مدوناتالرئيسيغير مصنف

الجــــــــزائر أرض الشهادة والشهداء

 

من الترف أن نكتب عن الجزائر، فالجزائر لا تشبه شقيقاتها فيها شيء ما يجعلها مختلفة عنهن، ربّما هي دماء الشهداء التي تجعلها متسامية ومتعالية  إلى هذا الحدّ، لطالما كان الشهداء من مكوّنات شخصيتها المتفرّدة، إنّها أرض البطولات والفدائيين وهي أرض المجاهدين والمرابطين، فسلام على الشهداء الذين يحرسون أبوابها وتاريخها وذاكرتها وسلام على أرضها الشامخة.

ربّما تكون هذه المقدّمة منقوصة بل هي منقوصة طالما أنّها لم تكتب بالدماء، تلك الدماء الزاكيات الطاهرات، فالدماء حنّاء الجزائر  عروس الشهادة، فلا تجزعي يا شقيقة، ولا تحزني يا أخيّة، إنّ الشهداء يبتسمون لك من علياء السماء ويلوحون بأيدهم المتعبة ويقولون بصوت عال سلام يا أرض الطهارة والشهداء، فهل سمعتم ما قال الشهداء…؟

ربّما تناسى الكثير أنّ الجزائر أرض الشهادة فجاءهم الخبر اليقين بسقوط 257 شهيدا في يوم واحد، في لحظة واحدة، جمعتهم الشهادة على أرضها كما أقسموا على أنغام نشيدها، شهادة من أرض قدّمت الكثير من سيرة الشهداء والأبطال في محاربة الاستعمار إلى المحافظة على الاستقلال، لنتذكر سويّا أسماء الشهداء كسرب حمام يحطّ على سور الذاكرة النائمة فيوقظها بتؤدة وسلام.

تنتعش الذاكرة بأسماء عشرات الشهداء بل المئات ونتذكر سوّيا أنّ الجزائر بلد المليون شهيد،  نستحضر كلمات ” العربي بن مهيدي”  و سيرة  ” أحمد زبانة ” و”مليكة قايد” وشجاعة  “مراد ديدوش ” ونتذكر جميع الشهداء في تاريخ الجزائر بعد حادث سقوط الطائرة العسكرية.

كما مازلنا نتعلم عشرات الدروس من 257 بيت جزائري،  في الغرب والشرق ، لقد تفرّقت دماء الشهداء على كلّ تراب الجزائر، وكأنّهم اتفقوا أنّ يعيدوا القول لكل من يتناسى أنّ ” الجزائر واحدة” و”الجزائر جزائرية” بعربها وأمازيغها، فكفى يا صنّاع الفتن، لقد وصلت رسالة الشهداء إلى كلّ الجزائريين، لقد وحدهم الحزن والحداد كما وحدهم الاستعمار سابقا.

لقد كان الحزن الجزائري بنكهة وطعم آخر، فبلد المليون شهيد لا تعترف بالموت فأرواح أبناءها دائما تعيش فيها وترافقها وتجمع بين أبناءها ، تحولت حادثة الطائرة العسكرية إلى ما يشبه الاحتفال، إذ فتحت فنادق المدينة التي سقطت فيها الطائرة المنكوبة أبوابها لأهالي الشهداء والضحايا، والمعزين وغرّد الجزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي بلحمة كبيرة أنّ  شهداء الجيش الجزائري محلّ فخر واعتزاز لكلّ الجزائريين.

تداول الكثير هذه الجملة “الطائرة تسقط وأعمل على تجنب وقوعها فوق منطقة آهلة بالسكان”. وهي آخر ما قاله الطيّار البطل “دوسن إسماعيل”، جملة تعكس أخلاق الجندي الحقيقي، في زمن لم تعد فيه قيمة لأرواح المدنيين.

ربّما تتحوّل هذه الكلمات القليلة إلى درس شديد القساوة في المستقبل لبعض الجيوش العربية التي مازالت تقتل أبناءها المدنيين وتزّج بهم في الحسابات العسكرية من أجل الانتصارات الواهية التي كان وقودها المدني وربّما تكون الخطوة الأولى لمراجعة أخلاقيات الجيوش العربية التي فقدتها بحشر نفسها في معارك السياسة.

ربّما لم يتفطن بعضنا إلى قيمة آخر كلمات الطيّار البطل “دوسن إسماعيل ”  ولم يتمعن بعضنا في دلالات هذه الجملة اليتيمة ولكنّها بمثابة درس عظيم من طيّار شجاع تجنب أن يذهب المدنيين ضحايا جرّاء الأخطاء التقنية مفضلا أن يموت أقل عدد ممكن.

“الطائرة تسقط وأعمل على تجنب وقوعها فوق منطقة آهلة بالسكان”، جملة بسيطة جدّا لم يكلف قائلها أن تكون ذات مسحة عاطفية أو بلاغية، ولكنّها جملة ستبقى في تاريخ الذاكرة الجزائرية بل والعربية، جملة تعيدنا إلى أخلاقيات فقدت في عصر النووي والكيماوي، في عصر صرنا نرى فيه الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ  على شاشات القنوات، والذين سقطوا ضحايا القذائف التي لم تميّز بين أهدافها الحربية والمدنيين.

 

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد