منوعات

” النواصر”.. طبق تونسي عمره الف عام

تراث الطبخ العربي

 

“التراث الغذائي”، أو “تراث الأطباق”، طقس مقدس عند كل التونسيين، ولكن هل سبق وزرت شمال البلاد التونسية، هناك إلى حيث الأزرق الكبير يمتد بذيله إلى وسط المدن، يحمل معه رائحة مملحة، عطرة بطعم المتوسط الذي يحاكي ماض عريقا، تخلّد بين الجدران الندية وفي الأزقّة الضيّقة وفي رائحة أطباق تقليدية، على غرار طبق الكسكسي والمحمص والحلالم والرشته والنواصر الأندلسية.

أطباق شهية مضى صانعوها وتناقلتها الأجيال لتظل خير شاهد على عصور حضارات، مرّت ذات مرّة من ضفاف المتوسط.

من هذه الأطباق اخترنا لكم اليوم حكاية “النواصر” البنزرتية، التي تعود إلى 1199 للميلاد زمن حكم الخليفة الناصر الموحدي، والذي انتقل عبر الزمن من مدينة بنزرت الشمالية، “عروس الشمال”،  إلى كل شبر وكل دار تونسية.

النواصر عراقة بروايات مختلفة

تختلف الروايات حول جذور أكلة النواصر التقلدية، فبينما يعتبر المؤرخون أنها ترجع الى الخليفة الناصري، تروي الحكايات الشعبية، أنه تعود الى سيدة موريسكية سكنت في بيت من بيوت مدينة حي الأندلس.

يروي المؤرخون أن طبق النواصر ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالنقود والدراهم ذات الشكل المربع الصغير، التي تعود للعهد الموحدي، وقام آنذاك الخليفة الناصر الموحدي بصكّها، وقد تواصل استعمالها حتى العهد الحفصي، الذين أبقوا على تلك العملة دون تغيير.

فيما تروي حكايات التراث الشعبي، أن طبق النواصر هو طبق أندلسي، انتقل إلى شمال البلاد التونسية،  عند هجرة الموريسكيين إلى المغرب العربي وشمال افريقيا، فرارا من ملك إسبانيا، سنة 1608_1609.

 

 

وعند قدومه من “إشبيلية”، أحضر مؤسس الدولة الحفصية أبو زكريا ، معه جمع من الأندلسيين الذين استقوا بحي الأندلس، المعروف ب”حمدلس“، ومن بينهم سيدة أرادت ابتكار أكله جديدة تجلب الرزق والحظ ، فقامت بطرح العجين على شكل وريقات رفيعة، وقامت بقصها مربعات صغيرة من ثم سكبت عليها الزعفران فأصبحها لونها كالذهب كأنها كومة من الدنانير الذهبية المربعة، ومن هنا جاءت التسمية النواصر، وفقا للمعتقدات الشعبية.

ومنذ ذلك الحين أصبح طبق النواصر من الأكلات الشعبية التقليدية، التي تطهى في المطابخ التونسية، التي انتقلت إليها من غربا وشرقا وجنوبا.

 

صنعة يد نسوية

من مميزات النواصر، أنها طبق يصنع ويعد بأنامل نسوية، قادرة بخفة على تحويل الدقيق الجاف إلى عجين ثم إلى قطع مربعة الشكل صغيرة الحجم، وتعرضها للجفاف في الهواء وتحت أشعة الشمس الملتهبة.

وقد أصبحت بعض النساء اليوم، يمتهن صناعة “النواصر” ليس فقط للتلذذ بأكله مع أفراد العائلة، بل أيضا لبيعه للنسوة العاملات، فأصبح يوفر مصدر دخل وجني المال.

وعلى غرار الكسكسي، تحرص بعض النساء على اعداد عولة من النواصر، والتي قد تظل لأشهر ولا يتغير طعمها ولا شكلها، في حين تحرص أخريات على اعدادها وطبخها في يومها، لذلك تشرع منذ ساعات الصباح الباكر في اعدادها لتجهز كطبق للعشاء.

 

طريقة تجفيف النواصر

وللسائل أن يسأل كيف يحضر طبق النواصر التقليدي؟

علاوة على أن قطع النواصر سريعة الجفاف، فهي أيضا سريعة الطهو، حيث يتم دهنها بقليل من زيت الزيتون أو الزيت الطبيعي، وتوضع في كسكاس لتفوّر، على القدر الذي يطهى في داخله مرق الخضر وحبيبات الحمص واللحم.

 

 

ويمكن أن يحضر طبق النواصر، باللحم أو الدجاج، كما يمكن طبخه بالعصبان، الذي يحتل بدوره مكانة كبيرة في بطون التونسيين وفي تاريخهم وتراثهم الشعبي.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد