مجتمعغير مصنف

بعد 70 سنة: لماذا ينظم الفلسطينيون مسيرات للعودة إلى ديارهم؟

فلسطينيون شهدوا النكبة يروون وقائع تهجيرهم من بيوتهم وقراهم قبل قيام دولة اسرائيل

 

يطالب الفلسطينيون بحقهم في العودة إلى ديارهم في مسيرات بدأت منذ يوم الجمعة، وتستمر ستة أسابيع في غزة والضفة الغربية والقدس.

 

في غزة، تجلس فضيلة العشي البالغة من العمر 82 سنة، على كرسي خشبي صغير، أمام منزلها في حي النصر الواقع شمال مدينة غزة، متطلعة إلى الحديث عن الأيام الخوالي ومنزلها في بئر السبع، والتي تعد الآن بلدة في جنوب إسرائيل.

 

قالت فاضيلة لميدل إيست آي: “أنا جالسة هنا بعدما أخبرني حفيدي بقدومكم للسؤال عن مدينتي. ما زلت أتذكر كل شيء كما لو أنه حصل بالأمس”. وتابعت حديثها قائلة: “ولدت وعشت في بلدة بئر السبع لمدة 12 سنة. وكان والدي صاحب متجر صغير، وعلى الرغم من ضيق الحال في ذلك الوقت، إلا أننا كنا أسعد بكثير مما نحن عليه اليوم”.

 

كانت فضيلة واحدة ضمن أكثر من 750 ألف فلسطيني، أُخرجوا قسرا من بلداتهم وقراهم الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عقب قيام دولة إسرائيل في آيار/مايو سنة 1948، والتي تعرف بالنكبة عند الفلسطينيين.

 

فضيلة العشي، 82 عاما، جالسة على كرسي خشبي امام بينها بحي النصر في قطاع غزة

 

وأضافت العشي: “استيقظنا في أحد الأيام لنجد أن القوات الإسرائيلية اقتحمت الحي، وأجبرتنا على مغادرة منازلنا دون إشعار مسبق”.  وأكملت قائلة: “سرنا لساعات قبل وصولنا إلى غزة، إلا أن الوضع هناك لم يكن مختلفا. كنا نَنام لأيام متتالية في إسطبل للخيول على أمل العودة إلى قرانا سريعا، لكن ذلك لم يحدث أبدا”.

 

ووفقا لفضيلة، فإن حلم العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين ليس إلا مسألة وقت. وقالت: “علقنا مفتاح منزلنا على الجدار لسنوات، وبعدها طلبنا من والدنا التخلص منه، إلا أنه كان يرفض باستمرار، قائلا إننا سنعود إلى بيتنا قريبا”.

وبعد مرور حوالي 70 سنة، تجاوز عدد اللاجئين الفلسطينيين 5.34 مليون لاجئ حول العالم، وفقا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). في حين يشكل اللاجئون 42 بالمائة من سكان فلسطين (إسرائيل والضفة الغربية المحتلة والقدس وغزة) البالغ عددهم 4.5 مليون نسمة، حسب تقدير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

 

مسيرة العودة الكُبرى

يستعد الكثير من الناشطين الفلسطينيين، والذين يحظوا بدعم من الفصائل الفلسطينية، من أجل المشاركة في مسيرة حاشدة تستمر 46 يوما للمطالبة بحقهم في العودة. وقد انطلقت مسيرة العودة الكُبرى يوم 30 من شهر آذار/مارس من عدة مناطق، بما فيها غزة والضفة الغربية والقدس. كما دعا المنظمون إلى الاحتجاجات والمسيرات في البلدان المجاورة على غرار الأردن وسوريا ولبنان.

 

وتزامن هذا اليوم مع ما يطلق عليه الفلسطينيون يوم الأرض (الفلسطيني)، كبادرة لإحياء ذكرى اليوم الذي قتلت فيه القوات الإسرائيلية ستة فلسطينيين خلال الاحتجاجات ضد مصادرة أراضيهم في سنة 1976.

وأكد الناطق باسم اللجنة المنظمة للمسيرة في غزة، أحمد أبو رتيمة، قائلا: “نحن نخطط لمسيرة سلمية، لن نرمي فيها حتى الحجارة”. وأضاف: “حتى لو استخدم الجنود الإسرائيليون القوة المفرطة لتفريق المظاهرة، فإننا لن نتوقف حتى نعبر الحدود ونصل إلى قرانا المحتلة”.

 

استيقظنا في أحد الأيام لنجد أن القوات الإسرائيلية اقتحمت الحي، وأجبرتنا على مغادرة منازلنا دون إشعار مسبق

الجدة فضيلة العشي

 

وفي ظل التظاهرات الحاشدة المخطط لها، نشر الجيش الإسرائيلي أكثر من 100 قناص على حدود قطاع غزة، حسب ما نقلته وكالة رويترز يوم الأربعاء. ومن المتوقع أن تستمر الاحتجاجات حتى يوم 15 من شهر أيار/مايو، والذي يوافق الذكرى السنوية السبعين للنكبة.

 

وبحسب المنظمين، فإن المسيرة الضخمة لهذه السنة جاءت كرد على التسريبات المتعلقة “بالصفقة الأخيرة” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أشارت إلى إقامة دولة فلسطينية تتكون من غزة ونصف الضفة الغربية، دون القدس. كما تقوض الصفقة حق الفلسطينيين في العودة. وأضاف المنظمون أن المسيرة الكبرى تدعو إلى ترسيخ حقهم في تقرير المصير.

 

اختتمت فضيلة حديثها، قائلة: “كان من المفترض أن تقام المسيرة منذ وقت طويل. نحن لا نريد شيئًا من الإسرائيليين، نريد فقط العودة بسلام إلى الوطن”.

 

وتأتي المسيرة كجزء من مطالب الفلسطينيين المستمرة بالتطبيق الكامل لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 والصادر في كانون الأول/ديسمبر من سنة 1948، والذي ينص على أنه “يجب السماح بدخول اللاجئين الراغبين في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم، في أقرب وقت ممكن”.

 

“لم يكن لدينا خيار”

قضت حليمة أبو دية، البالغة من العمر 95 سنة، سبعين سنة وهي تحلم بالعودة. فهي تنتمي أساسا إلى دير سنيد، إحدى القرى الفلسطينية الواقعة في محافظة غزة. كانت هذه القرية خاضعة للانتداب البريطاني عندما وقعت مأساة عائلتها. وتعود الذكريات بأبو دية للوراء فتقول: “كان لديّ ثلاثة أطفال وكنت حاملا عندما تم تهجيرنا. كان ذلك أصعب يوم في حياتي كلها”.

وأضافت: “بدأ الجنود الإسرائيليون في الوصول إلى قريتنا على متن الشاحنات، و كانوا يطلقون النار في كل مكان. توجب علينا حينها أن نبيت ليلا في أرض أبي الزراعية، ونعود إلى البيت في الصباح. وفي وقت لاحق تم إجبارنا تحت تهديد السلاح على ركوب السيارات، التي كانت تقودنا إلى مكان قريب من الحدود مع غزة، حيث مكثنا ثلاثة أيام، وبعد ذلك نُقلنا مرة أخرى إلى قطاع غزة”.

وعندما سألناها إذا كانت لا تزال تملك مفاتيح منزلها، أخبرتنا أبو دية أنها لم تكن في حاجة إليها. وأوضحت: “لم نمتلك أبدا مفتاحا لمنزلنا، فقبل وقوع النكبة كانت قريتنا آمنة لدرجة عدم احتياجنا لإغلاق الأبواب”.

