مدوناتالرئيسيغير مصنف

الجسد العار(ي)

سلسلة الاسلام والجسد

 

لقي جسد “المرأة” اهتماما مخصوصا مقارنة بجسد الرجل، وقد عملتُ في الدراسات السابقة على تعميق البحث في مفهوم الجسد من المنظور القرآني، لاستنباط بعض المعاني، علما أن تعميق النظر في “الجسد” في القرآن الكريم لا يتوقف على دراسة كلمة “الجسد” وإنما يتعداها إلى كل المعاني التي تتعلق بالجسد ومجازاته.

 

وقد خلصنا فيما سبق إلى أن للجسد الإنساني حرمة لعِظم وظيفته العمرانية في الأرض، وأن المنظورات “التدنيسية” التفسيرية للجسد هي نتيجة ثقافات أخرى أثرت في العملية التفسيرية إما عن طريق الإسرائيليات أو تأثير ثقافة العصر على المفسر، إذ المفسر يوظف المعارف المتاحة له للوصول إلى تأويل مّا، وهذا لا يقدح في كونه مفسرا، وإنما يفتح لنا بابا للنظر والنقد للاشتراك في الخطاب القرآني والاختلاف في آليات التفسير وأدواته بين العصور.

الجسد الأنثوي بين الحجب والكشف:

كان جسد المرأة، ولا زال، موضوعا للبحث من مختلف التيارات والحقول المعرفية، وقد تضاربت التيارات الفكرية في توصيف الجسد الأنثوي وتصويره، بدءا بالقول بعورته كاملا، وهذا ما كانت عليه بعض الفتاوى الفقهية، وانتهاء بالعمل على كشفه كاملا، كما فعلت بعض التيارات العدمية باسم حيادية الجسد، والانطلاق من أن الانجذاب نحو الجسد أمر ثقافي وليس طبيعيا.

كما نجد توجهات متعددة في مذهب “الكشف” تصل حد التناقض والتضارب، تختلف باختلاف مصادرها وأسبابها، فنجد وراءها دوافع اقتصادية وفلسفية وفنية وغيرها.. فمن تجليات الدوافع الاقتصادية أن تمّ النظر للجسد نظرة مادية نفعية،  فرأت في الجسد مصدرا للكسب والربح، تمثل ذلك في جعل المرأة مركزية في عملية التسويق والموضة وانتهاء باستثمار المرأة في أعمال الدعارة والفيديوهات البورنوغرافية الخليعة، فنتج عنه ما يمكن تسميته ب: الاستعباد الخفي “للجسد الأنثوي”.

إن التيار الأول، ويمكن أن نسميه بتيار “الحجب الكامل”، الذي يرى الجسد الأنثوي “عورة بأكمله” ويمنع أي نشاط للمرأة في الفضاء العام، ينتمي لثقافة الوأد الجاهلية التي ترى الأنثى “مصدرا للعار”.

وكثيرا ما تختزل الثقافة الإسلامية في هذا التيار أسفًا، في حين أننا نجد في ثقافتنا وتاريخنا ما يدل على نشاط المرأة وعطاءاتها في الفضاءات الخاصة والعامة بدءا بعصر الرسالة، بل إن القول بتشريع الحجاب يؤكد هذا الأمر ولا يلغيه كما يفهم البعض.

إذ يضبط حدود الجسد الأنثوي ويترك فسحة لتحقيق التعارف، فيكون الجسد في خدمة الإنسان، وتتوارى النظرة الشهوانية وتتجلى النظرة الثقافية التي تركز على الجانب الإنساني المشترك دون إلغاء تام للحدود الجنسية.

“فعندما يدعو الإسلام إلى الستر كقيمة جمالية وأخلاقية، فإنه يحدد الدائرة التي تعبر فيها المرأة عن مخزوناتها الإنسانية، تحتجب المرأة/الأنثى عن العين لتتكشف لها المرأة/الإنسان. إن الستر هنا هو إبراز للمرأة في بعدها الثقافي والإنساني”[1].

أما التيار المقابل، ويمكن أن نسميه بتيار “الكشف الكامل”، الذي ينظر “للجسد العاري” كجسد محايد تختلف الأنظار إليه باعتبار الثقافة لا الطبيعة.

وهذا التصور قد يبدو بريئا إلا أنه مطية ل”الاستعباد الخفي” كما تمّ بيانه. وعليه، فإن تحييد الجسد في الفضاء العام، قابلته رغبة في كشفه وإبرازه بتسليعه وتشييئه، فكان الجسد الأنثوي مصدرا للثروة والمال.

ومن هنا صرنا أمام ما يسميه الدكتور مصطفى المرابط ب”الأنثى المؤنثة”، “فإذا كانت وظيفة الأنثى هي الإنجاب، ووظيفة المرأة هي الإعمار، فإن وظيفة الأنثى المؤنثة هي الإغراء”[2]

ويتحقق هذا الإغراء”من خلال إعادة صياغة الجسد الأنثوي وفق مقاسات شروط التأنيث الجديدة. فصناعة التأنيث هذه انتزعت الجسد من وظيفته البيولوجية لتشييئه وتحويله إلى مادة للبصر والفرجة والمتعة، يحاط بطقوس احتفالية دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة عبر عنها جيل ليبوفتسكي Gilles Lipovetsky بعبادة الجسد الأنثوي[3]

…إن جسد الأنثى طبيعي ومعطى بيولوجي، أما جسد  الأنثى المؤنثة فهو اصطناعي ومعطى حضاري، وتصنعه مؤسسات صناعة المتعة أو الفتنة، التي تنتج كل المواد التي تعمل على تطويع وتحوير الجسد ليتناسب وشروط الأنوثة المصطنعة، وفق مقاييس دقيقة.

ومن هنا يتم تسويق فكرة أن رأسمال الأنثى هو الجسد، مما يستوجب حمايته والعناية به وذلك بإخضاعه لمقتضيات صناعة التأنيث الجديدة”[4].

ومن هنا تغيب المرأة ككائن ثقافي، وتحضر ككائن اصطناعي أعيدت هندسته ضمن شروط ثقافة التأنيث الجديدة، ومع مؤسسة الموضة تمّ الإعلان عن موت المرأة وتجريد الأنثى من وظيفتها البيولوجية، وتحويل الأنوثة من معطى بيولوجي إلى معطى اصطناعي واستهامي[5]، فضاع سمو “الجسد” بين تصورات “العار” و”العراء”.

 

إن الصورة الجديدة للمرأة تم تكريسها في الإعلانات والفن ولعب الأطفال وكل ما من شأنه أن يخدم “المال” و”الربح” و”الكسب”، وهذا المنظور المادي التسليعي للجسد لم يسلم منه تيار، بل حتى التيار الإسلامي الذي كان يتصلب أمام هذا التوجه سرعان ما أصابته سيولة واضحة

الجسد الإنساني: سلعة وديكور

إن أبشع صور التعامل مع الجسد سلعنته، وجعل الإنسان في خدمة الشيء بدل العكس، ونجد تمثلات هذه المسألة في الرأسمالية التي رأت في الجسد الأنثوي وسيلة لدر المال، ومن هنا كان هذا الجسد كبقية الآليات والوسائل، وتتجلى صلاحيته بقدرته على جلب الأنظار وتسويق المتعة والسلعة. وللأسف كانت يد المال هي المحركة لهذه الصناعة الجديدة، وكانت الأيديولوجيا مجرد آلية للتبعية والتسويغ والتبرير، فلا يمكن تفسير الأمر إيديولوجيا فقط دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة الاقتصاد على تغيير هندسة المجتمعات والأفكار.

و”تبدو مؤسسة صناعة المتعة قد أسرت المرأة واختزلتها في جسدها، وتبرز مؤسسة الموضة كأخطر وسيلة ابتكرها الإنسان لاستلاب المرأة وتشييئها. وكان الفضل للسيميائية لكشف وفضح منظومة الإشارات التي تخفيها ظاهرة الموضة كما ذهب إلى ذلك رولان بارث في كتابه systèmes de la mode[6]. الموضة كما يوضح بارث بالإضافة إلى كونها عملية استهلاكية.

فهي لغة الجسد تعبر عن الداخل وتلامس الجسد مباشرة، إنها تحجبه أو تفضحه…إن اللباس مثلا يفصح عما يخفيه الكلام غير المنطوق. لذلك ليس غريبا أن نجد بعض المحلات التجارية في بعض العواصم الأوربية استعاضت عن الدمى لتسويق الملابس في واجهات المحلات بالمرأة، التي تأخذ مكانا في الواجهة لتلفت الأنظار من خلال تغيير أوضاعها.[7]

إن الصورة الجديدة للمرأة تم تكريسها في الإعلانات والفن ولعب الأطفال وكل ما من شأنه أن يخدم “المال” و”الربح” و”الكسب”، وهذا المنظور المادي التسليعي للجسد لم يسلم منه تيار، بل حتى التيار الإسلامي الذي كان يتصلب أمام هذا التوجه سرعان ما أصابته سيولة واضحة.

ويعد تطور عمليات التجميل دليلا على إعادة صناعة الجسد الأنثوي وفق محددات جديدة، تجعل الجمال نمطا واحدا لا متعددا، بحيث تم توحيد صورة الجمال ومعاييره ومقاساته. ومن هنا، تراوح الجسد الأنثوي بين كونه آلة لتزيين السلعة أو ديكورا لتمتيع نظر الرجل.

وهي في هذا وذاك تتراوح بين كونها “سلعة” أو”ديكورا”، وما مصحات التجميل التي تتكاثر كالفطريات في بلداننا إلا دليل على هذه الصورة النمطية للمرأة.

فنجد مصحات خاصة بالتخسيس، وأخرى خاصة بالنفخ، وثالثة بالوشم، حتى صرنا أمام نسوة موحدة من حيث شكل العين والأنف والفم والأسنان البيضاء والأثداء المنتفخة والوسط الضيق… فاختلط المنظور الجمالي بالمنظور الجنسي، وهذا ما يتجلى في عمليات النفخ.

إن مجتمعاتنا العربية انخرطت بقوة في مضمار هندسة الوجه والجسد، وفتح هذا الباب للتخصص الطبي والربح المادي الوفير، والتحق الرجل بالركب في إطار “تسليع الإنسان” بل جعله في خدمة السلعة، فالموضة والتجميل لا تستثنى فيه المرأة عن الرجل، فهما في “التسليع” سواء.

وعليه، فإن الجسد الثقافي أصابته تشوهات كثيرة كادت تفقده إنسانيته، فهل إلى عودة الاعتبار لإنسانية الإنسان من سبيل؟ !

[1] – المرأة/ المرأة: مقاربة حضارية: مصطفى المرابط، مجلة المنعطف، العددان15/16، ص48.

[2] – المقال السابق، ص48.

[3] -la troisième femme, Gilles Lipovetsky, Gallimard, 1997, p113.

[4] – صناعة الأنوثة، مصطفى المرابط، موازين، الكتاب الحادي عشر، ص28.  بتصرف

[5][5] – المرأة/المرأة، مقاربة حضارية، مصطفى المرابط، ص52.

[6] – Systèmes de la mode, Roland Barthe, point seuil, 1977, p291.

[7] – المرأة/المرأة، مقاربة حضارية، مصطفى المرابط، ص51.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد