أقول من موقعي – وطبقا لتعريفي المشار إليه – إنني لا أعتبر أن النسوية الإسلامية تشتمل على هؤلاء الذين يتشككون في قيمة وقدرات المرأة ويؤمنون بضرورة جعلها تحت السيطرة حاملين الهاجس الذكوري من أن الفضيلة رهينة السيطرة على النساء وكبحهن ..

هؤلاء النساء “الذكوريات” ليس من حقهن الادعاء بأنهن نسويات إسلاميات لمجرد أنهن يتحدثن عن ” النساء” وعن “الإسلام”، وللأسف فإن العديد من الكاتبات المنتميات لجماعات وحركات إسلامية تقليدية ومسيّسة ينتمين لهذا التيار، هؤلاء الكاتبات يفتقرن إلى الشق الأول من التعريف وهو السعي إلى تحرير وإنصاف وتمكين ومساواة المرأة المسلمة.. على الجانب الآخر يخرج من هذا التعريف الذي نتبنّاه (ويمكن لأخريات أن يقدمن تعريفات أخرى) من يمكن أو يوصفن بـ”النسويات المسلمات العلمانيات”.

فكونك مسلمة لا يعني التزامك بالثوابت والمرجعيات الإسلامية .. وكثير من المنتميات للتيارات النسوية التابعة للغرب والعلمانية المحضة هنّ مسلمات، وربما تناولن قضايا المرأة المسلمة كموضوع بحثي، لكن ليس من منطلق الالتزام بالإسلام كمرجعية ومصدر للبحث عن حلول لمشكلات المرأة المسلمة، بل كمشكلة في ذاته، بل أكبر مشكلة تواجه المرأة المسلمة، وتتمثل مرجعيات هذه التيارات في الأيديولوجيات الغربية المختلفة في الفكر النسوي.

 

  • إذا تحدثنا عن النسوية الإسلامية في مصر بوجه خاص وفي العالم العربي عموما من منظور تاريخي، فكيف يمكن تتبع نشأتها وتطورها؟

من موقعي الجزئي المحدود في مصر وفي الحياة أرى أن النسوية الإسلامية بتعريفها الذي أوضحناه، قد ظهرت في موجات أهمها نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال نساء حركة النهضة مثل قدرية حسين، وملك حفني ناصف،  وزينب العاملية، ونبوية موسى، وهدى شعراوي.. هؤلاء اللاتي أجهدن أنفسهن لنقد فكرة الربط يين مبادئ الإسلام واستضعاف النساء وقمعهن.

الفكرة عادت من جديد بهذه المعادلة وإن بشكل أكثر عمقا وتطورا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين على يد المفكرة د. منى أبو الفضل التي دخلت لها من مدخل معرفي وفكري عام ..من منطلق ضرورة أن يكتشف المسلمون استقلالهم عن الغرب ويعمّقوه من خلال تأصيل نظريتهم المعرفية ورؤيتهم للعالم التي تختلف اختلافا كبيرا في طرحها الإنساني عن الغرب. عنيت د. منى في البداية بقضايا فكرية عامة مثل خصائص المنظور المعرفي الإسلامي، وتحدثت عن المفارقة أو التباين بين النسقين المعرفيين الغربي والإسلامي، وعن تداعيات ذلك وتأثيراته على أنماط الحياة ومنظومات القيم..

 

ينبغي عدم الخلط بين المساواة وبين التشابه أو التماثل، أو بين التمييز والاختلاف، وهذا خطأ كبير وقعت فيه النسويات الغربيات، فهن رغم دعوتهن إلى المساواة فإنهن لم يتمسكن بأن تكون المساواة على قاعدة الاختلاف بين النساء والرجال

 

وقد دخلت إلى قضية المرأة من هذا المدخل حيث تُعتبر هذه القضية أهم تجليات وتطبيقات تلك الفكرة. شكّلت الدكتورة منى جماعة فكرية طوّرت الفكرة ومدّت قضية استقلال الطرح الفكري المسلم عن الطرح الغربي ورفض الهيمنة الغربية في قضية المرأة إلى اتجاه آخر شديد الخطورة هو هيمنة التراث الفكري الإسلامي -والتراث هنا لا يشتمل على الكتاب والسنة بل ما دونهما من إنتاجات هي اجتهادات بشرية تاريخية وذات انحيازات ثقافية بعينها- على الخطاب الديني المعاصرالخاصّ بالمرأة، وادّعاء أن ما يقوله هؤلاء المجتهدون من آراء – مع كل الاحترام والتقدير لهم ولمكانتهم- هو الدين..

لقد انتهى هذا التطوير من تلميذات منى أبو الفضل إلى عدة نتائج مهمة: أولًا ضروة الفصل بين مرجعية القرآن والسنة كثوابت وبين آراء الفقهاء والمفسرين كمجتهدين، ثانيا أن دمغ الإسلام بظلم المرأة يعود إلى هذا الخلط، ثالثا أن إنصاف النساء يقوم على استئناف عمليات الاجتهاد في تأويل النصوص ونقد التأويلات السابقة في ضوء التحوّلات النوعية الهائلة التي طرأت على أوضاع النساء في هذا العصر، سواء فيما يتعلق بقدراتهن الثقافية أو العلمية أو أدوارهن الاقتصادية، وبصفة عامة دورهن الكبير المعاصر في توليد القيم الاجتماعية، إلى جانب دورهن الأزلي في عملية التكاثر الطبيعية..

لقد ضمّت هذه المدرسة أسماء مثل أماني صالح، هند مصطفى، عزة هاشم، منال الشيمي، فاطمة حافظ، إيمان فريد. وتقاربت مع  مفكّرات مستقلات مقدَّرات في مسألة المرأة لهن نفس الاهتمامات أبرزهن د. أميمة أبو بكر ثم في مرحلة تالية د. مولكي الشرماني.

 

النساء “الذكوريات” ليس من حقهن الادعاء بأنهن نسويات إسلاميات لمجرد أنهن يتحدثن عن ” النساء” وعن “الإسلام”

 

طبعا هناك في الساحة الفكرية من خارج هذه المدرسة من عنين بالفكرة بشكل فردي ومن اقترابات مختلفة أدبية أو تاريخية أو اجتماعية، مثل د. عائشة عبد الرحمن ود. زينب رضوان.. لكنهن لم يعطين اهتماما بتأصيل قواعد ما يسمى بالنسوية الإسلامية.

  أما في البلاد العربية فتتعدد الأسماء المعنية بقضية المرأة في السعودية وتونس والمغرب ولبنان ..

يبقى أن فكرة تأصيل قواعد النسوية الإسلامية المبنية على نقد النسويات الغربية، ونقد التراث الذكوري العربي-الإسلامي، واللجوء مباشرة إلى المرجعيات الإسلامية القرآن والسنة، ترجع في الواقع حتى الآن إلى أربعة روافد مهمة تقوم بينها علاقة جدلية وليس انتمائية: المدرسة المصرية التي أشرنا إليها، والنسويات العربيات كأفراد، والنسويات الآسيويات في ماليزيا وإندونيسيا والهند، والنسويات الأكاديميات في الجاليات المسلمة العاملة في جامعات الغرب.

وأنا بالطبع لا أستطيع التحدث نيابة عن هولاء وهؤلاء،

لكنى من موقعي المحدد لديّ انتقادات مهمة لعمل بعضهن، خاصة النسويات الإسلاميات في الأكاديميا الغربية، تعود إلى الانحياز للمفاهيم النسوية المسيطرة في الغرب على حساب المرجعية الإسلامية، وإلى التوسع في مفهوم النسبية والتأثير الثقافي بمدّه من نطاق الاجتهادات الفكرية الموجودة في كتب التراث إلى الثوابت المتمثلة في القرآن ذاته بدعوى أن النسبية تخللت القرآن من خلال السياق الذي تمّت فيه عملية التنزيل، أو اللغة العربية التي نزل بها الوحي وما تتضمنه من انحيازات ثقافية ( كتابات آمنة ودود كمثال). نحن نختلف مع هذه الأفكار ونراها تزيّدا ورضوخا لضغوط السياق الثقافي الغربي وكولونيالية الاتجهات النسوية المعاصرة خاصة مدرسة الجندر.

 

  • ولكن المطّلع على أعمال د. منى أبو الفضل في هذا الإطار يلاحظ أنها لم تكن تستخدم مصطلح “النسوية الإسلامية”، وفي ورقتها البحثية المعنونة “نحو تطوير منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة”  ذكرت أنه من ضمن الأسئلة التي يمكن أن يثيرها النقاش تلك المتعلقة بالمصطلح أو المفاهيم الأساسية: “نسوية إسلامية أم منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة”، فهل د. منى كانت تفضّل استخدام هذا التعبير الأخير على مصطلح “النسوية الإسلامية”؟ وهل قامت مجموعة “المرأة والحضارة” باعتماد مصطلح “النسوية الإسلامية” في مرحلة لاحقة؟

 

أعتقد أن د. منى كانت حذرة من مصطلح “النسوية الإسلامية” في إطار اهتمامها الجمّ بالتأصيل للفوارق بين النسقين المعرفيين الإسلامي والغربي، ولكنّ استخدام المصطلح من قِبَلي ومن قِبَل أخريات راجع إلى طرح مختلف، مؤدّاه أن القضية ليست في منشأ المصطلح وإنما في ما يُعبّأ به من مضامين، وأن هذا المصطلح قابل لإعادة صياغة مضامينه في كلّ خبرة على حدة بحيث يمكن تقديم أطروحات ثقافية مختلفة، كما أن استخدام المصطلح في رأيي أفضل وأكثر تعبيرا عن قضية السعي لإنصاف وتمكين النساء من كافة المصطلحات أو العبارات البديلة.

 

  • ولكن هل يمكن الجمع بين المنهج أو المنظور النسوي والمنظور أو المنهج الإسلامي؟ وإن حدث تعارض بينهما لمن سيكون انحيازك كباحثة نسوية إسلامية؟ فقضية مثل المساواة المطلقة بين الجنسين على سبيل المثال لا يمكن تطبيقها في قضية الميراث مثلا، وغير ذلك من أمثلة… 

 

ما هو المنهج النسوي الذي تعنينه؟ ما هي مواصفاته ومن الذي وضعه أو أنزله؟ وما معنى المساواة المطلقة؟ هل ثمة شيء مطلق في العالم الإنساني؟ هل هناك مساواة في الغرب بين النساء البيض والسود؟ أو بين الثَريّات والنخب من جانب وبين المنطلِقات من قاعدة اجتماعية متواضعة أو المهاجرات من العالم الثالث وأمريكا اللاتينية من جانب آخر…السؤال في حد ذاته يحمل إشكاليات منهجية..

 

  • يُقصَد بالمنهج أو المنظور النسوي أن يتبنى الباحث فكرة المساوة بين الرجل والمرأة وينطلق في عمله من هذا المفهوم ويسعى لإبراز دور النساء والتعبير عن أصواتهن وتأكيد المساواة بين الجنسين، بينما المنهج أو المنظور الإسلامي يُلزم الباحث  بالتقيد بالنصّ المقدس، وهناك بعض القضايا التي يمكن أن تمثل إشكالية حقيقية هنا، على سبيل المثال لا الحصر إمامة المرأة -للرجال والنساء- في الصلاة، فمن منظور المساواة الإنسانية يحقّ لها ولكنّ الأمر مقتصر على الرجال..

 

المهم في قضية المرأة والرجل هو تقرير مبدأ المساواة كقاعدة في العلاقة بين النوعين، يرتكز على أسس إنسانية ووجودية، وهذا ما أقرّه القرآن الكريم بكلّ وضوح ودون لبس. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ آية 13 من سورة الحجرات.

إن الوجود الإنساني نفسه مقترن بوجود النوع، وأحد مقومات التفرقة بين المخلوق والخالق هو هذا الانقسام .. إقرار المساواة كمبدأ إنساني والتمييز كاستثناء هو الأهم.. وارتكاز مبادئ التنظيم الاجتماعي على تلك القاعدة الإنسانية الأعلى والأشمل وإعادة إصلاح منظومة القيم على أساس قاعدة المساواة واستثنائية التمييز كل ذلك يمكن أن يطرح ثورة هائلة في هذه المنطقة التي نعيش فيها والتي يتجذّر فيها التمييز بحكم تكوينها الاجتماعي القائم على الطائفية والقبلية والطبقية، وقد كان هناك سعي دائم عبر قرون لإيجاد غطاء ديني لتخليد هذه التركيبة.

الأمر الثاني أن التعمّق في الفهم ينبغي أن يقوم على عمق التحليل، ومن جملة ذلك عدم الخلط بين المساواة وبين التشابه أو التماثل، أو بين التمييز والاختلاف، وهذا خطأ كبير وقعت فيه النسويات الغربيات، فهن رغم دعوتهن إلى المساواة فإنهن لم يتمسكن بأن تكون المساواة على قاعدة الاختلاف بين النساء والرجال.. نريد أن نكون متساوين في الحقوق رغم اختلافنا في الخصائص ..وأن نحصل على المساواة على ما نحن عليه من اختلاف..

لقد انساقت النسويات الغربيات إلى الخلط بين فكرة المساواة والتشابه .. وفي اعتقادي أن ما انتهت إليه النسوية الغربية إنما كشف عن عقدة كامنة في اللاوعي تتمثل في  احتقار هؤلاء لخصائصهن كنساء وإعجابهن الشديد بالرجل وتنصيب الرجل كنموذج يسعين لبوغه، ليس في الحقوق العامة الاقتصادية والاجتماعية بل حتى في عناصره الوجودية وحتمياته الطبيعية. هذه العقدة التي تكلّلت بما يعتقدن أنه انتصار للنسوية، بالدعوة إلى السيولة الجنسية واختفاء الأنواع وتقارب الرجال من الخصائص النسوية والعكس.

  في تصوري أن ما يعتقدن أنه نجاح هو خيانة لفكرة المساواة وعجز عن تحقيقها للنوعين رغم اختلافهما.. المفاهيم المطروحة ذاتها بحاجة إلى نقاش وتحليل ونقد. نحن نريد المساواة لأننا إنسان لا نقل إنسانية عن الرجال ونقبل بعض الاختلافات في التعبير عن المساواة لأننا مختلفون في الخِلقة الطبيعية ونتمسّك باختلافنا كجنس..

 

ما أشرتِ إليه بشأن الحقوق المادية في الميراث وخلافه يحتاج إلى بعض التدقيق، نحن نطالب بأن تتمتع المرأة بالشخصية القانونية الكاملة وبأن يكون هناك مساواة بين الجنسين في الشخصية القانونية. لكن الشخصية القانونية تحسب بمجمل الحقوق والالتزامات معا، وليس بالحقوق فقط..  

 

وكون الرجل يحصل على حقوق أكبر في الميراث محمَّل عليها التزامات أكبر في الإنفاق بينما تحصل النساء على حقوق أقل محرّرة من أية التزامات هو أمر لا يقلل أو ينتقص من مبدأ المساواة، بل يؤكدها رغم الاختلاف. كون الرجل يمارس إرادته المنفردة في الطلاق ويدفع ثمن ذلك في تعاقد بُنِيَ بإرادة ثنائية وأن المرأة تمارس نفس الشيء بالخلع وتدفع ثمن ممارسة إرادتها المنفردة هو أيضا أمر يؤكد المساواة ولا ينقضها، مع اختلاف التعبيرات..

العدالة هي في توزيع الحقوق والالتزامات معا وليس في تماثل شكل الممارسة..  الاتجاه الغربي المشار إليه الذي يخلط بين المساواة والتشابه أو التماثل هو الاتجاه المريض الذي يحمل في العقل الباطن اعتقادا جازما بأن الرجل نموذج وأن المرأة لتحقق ذاتها عليها أن تصبح رجلا.

 

  • عَلَام انصبّ الإنتاج البحثي للنسويات الإسلاميات؟ وما هي القضايا التي تشغلهن وتمثل أولوية لهن؟ هل القضايا التي عادة ما تثير الجدل مثل تعدّد الزوجات، شهادة المرأة، ..إلخ تمثّل أولوية؟ وهل ثمّة إنتاج بحثي لكنّ تناول مثل هذه القضايا؟ وما الموقف منها؟

 

    كل ما يتعلق بالمرأة المسلمة من قريب أو بعيد : فلسفيا وفكريا وتاريخيا واجتماعيا وثقافيا وحقوقيا .. إلخ هو مجال اهتمام النسويات المسلمات، لكن يختلف الاهتمام من مجموعة لمجموعة ومن فرد لفرد حسب التخصص وأشياء أخرى.

  بالنسبة لنا، ولأننا أصلا مجموعة فكرية، فنحن نعتقد أن التصوّرات والمفاهيم الكليّة هي الأساس ..فالفكر هو بنية ومنظومة تنداح مؤثراتها من أعلى إلى أسفل، بمعنى أن الأسس المعرفية والفلسفية هي التي تشكّل المنظومات الأدني مثل البني القيمية والحقوقية والتنظيم الاجتماعي ومعادلات القوة في المجتمع. لذلك نحن نهتم بدرجة أكبر بعدة قضايا مفصليّة أو استراتيجية تقوم عليها تلك الموضوعات الفرعية التي ذكرتِها..

فإذا حُلّت الإشكالات المتعلقة بتلك القضايا الكبرى حُلّت بالتبعية الكثير من التعقيدات والاختلاطات في القضايا الجزئية. من تلك الموضوعات: الأسس المعرفية في القرآن الكريم لقضايا النوع، تأصيل قضية المساواة، مسألة نقد التراثي والغربي وكشف الانحيازات المتضمّنة سواء في منهج الاستدلال أو في المفاهيم الأساسية…

ربما يحتاج هذا الجهد بعد ذلك إلى تطبيقات وتنزيلات على القضايا الحياتية.. لكننا نقول إن القيام على هذه المنطقة بكل أسف أمر نادر في عالمنا العربي الذي يعجّ بالاستسهال والأفكارالجاهزة والمفاهيم السطحية الطيّارة. ومع ذلك فنحن بمجرد اكتمال الأفكار العامة نسعى إلى تطبيقها، فحركتنا الفكرية تتحرك صعودا وهبوطا باستمرار بين العام والخاص.

 

  • كيف كانت ردود الفعل من الأطراف المختلفة على الإنتاج البحثي الخاص بتيار النسوية الإسلامية في مصر؟ ذكرتِ أنه لم يحدث اشتباك حقيقي مع هذا الإنتاج وظلّ النقاش انطباعيا بعيدا عن النقد المباشر والمحدّد لما أنتجته الباحثات، فما السبب في ذلك في رأيك؟ وكيف يمكن تحقيق التراكم المعرفي للتيار؟ لماذا ظل هذا التراكم رغم كل هذه السنوات محدودا أو على الأقل لا يصل للناس على نطاق واسع؟

 

مشكلة التفاعل مع تيارنا الفكري لا تخصّ هذا التيار قدر ما تتعلق بالحالة الفكرية العامة في مصر و العالم العربي.. هى حالة تتسم بالوهن الفكري وبالافتقار إلى العمق، حالة اختلط فيها المفكرون بمحترفي الخطاب من كتّاب الصحف أو الأكاديميين في الجامعات.. الحالة الفكرية الراهنة هي حالة تعمل بصفة مؤقتة، تبرز خلال المؤتمرات أو الندوات العلمية وتُغلق بعدها.. بل إن كثيرا من الحضور في هذه الندوات لا يقرأون ما يُطلَب منهم التعليق عليه أو يقرأونه في عجالة لمجرد شغل الدور المطلوب منهم والدقائق التي يتعيّن عليهم الحديث فيها..

هناك أيضا اختلاط الفكري بالأيديولوجي،  فكثير من الناس يتّخذون مواقف مسبقة بناء على موقفهم الأيديولوجي وموقف الآخر الذي سيشتبكون معه فكريا، فإذا كان من سأشتبك معه فكريا من نفس التيار سيكون موقفي إيجابيا والعكس بالعكس. الخلاصة أن هناك أزمة فكرية عامة تحول دون أيّ تراكم أو جدال فكري حقيقي على كافة الاتجاهات..

نحن لا ننشغل كثيرا بذلك لأنها حالة بنيوية سياقية لا يد لنا فيها .. ننشغل فقط بواجبنا، وبأن نقول، بقدر ما نستطيع، كلمتنا وما نعتقد أنه حق، وأن نجد وسيلة لتسجيل ما ننتجه وتركِه.. وعندما يصبح المجتمع مستعدّا للتفاعل أو الاشتباك معه فليفعل، الآن أو غدا.

 

  • تقولين إن النظرية الكبرى التي يمكن أن ينضوي تحتها الفكر النسوي الإسلامي هي إعادة فتح باب الاجتهاد، وهناك بالفعل اجتهادات معاصرة تخصّ المرأة، فلماذا لا تلقى قبولا لديكم؟ هل لا بد أن تكون النساء هنّ من ينتجن فتاوى النساء؟ وإذا كانت اجتهاداتكم توصف بأنها اجتهادات فكرية وليست فقهية فمتى نرى فقيهات ومفتيات (بمعنى دارسات للعلوم الشرعية ومؤهلات لإصدار فتاوى) يتبنين منهج النسوية الإسلامية؟ هل ثمّة أزهريات انخرطن في هذا التيار؟

ما هي تلك الاجتهادات المعاصرة التي تخصّ المرأة والتي تُحدث فرقا نوعيا وشموليا في النظرة إلى المرأة كإنسان وشريك في المجتمع والحياة والأسرة؟ تلك التي تعيد النظر في مفهوم النقص والدونية الملتصق بالمرأة.. وليس لمجرد العطف أو التعديلات الجزئيّة أو مراعاة أن بعض النساء استثنائيات.. أرجو أن تدليني على هذه الاجتهادات المعتبرة…

 

  • هناك فتاوى واجتهادات لفقهاء ومفكرين مثل يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومحمد سليم العوا وحسن الترابي والصادق المهدي وغيرهم، في قضايا خالفوا فيها التيارات السلفية والآراء التقليدية مثل تولي المرأة القضاء أو الرئاسة وغيرها من القضايا..

 

بعض هذه الأسماء التي طرحتْ نظرة مختلفة للمرأة مثل الغزالي والمهدي والترابي اقتصرت على مستوى الأحكام الفقهية\الجزئية دون أن تؤصّلها على المستوى المعرفي الوجودي المتعلق بالقيمة الوجودية الإنسانية للمرأة.

 

ومن ثم فإن الإحجام العام من الرجال عن تقديم تلك الاجتهادات الشمولية هو الذي دفع إلى طرح سؤال : ولماذا لا تقوم المرأة بنفسها بهذه المهمة وتغادر مقعد الانتظار إلى مضمار العمل؟ وقد أدّى بنا هذا السؤال إلى سلسلة من البحوث حول دور النساء المسلمات تاريخيا في إنتاج العلوم الإسلامية كمحدّثات وفقيهات، انتهينا منها إلى أن النكوص عن تصدّي المرأة لإنصاف نفسها من خلال الدين هو موقف سلبي غير مبرّر.

كوننا ننتج فكرا إسلاميا وليس فقها فذلك راجع إلى مجالات تخصصنا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهذا موقف يُحسَب لنا لا علينا .

متى نرى مجتهدات فقيهات؟ عندما تتبنّى المؤسسات العلمية الإسلامية التي تخرّج العلماء منظورا اجتهاديا للفقه.. وعندما تقدّم تدريباً للنساء يهدف إلى تخريج فقيهات.. الأمر كله رهين بالمؤسسات العلمية كالأزهر والزيتونة وغيرها.

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد