الرئيسيثقافةغير مصنف

امرأة غنّت للطائر الحبيس

مهدي الغانمي-مجلة ميم

 

في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، شرطيّ العالم والمنتجة الأولى للثقافة والفنون والعلوم، لا قيمة كبرى للإنسان. فعلى سبيل المثال، لم يكن للمرأة حقٌّ في الانتخاب إلى حدود عام 1920، كما تمّ إلغاء العبوديّة في عام 1865، أيْ بعد عشرين سنة تقريبًا من إلغائها في تونس..

ورغم ذلك، ظلّ المواطن الأمريكي الأسود لقرن آخر من الزمان عبدًا لقوانين حرّرته، لكنّها ميّزته عن نظيره الأبيض، فارتكُبت في حقّ السود جرائم لا حصر لها على يد المواطنين البيض، وخاصّة على يد منظّمات مسيحيّة متطرّفة مثل منظّمة الكلوكس كلان.

بعد الحرب العالميّة الثانية، وفي ظلّ مشاركة السود الأمريكيّين ضمن حرب تحرير فرنسا، وفي ظلّ الدعوات الّتي أطلقتها القوى الاستعماريّة لتحرير الإنسان من كافّة أشكال التمييز والاستعباد والاستعمار، ظهرت حركة ثوريّة مناضلة للسود في سبيل تحقيق المساواة مع البيض ونبذ التمييز العنصري، من أعلامها مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ ومحمّد علي كلاي وروزا باركس وغيرهم….

من ضمن هؤلاء العظماء، كانت هناك امرأة سوداء ناضلت بأكثر من طريقة وعلى أكثر من صعيد، وهي الشاعرة والمخرجة السينمائيّة والمغنّية الأمريكيّة مايا أنجيلو.

هي مارغريت آن جونسون، وقد استوحت اسم شهرتها مايا أنجيلو من اسم زوجها أناستازيوس أنجيلوبولوس، ومن اسم طفولتها مايا.

وُلدت في عام 1928 م، في سانت لويس بولاية ميزوري، وقد عاشت طفولة قاسية وكانت حياة مايا مليئة بالعقبات. فقد انفصل والداها، وأرسلاها للعيش هي وأخيها في بيت جدّتها -أمّ أبيها- آن هيندرسون، في أركنساس.

 

 

عندما بلغت عامها السابع، تعرّضت مايا للاغتصاب من قِبل صديق أمّها خلال زيارة لها، ورغم ذلك، لم يُسجن إلّا سنة واحدة، وحين خرج من السجن قام خالها بقتله.

كان هذا الحدث شديد الوطأة على مايا، ففي الوقت الّذي كانت تُعاني من انفصال أبويها، حلّت بها هذه الكارثة، كارثة كان لها أثر صحّي ونفسيٌّ كبير: فمن جهة، كانت ذكرى الاغتصاب المرعبة تلازمها، لكنّها في الوقت نفسه كانت تشعر بأنّها تسبّبت في مقتل إنسان بإفشائها للسرّ، فأُصيبت بالبكم والانطواء طيلة خمس سنوات، نتيجة إحساسها بالذنب، وظلّت حبيسة صمتها.

هذا الصمت الّذي انفجر كينابيع من الموسيقى والشعر فيما بعد، فحين عادت إلى منزل جدّتها في أركنساس استعادت صحّتها تدريجيًّا، واستطاعت أن تتفوّق في دراستها، إضافة إلى اهتمامها المبكّر بالموسيقى وبالمسرح، خاصّة المسرح الشكسبيري.

 

 

في عامها السابع عشر، أصبحت مايا أنجيلو أمًّا عزباء، بعد هروب صديقها ليتركها تتحّمل مسؤوليّة تربية ابنهما بمفردها؛ فعملت في مطلع شبابها مهن كثيرة مجهدة وصعبة ووضيعة، وانتقلت بين المدن كي تفتّش عن كسب رزقها، وفي الوقت نفسه واصلت النضال من أجل الدراسة وتنمية مواهبها.

 

 

وإذا ما أضفنا أصولها الإفريقيّة الّتي كانت معرقلًا لها في ظلّ احتداد موجة التعصّب العرقي في أركنساس، فإنّ مايا تكون قد عاشت أضلع المأساة مكتملة في نشأتها.

في فترة الستينيّات هاجرت إلى مصر، ثمّ إلى غانا وعملت كمحرّرة في صحيفة أثناء إقامتها في مصر، ومدرّسة في جامعة غانا.

 

 

اشتهرت مايا بعذوبة صوتها وغنّت مع العديد من الفرق الموسيقيّة العالميّة مثل فرقة The Black. ثمّ خاضت تجربة تأليف الأغاني والتلحين مع المغنّي روبرت فلاك. وكتبت عشرات الأفلام والمقالات والقصص القصيرة ونصوص الأعمال التليفزيونية والأفلام الوثائقية والسير الذاتيّة والقصائد…..

 

 

وقد أصدرت 7 سير ذاتيّة و5 كتب في فنّ المقال والعديد من المجموعات الشعريّة، ومن أهمّ أعمالها: “امنحوني شربة ماء باردة فقط قبل أن أموت” (1971) “آه صلّوا لجناحيّ كي يلائماني” (1975) “ما أزال أنهض” (1978) “لن أتأثّر” (1990) و”حقيقة جريئة ومذهلة” (1995) “امرأة استثنائيّة: أربع قصائد تحتفي بالنساء” (1995) “طمأنينة مذهلة” (2005).

 

 

كما حصلت الكاتبة الأمريكيّة مايا أنجيلو على العديد من الجوائز المهمّة، منها جائزة الكتاب الوطني عن كتاب السيرة الذاتيّة “أعرف لماذا يغرّد الطائر الحبيس”، وجائزة البوليتزر عن ديوانها الشعري “أعطني كوب ماء بارد قبل أن أموت”، كما حصلت على ثلاث جوائز غرامي عن ألبوماتها الموسيقيّة. كما تسلّمت أنجيلو أكثر من ثلاثين شهادة دكتوراه فخريّة عن كافّة أعمالها. وفي عام 1998، خاضت مايا أوّل تجربةٍ لها في الإخراج السينمائي، في فيلم Down In The Delta.

 

 

إلى جانب هذا النضال الكبير الّذي خاضته مايا في حياتها الشخصيّة، لم يُثْنها همّها الشخصي عن الهمّ الجمعي للسود الأمريكيّين عمومًا. فانضمّت إلى نقابة كتّاب هارلم حيث اجتمعت مع العديد من كبار الكتاب الأمريكيّين السود، فالتقت بزعيم النضال السلمي ضدّ التمييز العنصري، مارتن لوثر كينغ، وأصبحت تجمعه به صداقة كبيرة.

 

مع الزعيم الأسود مالكم اكس

 

كما ربطتها علاقة وطيدة بزعيم أسود ثانٍ، ألا وهو مالكوم إكس، ورغم الاختلافات بين المناضلين في تصوّرهما للنضال ضدّ التمييز العنصري وأشكاله ومآلاته، إلّا أنّ مايا أنجيلو نجحت في أن تكسب صداقتهما وتناضل إلى جانبهما.

ثمّ أسّست ملهى الحرّية، الّذي كانت تعود مداخيله لصالح مؤتمر القيادة المسيحيّة الجنوبيّة، وساهمت في جمع التبرّعات وتنظيم مؤتمر القيادة المسيحيّة الجنوبيّة للنضال ضدّ التمييز العنصري.

 

 

ظلّت مايا أنجيلو حتّى وفاتها نموذجًا للمرأة القويّة الّتي تقهر الصعاب، وتخلق من الألم والمعاناة فنّها المتميّز دافعت عن الإنسان ضدّ العنف والتمييز والسلطة، وهي الّتي قالت:

ثمّةَ أصحابُ ملايينٍ

يملكون مالا

ولا يستطيعون إنفاقه

نساؤهم يطُفنَ هنا وهناك

كأشباحٍ تنذرُ بالموت

وأطفالهم يغنّون

ألحاناً تطفح بالحزن.

يمكنهم أن يحصلوا على

أغلى الأطبّاء أجراً

ليداووا قلوبهم الحجرية

لكن لا أحد

نعم لا أحد

يمكنه، وحيدا،

أن يدبّر أمره في هذه الحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق