اختيار المحررينثقافةغير مصنف

آنا أخماتوفا: المرأة الّتي تحدّت جوزيف ستالين

 

“إنّ الأدب مأساة أو لا يكون”، هكذا اختصر أديب
نا الكبير محمود المسعدي الكوجيتو الأكبر لفعل الكتابة. ولعلّ كلّ حقبة مظلمة في تاريخ البشريّة، أنتجت باستبداد حكّامها وصعوبة العيش فيها أدبًا رفيعًا وخالدًا في أغلب الأحيان.

في روسيا في عام 1917، ثار العمّال والفقراء والفلّاحون على نظام شرب من دمهم وعرقهم واغتال أحلامهم، لكنّ بعد سنوات وفي ظلّ الحكم الستاليني تحوّلت مطرقة الثورة الّتي حطّمت أغلال المظلومين إلى مطرقة تحطّم رأس كلّ من يفكّر في نقد الرجل الواحد “ستالين”.

في ظلّ هذا الاستبداد المرعب عرف أغلب المبدعين الروس محنة كبيرة في النصف الأوّل من القرن العشرين، فعاشت الشاعرة مارينا تسيتاييفا والأديب بوريس باسترناك في جحيم المنفى، فيما انتحر الشاعر سيرغي يسينين والشاعر الّذي شارك في الثورة فلاديمير ماياكوفسكي بعد أن خابت آماله في الّذين خانوها، وغيرهم كثيرون…

لكن من بين هؤلاء الأدباء، تحتلّ آنا أخماتوفا مكانة خاصّة نظرًا لتعدّد الأحداث المأساويّة الّتي عاشتها، وشجاعتها في مقاومة الرعب الستاليني، إضافة إلى غزارة إنتاجها والحكمة والحرارة العظيمين اللّذان يَسِمان قصائدها.

 

 

لُقّبت بـ”روح العصر الفضّي” و”ملكة نهر النيڤا”. هي آنا أخماتوڤا، شاعرة وناقدة أدبيّة ومترجمة من أعمدة الأدب الروسي في القرن العشرين، وُلدت في 11 جوان عام 1898 في أوديسا بأوكرانيا. كان اسمها الحقيقي هو آنا أندرييڤنا غورنكو، بدأت الكتابة في سنّ الحادية عشرة متأثّرة بشعرائها المفضّلين راسين وبوشكين وباراتينيسكي، وعندما رفض والدها رؤية لقبه على قصائدها المطبوعة اختارت تبنّي لقب جدّتها “أخماتوڤا” ذو الجذور التتاريّة.

في عام 1905، انفصل أبواها فعاشت مع أمّها وأخواتها منذ ذلك الوقت.

 

 

تتلمذت على يد الفيلسوف الروسي غوستاف سـپـاث في مدرسة البنات بكييڤ، ثمّ درست القانون في مرحلة لاحقة. وفي هذه المرحلة، تعرّفت على الشاعر نيكولاي غوميلاڤ وتزوّجا في 1910.

بعد زواجهما، قضّى الزوجان الشاعران عاميْن في باريس، حيث تعرّفا على عديد الوجود الفنّية اللامعة، لعلّ أبرزهم أميديو موديلياني الفنّان التشكيلي العبقري الّذي رسم بورتريهات عديدة للشاعرة آنا أخماتوفا، تعتبر من أشهر الأعمال الفنّية في النصف الأوّل من القرن العشرين.

 

 

أُعدِم زوجها نيكولاي غوميلاڤ في عام 1921 لنشاطاته المعادية للثورة، فتزوّجت عالم الأشوريّات البارز “فلاديمير شيليجكو”، ثمّ الباحث الأدبي “نيقولاي بونين” الّذي تُوفِّي في معسكرات الأشغال الشاقّة.

وبسبب نشاط زوجها غوميلاف، منعت السلطات السوفياتيّة نشر أشعار أخماتوفا من العشرينيّات حتّى الأربعينيّات. وفي أعوام الثلاثينيّات، تعرّض ابنها ليف غوميلاف للاضطهاد والقمع حيث اعتقل ثلاث مرّات وأمضى في معسكرات الاعتقال 14 عاما. كما تمّ إعدام صديقها الشاعر أوشيب مندلشتام في عام 1938، في معسكر الاعتقال بالغولاغ.

 

 

عاشت أخماتوفا حياة صعبة جسّدتها في أعظم قصائدها بعنوان «نشيد جنائزي». وفي هذه القصيدة تحكي، بإحساس عميق بالعجز واليأس، عن تجربة الشعب الروسي تحت حكم ستالين، خصوصاً معاناة النساء اللّاتي كنّ يقفن معها خارج أبواب المعتقلات، بانتظار رؤية أزواجهنّ وأبنائهنّ. وقد قالت في مقدّمة هذه القصيدة:

“أمـام هـذه الآلام تنحني الجبـال إجـلالًا

وتتوقّـف الأنهـار العظيمــة عن التدفّق

غير أنّ بوّابـات السجن ثـابتــة..

وخلفنــا كهوف النفـي والوحشة القاتلـة!

لأجـلِ إنسان مـّا، تهـبّ هذه الـريح النـديّة

لأجـل إنسان مـّا، يتـورّد الشـفق؛

نحـن لا نعـرف شيئا؛ فالأمـر لنا سيَان

نحـن لا نسمـع سوى صرير الأقفـال

الّتي يغلقها الجنود عنـد النـوم؛

ووقـع خطـاهم الثقيــلة!

 

استيقظنا فجـرا..

وكأنّما علينـا أن نذهـب إلى صـلاة القـدّاس..

فاخترقنـا العاصمــة المقفـرة؛

تقـابلنـا هنـاك كـالمـوتـى..

كانت الشمـسُ منخفضـة، ونهـر النيفا يبدو ضبابيـًّا؛

وفي البعيـد كان الأمـل يغنـّي..

وفجـأة..

صـدر الحــكم؛

فانهمـرت الدمـوع من المـآقي..

وكأنّما الحيـاة اُقتُلعـت من القـلب..

وكأنّما أصطـدم المـرءُ بشيء مـّا؛

أمّـا هي فتمايلت وحيـدة..

 

فكلّ هذه المحن لم تُثنِ آنا أخماتوفا عن الكتابة أو مساندة كلّ المقرّبين منها الّذين قاسوا من بأس النظام الستاليني، كما لم يدفعها كلّ هذا الوجع إلى الهروب خارج روسيا، بل ظلّت تقاوم من الداخل بالكلمة الحرّة، وهي الّتي قالت: “كلُّ شيء جاهز للموت، وأفضل ملاذ للمقاومة على هذه الأرض هو الحزن، وما سيمكث هي الكلمة الحرَّة”.

 

 

ولعلّ من أجمل القصائد الّتي كتبتها، تلك الّتي تخاطب فيها البوليس السرّي:

ستأتي رغم كلّ شيء، فلماذا لا تأتي الآن؟‏

أنا أنتظرك، وحالتي صعبة‏

لقد أطفأتُ الضوء، وفتحتُ الباب‏

لكَ، أيّها البسيطُ والرائع.‏

فالبس لأجل ذلك الوجه الذي تُريد ـ‏

اقتحم رصاصةً مسموَمةً،‏

أو تسلّل حاملاً أداةً ثقيلة؛ كأيِّ مجرمٍ ذي خبرة.‏

أو سمّمني بحُمّى التيفوئيد.‏

أو اقتُلني بخرافةٍ تختلقها،‏

وكلّ أحداثها معروفة حدّ الاستفراغ ـ‏

كي أرى ذروة القبّة الزرقاء‏

ووجهَ حارس العمارة المُصفَر من الذُعر.‏

سيّان عندي الآن. نجم القطبِ يَرتفع..‏

يتصاعد “ينيسيه”.‏

ويبدّدُ البريقُ الأزرق للعيون التي أحبُّها‏

الرُعبَ الأخير.‏

 

لقد عكست آنا أخماتوفا في أشعارها محنتها الوجوديّة الخاصّة، لكنّها لم تكن تستعمل التورية بل تُشير إلى الداء الّذي ينخر روسيا، سرطان الحزب الواحد والرجل الواحد الّذي قتل رفاقه وخنق شريحة كبيرة من الشعب الروسي، وضيّق الخناق على مبدعيه ومقاوميه. وكان هذا كافيًا لدخولها دائرة المحظور، فسعى النظام إلى تدمير حياتها.

إنّ قسوة النظام الستاليني بالنسبة إلى المبدعين، لم يكن في محاصرتهم والتضييق عليهم فحسب من أجل نقدهم السياسي، أو لعدم ولائهم الحزبي؛ بل المسألة أعمق من ذلك، فكلّ إبداعٍ يكون خارج الواقعيّة الاشتراكيّة، يُعتبر تحريفًا وكفرًا بالثورة. فالسرياليّة مثلًا كانت خطيئة لا تُغتفر، كذلك الشأن بالنسبة إلى الرومنطيقيّة وغيرها من التيّارات الأدبيّة والفنّية….

ولذلك فإنّ آنا أخماتوفا لن تجد الراحة نسبيًّا إلّا بعد ستالين، فأُعيد إليها الاعتبار وصدرت طبعة خاضعة للرقابة من أعمالها وأصبح منزلها الريفي مزاراً للأدباء الروس مثل الشاعر جوزيف برودسكي، والأدباء الأجانب أيضًا مثل الشاعر الأمريكي العظيم روبرت فروست.

حظيت أخماتوفا بشهرة كبيرة في الغرب ونالت التكريم ونُشرت أعمالها الشعريّة والنثريّة في كثير من بلدان العالم كما حصلت على الدكتوراه الفخريّة من جامعة أوكسفورد.

 

 

وبعد وفاتها في 11 مارس 1966، اتّسعت شهرتها، وفي الذكرى المئويّة لولادتها صدرت أخيراً مجموعتها “قدّاس لراحة الموتى”، المجموعة الشعريّة الّتي مُنع نشرها خلال حياتها، وتحوّلت شقّتها إلى متحف يرتاده محبّوها، كما أُقيم لها تمثال في سان بطرسبرغ، وأُطلق اسمها على أحد الكواكب الصغيرة الّتي اكتشفها علماء الفلك السوفييت في عام 1982.

قال عنها الكاتب الروسي كورني تشوكوفسكي: “لا عجب في أنّها تُوفّيت بعد كلّ هذه المحن الصعبة، بل المدهش هو ذلك العناد الّذي لازمته طيلة حياتها، فعاشت رغم كلّ المحن سامية وفخورة ومحبّة وعصيّة على الموت”.

هكذا كانت رحلة هذه الشاعرة في الحياة، فرغم الوجع الكبير الّذي عاشته إلّا أنّها نجحت في تحويله إلى قصائد حارقة خالدة، بقيت إلى الآن مقروءة من قبل الكثيرين من محبّي الشاعر في العالم كلّه، لأنّها قصائد تلمس محنة الوجود في فترة صعبة من تاريخ الإنسانيّة لا في روسيا فحسب، بل في كلّ أنحاء العالم كلّه، فترة القمع والحروب الكونيّة ونضال الشعوب في سبيل استقلالها من القوى الاستعماريّة الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك رد