ثقافةغير مصنف

عمر الشريف في ذاكرة ادوارد سعيد

                                  

يحدث أن تتقاطع حياة عدد من المشاهير بشكل قدًري ودون ترتيب سابق ولا يتعلق الأمر هنا بصراعات أدبية على النحو الذي جرى بين الرافعي وطه حسين على سبيل المثال أو تقارب فكري على نحو علاقة سارتر مع سيمون دي بوفوار فهذه من التقاطعات التي تصنعها الاهتمامات المشتركة أو ألق الشهرة الطاغي في لحظة ما من التاريخ.

أمّا ما نتحدث عنه فهو تقاطع حصل في غفلة من الزمان قبل أن يصبح عمر الشريف نجما سينمائيا شقت شهرته سماء هوليود وقبل أن يصبح ادوارد سعيد ذاك المفكر ما بعد الكولونيالي الذي صنع لاسمه صيتا عظيما في الأوساط الأكاديمية الغربية والعربية.

في سيرته الذاتية التي خطها قبل موته بسنوات قليلة وحملت اسم “خارج المكان” يتحدث ادوارد سعيد في الفصل الثامن من مذكراته عن سنوات دراسته الأخيرة في القاهرة “كيف لي أن ادري، حين دخلت فكتوريا كولدج في خريف العام 1949، وقد قاربت الرابعة عشرة، أنني سأقضي آخر سنتين لي في القاهرة”.

 

 

وقد بدأت شخصيته الناقدة بالتشكل ليتعرف على الكابتن “ميشال شلهوب”. فهذه المدرسة الكولونيالية كما يصفها سعيد كانت “مؤسسة بريطانية فخيمة ولكنها في الآن ذاته تعلن غطرستها وازدراءها، وهذا ما زاد من إحساسنا الجمعي بالنفور والازدراء”، وهي في الآن نفسه حادة في تقسيم طلبتها بين صنفين “الفرع الأول للاّمعين والمجتهدين نسبيا، والفرع الثاني للصبيان الأبطأ فهمًا والأقل انجازا الذين يُرى إليهم عموما على أنهم سقطات في معارج النشوء والارتقاء البيولوجيْين ويستحقون مصيرهم الدوني” وكان الكابتن شلهوب من الصنف الأول المتميز من أولئك الذين يحملون شريطا فضيا على ستراتهم وقبعاتهم.

كان الطالب ادوارد اصغر سنا من الكابتن شلهوب ويبدو أنه لم يكن يستسيغه بسبب ما يراه فيه من طبع متنمّر وميل الى الإستقواء على الطلبة الأصغر منه وممارسة أشكال من الاضطهاد عليهم وهو سلوك ما كان لشخص بنفسية ادوارد سعيد أن يقبله أو يعتبره فعلا مستساغا “مع الوقت صار حضور شلهوب أليفا على نحو مزعج، وقد اُشتهر ببراعته الأسلوبية وبتفننه وابتكاره في اضطهاد الصبية الأصغر سنا”.

كان سعيد في تلك الحقبة قد تحول الى طالب مشاغب في موقفه من الأساتذة الانكليز الذين يدرّسونه ولم يكن يجد ميلا الى من يسميهم بالمتأنكلزين أي هؤلاء الشرقيين من الطلاب الأكبر سنا ممن يتجبرون على زملائهم الأصغر باسم التراتب المدرسي وفرض قانونه. “ولأول مرة في حياتي كنت جزء من جماعة مدرسية مشاغبة، مع أني لست مصريا ولا انكليزيا مع إني عربي بالتأكيد” وكان أداة الصراع الأساسية ضد هيمنة السلطة المدرسية المُغرقة في أنكليزيتها هي استخدام اللغة العربية رغما عن انف المدرّسين والطلاب المتأنكلزين التابعين لهم.

كان من الطبيعي أن يحصل الصدام بين سعيد وشلهوب فهما في حالة من التنافر التام بحسب ما يرد في المذكرات، فبين إدوارد المتمرد الساخر من السلطوية الكولونيالية التي تهيمن على مدرسة فيكتوريا كولدج وميشال الشاب اللامع القريب من أصحاب النفوذ في المدرسة هناك بون شاسع “كنت بين الحين والآخر أتمرد على النزعة السلطوية المتأصلة في المدرسة التي يجسّدها رئيس التلامذة شلهوب.

وعندما جرّوا صفنا لمشاهدة مباراة كرة قدم تشارك فيها مدرستنا وسمحوا لنا بارتداء ثيابنا الشخصية ، أثار مظهرنا الممرغ والرث استنكار صبية الصف السادس الأعلى المتأنقين وهم لا يزالون يرفلون بزيهم المدرسي المبهرج، سار شلهوب بمحاذاتنا على حافة خطوط الملعب، كأنه مليك يتفقد حرس الشرف المخيّب لأمله بسبب مظهره المزري فلم يخْف وجهه القرف واللامبالاة اللّذيْن نمّت عنهما مشيته المختالة”.

ويبالغ سعيد في وصف المظهر المتأنق لشلهوب حيث بدا شخصا حريصا على صورته الخارجية بشكل يناسب طبعه المتعالي كما يراه إدوارد سعيد في مذكراته، “كان شلهوب، بالقرنفلة الضخمة البيضاء في عروة سترته، وحذائه الأسود المُلمّع ببراعة، وربطة عنقه المقلّمة المتألقة نموذجا لرئيس التلامذة المتعجرف”.

وسرعان ما حصل احتكاك بين شلهوب وأصدقاء سعيد حينما صاح “حمد الله” (وهو صديق سعيد) قائلا “ما هذا؟ من أين كل هذه الأناقة، يا كابتن شلهوب؟” فتوقف شلهوب المُستَفَز وأشار إليّ وإلى حمد الله بأن نخرج من الطابور ونلحق به، إذ بدا أننا تعرضنا بالإساءة الى الذات الملكية”.

لم يكن شلهوب يرضى بغير الانتقام ممن تعرّض إليه بالسخرية بما يتوافق مع شخصيته الأقرب الى الغرور والتعالي ولذا تحول الى مصدر عقاب لسعيد وصديقه حمد الله

“ساقنا شلهوب الى مكتبه الواقع فوق بركة السباحة الداخلية، التي يجري تسخينها أكثر مما ينبغي. وبعد أن صفعني صفعتين، لوى ذراع حمد الله ورفعها خلف ظهره. ومع تزايد الضغط والوجع، أخذ التلميذ الأصغر سنا يئن شاكيا وذراعه على وشك أن تنكسر “لماذا تفعل هذا، كابتن؟ّ فأجابه شلهوب بانكليزيته الطليقة الخالية من أي عيب “بصراحة لأني أستمتع بذلك”.

وينتهي ذكر شلهوب في صفحات مذكرات إدوارد سعيد بالحديث عن تزلّفه الواضح لوفد من الموظفين البريطانيين الذين جاؤوا لزيارة المدرسة ومن بينهم شخصية مرموقة في الخارجية البريطانية هو “روي تشابمان – أندروز” ولنجد مقارنة أخرى بين شخصيتيْ سعيد وشلهوب.

فبينما يتحدث عن موقفه من الشخصية البريطانية قائلا “لم انبهر، طبعا، بمركزه الرفيع ولا راقني التبجيل الكبير الذي أُغدق عليه” وفي المقابل يظهر شلهوب على النقيض تماما وعندما اعتلى المنصة “ألقى كلاما مُداهنا، بل متزلّفا، فأعرب عن استحسانه لحظّنا الكبير لأننا تلقينا مثل ذلك التعليم الانكليزي العظيم ولأن تشابمان – أندروز يشرّفنا بحضوره بيننا”.

كان ذاك هو اللقاء الأخير الذي يرى فيه إدوارد سعيد زميله ميشال شلهوب ولن تحتفظ ذاكرة المفكر بغير صورة المداهنة والرياء التي قابل بها واحد ممن يسميهم سعيد بالسكان الأصليين شخصية كولونيالية ويغرقها بكلمات الثناء والمديح. “ولم أسمع عن شلهوب ثانية إلا بعد عقد من الزمن عندما سُمّي عمر الشريف وتزوّج فاتن حمامة وصار نجما سينمائيا افتتح نشاطه في الولايات المتحدة سنة 1962 في فيلم لورنس العرب من إخراج دافيد لين”.

هل كان ادوارد سعيد قاسيا في وصفه لعمر الشريف؟ وهل كانت أحكامه وليدة انطباع شخصي يفتقر الى الموضوعية؟ من الصعب الحكم على ما قاله ادوارد سعيد فهو مفكر يهتم كثيرا بالتفاصيل ولا تضيع الأحداث من ذهنه ولكنه في ذات الوقت لا يخلو من ميل الى الحكم على غيره انطلاقا من موقفه الفكري الذي كان يرفض كل تبعية للسيد الغربي مهما كان التبرير أو الأسباب.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

اترك رد