 

تم إجبارنا تحت تهديد السلاح على ركوب السيارات، التي كانت تقودنا إلى مكان قريب من الحدود مع غزة

حليمة ابو داية

 

تتذكر أبو دية مقتل شقيقها بطلق ناري على يد جندي إسرائيلي والدموع تغمر عينيها. لم تترك لهم هذه الحادثة إلا خيارات قليلة، فإما الموت أو الرحيل.

وتقول حليمة: “في حال نجح الناشطون في الوصول إلى الأراضي المحتلة، فإن أول شيء سيشاهدونه هو أرض أبي التي تبلغ مساحتها 30 فدانا. أتمنى أن يتمكن شباب اليوم من القيام بما عجزنا عن فعله منذ سبعين سنة”.

ووفقا لما قالته حليمة، فقد حول المستوطنون الإسرائيليون أرض والدها الزراعية إلى مزرعة نحل.

كانت قرية دير سنيد واحدة من بين حوالي 400 قرية أخرى تم تدميرها وتهجير سكانها خلال سنة 1948. ومنذ 2007 فرضت إسرائيل حصارا خانقا على قطاع غزة، عقب استحواذ حماس عليه، بعد سنة من فوزها في الانتخابات التشريعية.

وفي شأن ذي صلة، كشف تقرير الأمم المتحدة الصادر في تموز/يوليو 2017 أن الأوضاع الحياتية لما يقارب مليوني شخص، ضمنهم 1.3 مليون لاجئ، تشهد تفاقما كبيرا، حيث أصبح القطاع “غير صالح للعيش”.

وقال المؤسس والمدير السابق للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده: “إن سكان غزة يائسون لدرجة اعتقادهم أن الوضع لا يمكن أن يزداد سوءا”. وأضاف: “لقد حان الوقت لكي يعامل المجتمع الدولي اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم بشرا، لديهم قضية سياسية وإنسانية، وليسوا مجرد مجموعة مستضعفة، في حاجة مستمرة إلى تلقي إمدادات إغاثية”.

 

ابو هاني الخطيب، 83 عاما، في محل حلاق بسوق فراس الشعبي في قطاع غزة

 

وصرح أبو هاني الخطيب، وهو حلاق يبلغ من العمر 83 سنة، ويمتلك متجرا صغيرا في سوق فراس الشعبي وسط مدينة غزة، إن رغبته الوحيدة تتمثل في العودة إلى قريته كرتيا، وهي قرية فلسطينية تقع شمال شرق قطاع غزة.

ووفقا للخطيب، فقدت يافا معظم سكانها العرب، الذين اضطروا إلى الفرار من الهجمات المكثفة على قراهم، خلال أواخر الأربعينيات.

كما أضاف أن الفلسطينيين لا يملكون خيارا آخر سوى الهروب من تلك الهجمات الشرسة، وقال: “لقد هربنا من بيوتنا ولم نأخذ معنا أي شيء. كنا نظن أننا سنعود مرة أخرى في غضون يومين أو ثلاثة أيام ولكن ها نحن ذا وقد مرت سبعون سنة”.

عبر الخطيب عن أسفه لأن المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمضيا 70 سنة في مناقشة الأزمة وصياغة القرارات. واستطرد قائلا: “كما لو كانت معادلة في غاية الصعوبة”.

كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني في الفترة الممتدة بين 1917 إلى 1948، عندما انسحبت القوات البريطانية بعد أشهر من القتال العنيف.  وخلال سنة 1917، وعد آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت، بالمساعدة في إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، فيما يعرف باسم “وعد بلفور”.

وقال الخطيب إن “الأمر في غاية البساطة فحتى لو وافتنا المنية، نحن المهجرين، لن يرتاح أحفادنا حتى يعيدوا إحياء حلمنا الذي بلغ من العمر سبعين سنة”.

 

ترجمة مجال ميم للمقال الذي نشر باللغة الانجليزية على موقع ميدل إيست آي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق