مجتمع

المرأة العربية في مواجهة المجتمع.. لستُ مصنع أطفال!

 

قديما كانت المرأة الولود هي المرأة المفضلة لدى الرجال والمجتمع، تلك التي تهب زوجها كل سنة طفلا جديدا، وتقبع في المنزل محاطة بعدد كبير من الأطفال، فيما يشقى زوجها خارج المنزل لتأمين متطلبات حياتهم بشق الأنفس..

لكنه في آخر اليوم، يجلس في المقهى يفاخر “بعياله” خاصة الذكور منهم، وبأنه رجل ذو “عزوة وفحولة” جعلته يكون قبيلة صغيرة من الأطفال ينتظر أن يكونوا سنده في الكبر..

في الجانب الآخر نرى المرأة التي لا تنجب وهي تعاني من احتقار المجتمع وتهميشه وتعييره لها بأنها “ليست امرأة” فلم تقدر أن تضيف أطفالا آخرين للعالم حتى ولو لم تكن قادرة على العناية بهم، و يسومها أهل زوجها و حتى أهلها كل أصناف التحقير والتعيير والتقزيم النفسي، حتى تقتنع أن لا أهمية لها دون أطفال. فهل تغيرت تلك الصورة النمطية عن المرأة الآن في مجتمعاتنا العربية أم لا زالت على حالها؟

اختلفت التجارب..والمشكلة واحدة

عندما قررت أسماء ف، (32 سنة)  هي و زوجها عدم الإنجاب من السنة الأولى بعد الزواج، لم تتوقع الهجوم المهول الذي سلط عليها من طرف المحيطين  بها سواء من عائلتها أو من عائلة زوجها، بدأ في أول الأمر بتلميحات “خفيفة” حول رغبة أم زوجها في أن “تفرح بولدها” أي أن ترى صغاره حولها، وتواصل التدخل حتى أصبحت تُتّهم صراحة بالعقم وحرمان زوجها من أن يكون له أولاد.

“لماذا لم تشرحي لهم الوضع؟”، سألتها ونحن بصدد تناول فنجان قهوة بعيدا عن منزلها الذي لن ندردش فيه على راحتنا، كونها تعيش مع حماتها وأهل زوجها، الذي يفرضون رقابة مستمرة على كل الأحاديث التي تدور داخل جدران منزلهم.

 

لم تقتنع عائلتي وعائلة زوجي أننا لا نعاني من العقم وأننا من اخترنا أن نعيش لفترة بعد الزواج دون أطفال حتى قدمنا لهم كشوفات طبية تثبت سلامتنا وقدرتنا على الإنجاب

 

“ومن قال إني لم أحاول، منذ فترة الخطوبة قررت أنا وزوجي أن نعطي لأنفسنا مهلة سنة كي نستطيع ترتيب أمورنا المادية والمهنية ، أنا لا أريد أن أنجب طفلا لمجرد الإنجاب وإرضاء من حولي سواء أهلي أو أهله، فأن يكون لديك طفل يعني أن تكرسي كل وقتك له، تصبح حياتك تدور حوله، وهو ما يعني أن أتخلى عن عملي و أتفرغ تماما للعناية بطفلي وبيتي وهو ما لا أستطيع فعله في الوقت الحاضر” تقول أسماء.

و تضيف “صراحة لا أعتقد أن حياتي الحميمية ومخططاتي وزوجي تعني الآخرين في شيئين هو فقط الفضول القاتل الذي جبلت عليه مجتمعاتنا والتي تجعل من الحياة الخاصة مشاعا للكل يتدخل فيها كما يحب، انأ لست مصنع أطفال حتى أنجب تحت الطلب .”

“لا أتصور أن احدد حياتي ومستقبلي بناءا على تدخل أهلي أو أهل زوجي مهما كانت النتيجة، تقول رحاب بن محمد  (28 سنة)، تعمل رحاب في مجال الإنتاج السمعي البصري منذ 5 سنوات، ولا تزال في مرحلة الخطوبة، لكنها هي وخطيبها اتفقا أيضا على تأجيل الإنجاب لسنتين على الأقل ، كي يتفرغا للاستمتاع بحياتهما معا والتفكير جيدا في الخطوة التالية.

“لم تقتنع عائلتي وعائلة زوجي أننا لا نعاني من العقم وأننا من اخترنا أن نعيش لفترة بعد الزواج دون أطفال حتى قدمنا لهم كشوفات طبية تثبت سلامتنا وقدرتنا على الإنجاب”.. هكذا تصف جميلة الأمين  (34 سنة) ما تعرضت له من ضغط نفسي طيلة فترة زواجها، لم تكن رغبة جميلة وزوجها في عدم الإنجاب مبكرا نابعة فقط من الرغبة في الاستقرار المادي، بل كانت الفكرة هي  توفير الاستقرار النفسي..

فقد بدأت المشاكل بينهما منذ الأسابيع الأولى للزواج، نظرا لعمله الذي يتطلب تواجده أياما كثيرة في فرنسا، ما يتركها وحيدة في تونس للفراغ والوحدة، فحاولا قبل إنجاب طفل ان يستقرا في مكان محدد كي تكون هناك أرضية مناسبة لتربية طفل وتحمل الأعباء والمسؤوليات بطريقة متساوية.

“لم اندم على قراري، فقد فشلت تجربتي الأولى مع الزواج، أظن أنني أفضل حالا بخروجي منها دون أطفال بدل أن أصبح أما عزباء وأتحمل كل المسؤولية وحدي، هكذا أحسن” تقول جميلة.

معدل الإنجاب في تراجع

سجلت العقود الأخيرة في العالم العربي تراجعا في نسب الإنجاب مباشرة بعد الزواج، كنتيجة طبيعية لتطور الوعي والانفتاح الثقافي الذي ساد النساء ووعيهن بأن المرأة ليست وعاءا لزرع الأطفال وإنجابهم كيفما اتفق، فجلب طفل للحياة يتطلب إمكانيات مادية ونفسية وفكرية كي ينشأ بطريقة سليمة ويكون عنصرا فاعلا في المجتمع دون إضافة عددية زائدة.

وتراجعت نسب الزواج أيضا في المجتمعات العربية لارتفاع تكلفة الزواج وغلاء المعيشة كل هذه العوامل أدت إلى التفكير أكثر في مسألة الإنجاب..

 

في المغرب مثلا، كشفت دراسة أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط سنة 2017 عن انخفاض الخصوبة عند المغربيات، فقد تراجع متوسط عدد الأطفال إلى حوالي طفلين لكل امرأة، مقارنة بسنة 1960، التي وصل معدل الخصوبة فيها إلى ذروته ليصل إلى أكثر من 7 أطفال لكل امرأة.

وكشفت الدراسة عن تزايد عدد المغربيات اللواتي تستعملن وسائل منع الحمل المختلفة حتى وصلت النسب إلى65،5 % في الوسط القروي، 68،8 %  في الوسط الحضري سنة 2013.

وتعود الأسباب أساسا إلى ارتفاع نسبة التمدرس وخروج المغربيات إلى العمل و ووعيهن بأهمية الاستقلال المهني والمادي كلها عوامل أدت إلى تحولات اجتماعية و اقتصادية صنعت واقعا جديدا للمراة.

ولا تختلف الوضعية كثيرا في العالم العربي عن المغرب، حيث لاحظ باحثون في علم الاجتماع تزايد عدد النساء الراغبات عن الإنجاب الطامحات إلى المضي قدما في مسيرتهن المهنية  دون أن يلقين بالا  للقيود المجتمعية والضغوط العائلية.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد